أسبريسو: الدولة المارقة

علي وجيه 2020/03/04 08:03:00 م

أسبريسو: الدولة المارقة

 علي وجيه

أسمّيها هنا عُرفاً بـ"الدولة"، فما تبقّى لدينا هو أسمال دولة، وبقايا، منذ أن تعرضت للضربة القاضية عام 1980، وهي الآن تشيخُ مع مئويّتها، مرّت خلالها بكثيرٍ من التحوّلات المُرّة والنكوص دون المرور بعمليّة بناء سياسيّ تراكميّ، فكلّ ما تنفّس هذا البلد، اختنق بعد زفيره بفترة قليلة.

لكن تشكّل الدولة الذي لا يتمّ، هو أهون بكثيرٍ من أن يتحوّل العراق لدولةٍ "مارقة" بحسب أدبيّات الخارجية الأمريكية، فتوّة و"خوشي" الكرة الأرضية الحالي، التي تنطلق من بندٍ واسع في الدستور الأمريكي، يتيح لها التدخل بكلّ شأن، دون أن يقول أحد لترمب أو أشباهه "على عينكم حاجب".

أقوى بلد في العالم يتصرّف كما يشاء، القانون الدولي مجرد اكسسوار، والأمم المتحدة دكّان استنكارات، والجامعة العربية مجرّد ثؤلول على وجه هذه البلدان المسكينة، التي تُمعن بتفتيت نفسها وتكسيرها، بينما تبدو عيون "العم سام" غاضبة، وتعاقب مَن تشاء، وتغضّ الطرف عمّن تشاء.

الأمر لا يتعلق بالأمريكان وحدهم، خصوصاً حين يكون العراق بأضعف حالاته، لكن كلمة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت خلال جلسة مجلس الأمن الدولي، أعادت لي شعور الفرد الخائف، حين تبدو بلاده "دولة مارقة"، كما حصل في تسعينيات صدام.

إن الممارسات التي تقوم بها السلطة وأحزابها ومسلّحوها تجاه البلاد، تمتدُّ من أقصى يمين السوء إلى أقصى يساره، وهو بابٌ مفتوح وكبير للتدخّل بالشؤون الداخلية، فالأدبيات الأمريكية التي شطبت على مصطلح "الدولة المارقة" تجاه البلدان التي شاكست المنطقة وخرقت كثيراً من قواعدها القانونية، يبدو أنها ستُعيد العمل بها، خصوصاً بعد أن تمّ فتح باب "الإرهاب" بشكلٍ واضح تجاه فصائل شيعية متداخلة مع السلطة، ولها أذرع سياسية، وعليها شبهات واتهامات بقمع التظاهرات.

في وقتٍ يطلب العراق السماح و"المطّاطية" بالاستثناء والإعفاء من العقوبات لغرض استيراد الغاز الإيراني لمدّة 45 يوماً، لأن ذلك سيسبّب عرقلة واضحة بإنتاج الكهرباء، تقوم جهاتٌ كثيرة باستفزاز الجانب الأمريكي أكثر فأكثر، الوحش الذي ينتعش بالاستفزاز، في زمن رئيس شعبويّ مستعد لإبادة وتحطيم قارة كاملة من أجل دورة رئاسية ثانية! 

نحن أسمال بلد، ولا سبيل لنا إلاّ التوازن في العلاقات الدولية والإقليمية، خصوصاً وأن عملية تصدير النفط، بوصفنا دكّاناً يبيع هذا البلاء، تمرّ بالدائرة الأمريكية، وأن كثيراً من الألاعيب الجانبية التي بإمكان الولايات المتحدة تفعيلها، من أجل الحاجة لها مجدداً، كما طلبت الحكومة العراقية بشكل رسمي من قوات التحالف الدولي الاشتراك بالحرب ضد تنظيم داعش.

الدولة المارقة هي كثيرة الصداع، الوبال على جيرانها وشعبها، التي تخلو من القرار، أو يتفرد بها القرار بشكل تام، حين تُختطف السلطة في بلدٍ ما، ولا يُمارس التطمين تجاه الشركاء والأصدقاء، فإن طريق العزلة متوفّر، وعقوبات الخزانة الأمريكية هي ملك الموت لكل بلدٍ يفكر بالتعاون مع بلدٍ مُعاقَب.

وفي حين تحاول طهران ترتيب أوراقها عبر الوسطاء مع الولايات المتحدة، يُمعن الذين لا ناقة لهم ولا جمل بهذه الاستفزازات، وتخريب هذه الأسمال، حتى عاد شبح تصفير كل شيء إلى الواجهة، خصوصاً وأننا على أعتاب أزمة اقتصادية خانقة، بسب السياسات المالية الساذجة التي قام بها عدد متتالٍ من المسؤولين العراقيين، رؤساء وزراء ووزراء.

المسؤولية تقع على عاتق الطبقة السياسية الشيعية أولاً، بالنسبة والتناسب نظراً للحجم والتأثير، ولأن المكوّن السني غادر مراهقة "المقاومة" والتصعيد، بينما يتصرف الكرد كدولة تناقش وتنظّم أمورها، فالنبذ والحصار والتضييق لعبة الولايات المتحدة المفضّلة، وإعادة صياغة الاتفاقات والتموضع في العلاقات الخارجية هو السبيل الأوحد للعقلاء، كي يجنّبوا أبناءنا الكارثة التي شهدناها ونحن أطفال، بذات الممارسات، بذات العقوبات! 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top