أسبريسو: أين الناس من معادلتكم؟

علي وجيه 2020/03/02 08:53:25 م

أسبريسو: أين الناس من معادلتكم؟

 علي وجيه

في أحيانٍ كثيرة، أفكّر بطريقة "ماذا لو حدث كذا؟"، وأفكّر بارتدادات هذه الفعلة الماضية على ما تلاها، أفكّر: ماذا لو استقال عبد المهدي في الأيام الأولى للتظاهرات؟ أو كان خطابه أقل استفزازاً؟

لو أنه تحدث مع المتظاهرين بطريقةٍ أبوية فعليّة، وليست "الأبوية" التي يقصدها، المخلوطة بالرصاص الحي والمطاطي الأكسباير الذي صار حيّاً هو الآخر؟ ماذا لو بيّن لمرّةٍ واحدة إنه حاكمٌ للشعب، ويستمع له، ويتعامل وفقه، لا وفق التوازنات وعناصر التأثير من كردستان وصولاً للأنبار وليس انتهاءً وابتداءً بالبيت الشيعي، وطهران، وواشنطن، وغيرها من محركات القرار؟

كنّا لنجنّب أنفسنا مزيداً من الدماء والضحايا التي لم تنقطع يوماً منذ أشهر، المتظاهرون ليسوا سعداء بالنوم في الشارع، ولا بالتعرض للرصاص، لا أحد يسعد بهذا! ولا أحد يحبّ أن يبقى متظاهراً أبد الدهر، خصوصاً مع تحوّل الفصول القاسية، من البرد القارس إلى الحر، تحت المطر والشيطنة الإعلامية، بين العناصر الأمنية المدسوسة وغير المدسوسة في الخيم، بين سكاكين وهراوات الشركاء، وتخوين السلطة!

لو أن المتظاهرين حصلوا على نصرٍ رمزيّ واحد، لعادوا إلى بيوتهم، لو لم تغلق السلطة أبوابها تجاههم، متجاهلةً كلام المتظاهرين، والمتعاطفين معهم، فكل رأي هو "مدفوع الثمن" و"لا يمثل الساحات"، حتى وصلوا إلى عبارتهم العظيمة التي لم يقولوها: الساحات لا تمثل الساحات! 

يدخلُ السياسي الكهل، ليس عبد المهدي فحسب، بل كل من سبقه وتلاه وسيتلوه، وعيناه على واتساب التواصل مع السفارة الإيرانية والأمريكية، ربما رقم بارزاني والاتحاد الوطني، الكربولي والخنجر والحلبوسي، بالتأكيد مقتدى الصدر والخزعلي، المالكي، فضلاً عن منبر الجمعة للمرجعية، وهذه مصادر تأثير يُمكن فهم تأثيرها، لكن من غير المنطقي أن تكون القِبلة الموحّدة لصاحب القرار، الذي يصمّ الآذان عن مئات الآلاف، ويفتح كل ثقوب جسده من آذان وغير آذان، باتجاه تغريدة ركيكة، أو كلمة شفاهية طارت في مجلس ما!

الأمر لم يقتصر على عبد المهدي، الذي ظلّ يتحدث للمتظاهرين عن تاريخه الاحتجاجي في الخمسينيات بينما يسيل دمهم وهم يسمعون الكلمة، فالكربولي محمّد أيضاً هاجم حكومة علاوي بحجة "الشعب" بينما الأمر كان له علاقة بمناصب قطع علاوي الطريق أمامها، ولم ينته الأمر باعتذار الأخير عن التكليف، بحجّة "الشعب" أيضاً، الشعب الذي قال له بشكلٍ واضح: لستَ ضمنَ معايير مواصفاتنا، وضُربت صورته بعلامة أكس أكثر من مئة مرة!

لو قدّمت هذه الطبقة السياسية نصراً رمزياً للشباب، يجعل الأنا تتحقق بوصفهم شباباً محتجين، وأنهم أنجزوا شيئاً، لعادوا ولجنّبنا أنفسنا كثيراً من الدماء الإضافية والتخوينات والانشقاقات المجتمعية، لكنهم ينتبهون لأصغر مراكز القرار، دون أن ينتبهوا للناس، فعبد المهدي لم يستقل إلاّ بعد أن ضربته المرجعية علنا، وعلاوي لم يعتذر لولا تعذّر التوافق السياسي.

أن يحضر الناس بوصفهم عوامل مساعدة، فحسب، وليسوا عوامل رئيسة، فهذا إشكالٌ أخلاقي وسياسيّ كبير، خصوصاً مع استمرار التمثيل والفهلوة، حين يقولون "الشعب مصدر السلطات"، أو أنهم فعلوا كذا لأنه طلب من الشعب.

ما يحدث الآن هي كانتونات سياسية، ومقاولون لمزيدٍ من السلطة، وما يكون خارج بقعتهم من بشر هو بشر لا قيمة له، إلاّ بشهر ما قبل الانتخابات، أو بالمعارك التي يفاخرون بها فيما بعد بعضهم بعدد الشهداء، الذين سيكونون اكسسواراً لا بأس به على دعايتهم الانتخابية، حين حموا الأمة والدين والمذهب والمنطقة وثقب الأوزون.

لو استقال عبد المهدي، في الأيام الأولى، لخرج بوجه مشرّف، ولو اعتذر علاوي بقول "صِفات الساحات لا تنطبق عليّ"، لخرج بوجه أبيض هو الآخر، لكن الأمر متعلق بالسلطة، هرمون إطالة العمر، والصحّة، والباه، والإمارة ولو على حجارة!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top