أسبريسو: الضمير، لا جواز السفر!

علي وجيه 2020/03/01 08:11:40 م

أسبريسو: الضمير، لا جواز السفر!

 علي وجيه

في إطار التعاطي مع الشأن العام، تكتشف أنك تقضي أغلب وقتك بتوضيح الواضح، وشرح المعروف، حتى اختلف العراقيون بالبديهيّات، دون الوصول إلى معضلةٍ أصلاً ليختلفوا بشأنها، فكلّ قضيةٍ عملاقة كفيلة بأن تُختصر بشأن صغير، هامشيّ، وربّما تافه، يُلهي الجميع عن الموضوع الفعليّ الكبير.

ولعلّ من أبرز ما حدث، هو إشاعة موضوعة "مزدوجيْ الجنسية"، وهي موضوعة لم تنطفئ منذ مدّة طويلة، يُلوّح فيها ضد مَن يحمل جنسيةً أخرى، أيّاً كان، ووفق أيّ منهجٍ سار في حياته.

ولا يتم الاستغراب بهذه الطريقة من الكنديين مثلاً تجاه بعض أفراد شعبهم، وإنما من بلدٍ ما زال يحصلُ على مرتبة ثاني أسوأ جواز سفر في العالم، بعد الأفغانيّ، الذي من المؤكد أنه سيتنفس ويتجاوزنا بعد عودة المياه بين الولايات المتحدة وتنظيم طالبان الإرهابي! فالجواز الذي لا يُدخلُكَ إلاّ لبلدانٍ مجاورةٍ ومحدودة، ويقوم بوصمك بالشبهة حتى إن كان دبلوماسياً، يجب أن يُقدّس، وأن لا يُحصل على جواز سواه للتنقّل!

وليس هذا فحسب، بل أنّ المُحاسَبين يقفون للمحاسبة بأثر رجعيّ، خصوصاً مع زمن المعارضة، الذي كانت فيه كل سفارة عراقية عبارة عن بؤرة اغتيالات ومضايقات للمعارضين، وهكذا تمّ اختزال المرء بجوازه، والمتظاهر بطلب أن لا يتولى سياسيّ مزدوجُ الجنسية منصباً داخل العراق! 

القضية ليست الجواز، ولا الجنسيّة الثانية، الأمر متعلق بذات السياسيّ، وطريقته بإدارة الوضع، ولعلّنا نعرف أن سرطانات عديدة تفتكُ بالعراق وهي لا تمتلكُ سوى الجنسية العراقية، وأن مسؤولين فاسدين كباراً لا يمتلكون سواها، لكنهم قضموا الميارات وهربوا الى خارج البلاد، فما عاد التنقّل صعباً، مع وجود مليارات، وصارت تركيا ولبنان والخليج وبلدان أوروبا الشرقية مرتعاً لكثيرٍ من الفاسدين، الذين لا يحتاجون إلاّ لجوازهم العراقي، ورصيد كبير للوصول إلى ذلك البلد والعيش باسترخاء فيه! 

إن هذه المشكلة هي استمرار لعقدة عراقيي الداخل والخارج، التي مارسها ضحايا صدّام ضد بعضهم، وانسحبت على نواحٍ حياتيّة كبيرة، لعلّ من أبرزها حتى الجانب الأدبي، والسياسي، رغم أن الطرفين كانا يعانيان، رغم اتهام بعضهما، هناك من قبيحي الوجوه والقلوب من اتهموا الباقين في العراق بأنهم كانوا صداميين، وهناك مَن يتهم من اقتُلعَ من بلاده وتم رميُهُ على الحدود، أو هرب بجلده، بأنه كان متنعماً بخير الغرب الكافر والشرق المؤمن! 

إن هذه العقدة، ستُبعد كثيراً من الاختصاصات والخبرات التي يحتاجها هذا البلدُ المبتلى، فانحدار التعليم منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى الآن، لا يجعلُ الكوادر الداخلية متطورة مثل القادمين من الخارج، وهذا أمر بلا عاطفة وبلا مُزايدة، والمعيارُ الذي من الممكن الحديث فيه هو أنّ فلاناً ذو اختصاص، ونزيه، إن كان ذا جنسية أخرى أو لا، وفلاناً سارق ولا يفقهُ شيئاً، إن كان بجنسية واحدة أو مزدوجها.

حرف العيون عن المواضيع الأساسية يكاد يكون هو السِمة الأبرز في الشأن العام العراقي، الذي ظلّ مشغولاً بالحوشيّ من التفاصيل، دون الالتزام ولو لمرّة واحدة بتفكيرٍ ناضجٍ يُمكن أن يؤدي لنتيجة وحلول، في حين تتفاقم المشاكل بشكلٍ عنقوديّ.

لا أتصوّر أن هناك، في الوقت ذاته، نزعة لسلخ مواطن من وطنيّته كما يحدثُ في العراق، وفي كل الأزمان، وكأن البلاد سروال داخلي، يمكن لأي أحد أن يخلعه، أو يتنازل عنه، أو يسمح لنفسه أن يزيله عن الآخرين، وبعيداً عن كون هذه النزعة قليلة مروءة، وقليلة خُلق، فإنها تبطّئ أي عملية لحلّ الأوضاع، تلك التي يبدو أنها لن تحظى بحلّ أبداً.

ما تزالُ النكتة الأكبر، هي أنّ صدام حسين لم يمتلك سوى الجنسية العراقية، ورفعة الجادرجي، المعماري الذي رصّع بغداد بأجمل بناياتها، بريطانيّ الجنسية! 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top