بيت (المدى).. يستذكر راهب الكلمات الحالمة جان دمو

بيت (المدى).. يستذكر راهب الكلمات الحالمة جان دمو

 بغداد/ محمد جاسم

 عدسة/ محمود رؤوف

كما في كل صباح يوم جمعة يجتمع الاحبة من محبي بيت المدى وجمهوره لاستذكار احد الرموز الثقافية او الفنية. استذكروا هذه المرة شاعر الصعاليك جان دمو، وبحضور ثقافي مهم من الاصدقاء والاحبة. اسمه الصريح يوخنا دمو يوسف، شاعر عراقي أبصر النور في مدينة كركوك عام 1943 لعائلة فقيرة. عُرف فيما بعد باسم (جان دمو) ليضفي على اسمه نكهة شعرية خاصة. عرف منذ شبابه بالميل إلى القراءة والكتابة، فضلاً عن ترجماته من الانكليزية إلى العربية وبالعكس. سافر إلى بيروت لغرض الإقامة هناك، إلا انه ما لبث أن عاد بأمر الحكومة اللبنانية لتشرده وعبثيته وصعلكته.

فتبعثرت قصائده وما كتب بين حانات بيروت وكركوك وبغداد. عده الكُتاب والنقاد (راهب الكلمات الحالمة ورائد الشعراء الصعاليك في العراق). وما يمكن ملاحظته على كتاباته هو، اطلاعه الواسع على الأدب العالمي والانكليزي خاصة، والذي كان واضحاً على نصوصه. كتب الشعر منذ الستينيات من القرن الماضي في مدينة النار الأزلية كركوك، وواكب أغلب الحركات الشعرية في العراق، وهو واحد من جماعة كركوك (فاضل العزاوي وسركون بولص ومؤيد الراوي وصلاح فائق وأنور الغساني). رحل عنا في مايس عام 2003 في إحدى مدن استراليا.

الشاعر المتمرد وغير المكترث بأحد

قدم للجلسة الشاعر زعيم النصار الذي قال:- زاملته لفترة طويلة وكنا نمشي سوية من مقهى حسن عجمي الى ابو نواس يوميا وكان معنا بعض الاصدقاء. لكني لم اكن صعلوكا كما جان دمو بل كنت متمردا على النظام وما يجري في البلد وكنت صديقا له ولغيره. كما كانت حالتي الاجتماعية جيدة منظما وقتي واشيائي. وكانت المجموعة كلها تجتمع على معاداة النظام السابق. وكانوا يرفعون شعار المقاومة للنظام بالكلمة والفكر. لاسيما جان دمو الذي لم يخش احدا من ازلام النظام ومن غيره كما سامي مهدي او حميد سعيد وغيرهما. كانت تجاوزاته عليهم يتندر بها الادباء في اليوم التالي. واذكر اني كتبت مقالة عنه بعنوان خائن الكلمات اقول فيها (حياة جان دمو تكاد تكون يوما واحدا يمتد من نهاية الاربعينيات وحتى الالفية الثالثة من كركوك الى بغداد ثم لبنان والعودة الى بغداد ثانية والمغادرة ثانية الى عمان واخيرا الى المنفى الاسترالي حيث توفي. حياته يوم واحد عمره خمسون عاما. ولم يفرق بين لحظة واخرى كلها متجانسة ومتساوية ينام ليصحو ويشرب ثم ينام ويصحو وهكذا لافرق عنده بين اللحظات والايام والسنوات. هكذا عرفته في حانات ومقاهي بغداد. قضى عمره يكتب ويترجم عن الانكليزية. وعندما نعطيه كتابا حتى ان كان بالانكليزية يقرأ فيه صفحات ليست كثيرة لكن تكون عنده فكرة عن المضمون والهدف ثم يتركه، لانه يعاني من ضجر كبير.. لكنه يحمل ذاتا رائعة ويقول في شعره كلاما كبيرا. كما كان يحلل الشعر الذي يسمعه بعناية وبطريقة مدهشة. وهو لا يكترث لاحد الا اصدقاءه المقربين فقط اما غيرهم فلا وجود لهم في عالمه العبثي. وكنا نحيطه بالعطف ومساعدته بالملابس والطعام والشراب. كان يكتب القصيدة بلا عناوين وبلا وزن كما كتب الرصافي يوما قصيدة بلا وزن منشورة في صحيفة عراقية في الخمسينيات كذلك كان روفائيل بطي وجماعة كركوك والاب سعيد، الذي يعد العراب لجان دمو. واحيانا يسترسل فيضيف كلاما في قصائده لآخرين اثناء جلوسه معهم! كما المقطع الاخير في احدى القصائد وهو للشاعر انسي الحاج.

جماعة كركوك

وقال احد جماعة كركوك الشاعر صباح كركوكلي:- شكرا للمدى وللشاعر زعيم لانه اتاح الفرصة للحديث عن شعراء المكونات الاخرى. كركوك شاءت الاقدار لها ان تكون مدينة نفطية واصبحت مصدرا للصراعات السياسية والعرقية، وانشغلت بها حتى الدول الاجنبية، لانها صارت كالبقر الحلوب للجميع. احد مميزاتها ظهور جماعة كركوك الادبية. وقد اختلف البعض بشأن فترة تأسيسها بعضهم قال انها نشأت في عام 1964 وهو خطأ. اذ انها نشأت كفكرة في 1955 تضم جليل القيسي وقحطان الهرمزي وانور الغساني وغيرهم. وكانوا يجتمعون في مقهى المجيدية واخذوا ينشرون نتاجاتهم الادبية التي تتميز بالتقدمية واليسارية بسبب تأثرهم بالادب السوفيتي. والقي القبض على كل من الهرمزي والغساني مما ادى الى تفرقهم الى حين قيام ثورة 14 تموز 1958. فعاد نشاطهم وتوسعت المجموعة حين اضيف لهم تركي الداودي وفاضل العزاوي ويوسف الحيدري ومؤيد الراوي والاب يوسف سعيد وجان دمو ومحي الدين زنكنة وسركون بولص. وبعد مجزرة كركوك المعروفة في 1959 انسحب البعض كالهرمزي وتفرق الآخرون الى اماكن اخرى فالغساني ذهب الى بغداد وجليل القيسي ذهب الى امريكا، ومحي الدين زنكنة الى بلد آخر وجان دمو الى بغداد ثم عمان. بعد انقلاب 1963 القي القبض على الغساني وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي فكانت فرصة لاقترابهم من الادباء العرب في السجن كفاضل ثامر ويوسف الصائغ ومظفر النواب وهاشم الطعان وفي عام 1964 حين اجتمع البقية في بغداد اطلقوا على نفسهم جماعة كركوك.

المعلم جان دمو

الروائي محمد علوان جبر قال:- كنت اتمنى ان يكون معنا الصديق حسين علي يونس الذي نشر عنه روايته (يوميات صعلوك) وهو وفاء لصديقه لاكثر من عشرين سنة، واطلق عليه اسم المعلم. ويقال ان حسين علي سيصدر رواية جديدة عن جان دمو في بلغاريا. وقد عرفت المعلم اثناء وجودي في بيروت عام 1973 وكان طيبا ومتمردا وشرسا. كنت ابحث عن عمل فاقترح علي ان يعرفني بالشاعر جليل حيدرالذي كان يدير جريدة النور. فذهبنا انا وجان ورحب بنا حيدر بحضور بلند الحيدري وقدمني له بصفة قاص ورسام ووعدنا خيرا. بعد اسبوع عملت مصمما للاغلفة في مؤسسة للتصميم. بعد فترة عاد دمو الى العراق وبقيت في بيروت الى بداية الحرب الاهلية اللبنانية عام1975. والتقينا مجددا في بغداد وعانقني بحرارة واستمرت علاقتنا الى حين مغادرته الى عمان. ولم اجد اكثر وفاء ومحبة لهذا الشاعر مثل النصار وحسين علي يونس. من هنا احيي رفاة هذا الشاعر الذي تنبت على ترابه زهرات جميلات. واضاف النصار: ان هناك وفيا اخر هو حسين علي الورد الذي كتب في ملحق عراقيون عن جان دمو واصدرعنه كتابا ايضا جمعنا انا واياه من شعر دمو الكثير. وكذلك ترجم دمو لاليوت وغيره لاسيما لشاعر يوغسلافي منفي لامريكا لم يكن معروفا في حينه لكنه اشتهر هذه الايام. كما ترجم سيرة سلفادور دالي ونشرت في مجلة بالعراق.

الصعلكة منذ العصر الجاهلي

وقال الدكتور نجاح كبة:- جان دمو من الشعراء المشهورين لجماعة كركوك او جماعة الشعر الحر. ولكل منهم ميزة عن الاخر وجمعتهم المدينة كركوك. وهم ايضا اصحاب الفكر التقدمي. وجان رجل يميل الى الصعلكة وهي قضية قديمة في الشعر العربي منذ الجاهلية. كما كان عروة بن الورد الذي عاش قريبا من الفقراء يوزع عليهم مايحصل عليه من غزواته للاثرياء في الصحراء حسب ما يؤمن به وهو مبدأ قريب من الاشتراكية اليوم. ويقول عروة: فانت امرؤ حافي وانا بنائي شبكة) وهذه الكلمة تشير الى مبدأ الاشتراكية عند الصعاليك.. والصعلكة استمرت عند الشعراء الى حد يومنا وهم ممن قسى عليهم الزمن. وجان دمو واحدا منهم. وقرأ صباح ميخائيل قصيدة عن صديقه دمو فقال:- قصيدتي الى دمو وسركون بولص اللذين اعطيا للحياة كل شيء ولم تعطهما الحياة الا القليل / ايها القادم من مدن الجوع والغربة والقلق/ الحلم بين الاسمال يتألق/لم تبغ بذلك الجسد /سوى رشفة عرق/ اذا كنت لاتمتلك قهوة السرور/ وتستبيح بنفسجة الروح/ ياسيد الصعاليك بعينيك الصغيرتين/ تحتضن نهايات الكلام/وبلا وجه تنوح/ طرقات بغداد تبحث عن خطاك الصغيرة/ تبحث عن آهة لم تطلقها في زمن كسيح/ يا اخر الصعاليك بين ساحة الاندلس وساحة النصر وباب المعظم/ قلبك في الاماسي يلوح. وقرأ الشاعر عادل الناصري ايضا قصيدة عن جان دمو وجماعة كركوك قال انها- ثريا في عتبات النصوص. (كانت الارواح عرايا سجلها البرزنجي عبد الله طاهر وفي حديث عن الدروب للطيف هلمت مع الذي يرقب المارة على الطرقات حسين عبداللطيف: يرسم عبد الله لابنه لوحة جدارية كوردة دامية تسفح من عيني عبد الله جوران كوجه من السماء ونافذة الى الارض.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top