سعدي الحديثي يغرد فـي شارع المتنبي

سعدي الحديثي يغرد فـي شارع المتنبي

 بغداد/ محمد جاسم

 عدسة/ محمود رؤوف

احتفى بيت المدى برمز جديد من رموز الثقافة والفن في العراق. وهو الباحث في التراث والفولكلورالبدوي الدكتور سعدي الحديثي. بحضور جمهور كبير غصت بهم مقاعد القاعة، اضافة الى الجمهور الذي ظل واقفا على قدميه طوال الجلسة. قدم للجلسة سامر المشعل وشارك فيها بعض الباحثين والمثقفين. والحديثي التقط الإيقاعات كما لو أنه يقبض على جمهرة من الأعشاب التي يصنع تنوعها خريطة لعاطفة شعب. سكب في مياه نهريه دموعه التي تمتزج من خلالها أفراحه وأحزانه، لحظات سعادته وقرون تعاسته، وهو في ذلك كان وفيا لانتمائه لشعب لا يجد في البكاء نقيضا للضحك بل مكمّلا له. ضحك ليس كالبكاء، بل صاحبه الوفيّ. ما فعله وهو يعيد سباكة الأصوات الرعوية والريفية في قوالب تحفظ لها مادتها الأصلية جعله أشبه برواة الشعر العربي القديم وجامعي الأخبار النفيسة والمنقبين في الأمثال عن أصولها الحكائية التي تلحقها بالخرافات المنسية. هو ابن لحظة إشراق لا تتكرر.

الأكاديمي يتبعه صوته الشجي

هو حارس الذاكرة أكثر من كونه باحثا وهو باحث أكاديمي رصين أكثر من كونه مؤديا مفعما بأنغام تكاد تكون هاربة. يمكننا أن نقلب التسلسل، فيكون سعدي الحديثي مطربا من طراز فريد أهّله بحثه الأكاديمي ليكون حارسا للذاكرة، منفيا في متاهته. مقدم الجلسة قال:- بالرغم من ان الغناء البدوي غير مغر لكن الشخصية التراثية د.سعد الحديثي فرغ نفسه تماما للبحث في هذا المجال واعداد دراسات وافية عن الغناء البدوي والوانه المتعددة. وقد لاقى صعوبة في بحوثه لان هناك الكثير من تراثنا ضاع او فقد بسبب عدم وجود تسجيلات في الثلاثينيات ومابعدها، وكانت الحفلات والاغاني تبث من الاذاعة مباشرة على الهواء دون تسجيل مما تسبب بضياع ذلك التراث. والشيء الحضاري والتوثيقي الذي يحسب للدكتور الحديثي هو نجاحه في توثيق الالوان الغنائية لمدينته بالغناء والكتب وقد اصدر الكثير من الكتب عنها، اضافة الى توثيق هذا الغناء بالصوت والصورة عبر التسجيلات الغنائية وكذلك المحاضرات العلمية التي القاها في الكثير من المحافل وكان يحافظ جدا على تراث الاغنية البدوية، ولم يشوهها بتقنيات الحداثة من الاحهزة الموسيقية الحديثة، وبقي يغني مع الناي والمطبج والدمام.

توثيق تراث منطقة الغربية

اما المحتفى به الدكتور سعد الحديثي فقال:- منذ طفولتي وعيت على ماكنت اسمعه في الحفلات والتجمعات ومايغنى فيها من الدحى والعرضات وغيرها. وكذلك الجوبي الذي كانت تختص به القبائل المستقرة وليس البدو الرحل. وقد تعلمت الغناء كاداء منذ صغري بلا موسيقى بل اعتمادا على جماليات الصوت والاداء. فكنت حين اسبح مثلا ابدأ بالغناء بصوت عال وماهي الا فترة قليلة حتى ارى الشباب قد تجمعوا يسمعون ويرددون ما اقوله من اغاني. لكن سرعان مايظهر احد الاقارب او ابي فيشتمني على ذلك وسط ضحك الاخرين. واضاف: انني اعترض على الكثير ممن يؤدي الاغاني البدوية اليوم، لان طريقتهم غير صحيحة، بضمنهم المطرب سعدون جابر الذي غنى جماي مالي جماي، بطريقة مغايرة للاغنية الحقيقية التي تعتمد الرصانة في الاداء. ثم ادى الحديثي الاغنية بلونها الصحيح الذي يختلف عن الاخرين. واضاف ان من الموسيقيين الذين كنت استريح لهم هو عازف الطبلة سامي عبد الاحد الذي كان يفهم مغزى الغناء البدوي ويطبق اصوله بالطريقة الصحيحة. وشدد على ان ما يقدم من غناء بدوي باصوات الشباب وحتى المحترفين لا يمت بصلة للغناء البدوي الاصيل.

الحديثي والنواب في السجن 

وعن علاقته الثنائية مع الشاعر الكبير مظفر النواب قال الحديثي:- تعرفت على النواب في مدرسة بالكاظمية، هو يدرس العربية وانا ادرس الانكليزية والرسم. وجاءنا النواب من النشاط الفني. واول يوم دوام سألني النواب عن المرسم فاخذته اليه لاني كنت مدرسا للرسم ايضا. فتعارفنا واخذته الى بيتي وتناولنا الغذاء واصبحنا صديقين من ذلك الوقت. وحين كنت اغني امامه اعجب بي كثيرا . وكنا نجتمع انا وهو وبلند الحيدري وجبرا ابراهيم لمرات عديدة في الاسبوع، وكانوا يسمعوني بلهفة وامعان. وكان النواب معجبا بالقطار وصوته حين يأتي الى المحطة، وقد وظف ذلك كثيرا في شعره. في السجن ايضا التقينا انا بتهمة تأسيس منظمة غير مجازة من الحكومة وحكمت 17 شهرا وهو بتهمة سياسية. واستمرت العلاقة بيننا وكنا نشكل لجانا ثقافية وسياسية في السجن لغرض التثقيف واصدرنا جريدة كنا نكتبها بخط اليد وننسخها لعدة نسخ. كما تناول الحديثي كيف جمع الاوربيون تراثهم من خلال شخصين فقط وحفظوه عبر التدوين، لكن اصول وجذور كل ماجمعوه كان للعرب سمة السبق فيها بمئات السنين.. وكان الحديثي يغني بصوته الجميل وراء كل معلومة عن الغناء البدوي مما خلق مناخا جميلا استحسنه الجمهور. واشار الحديثي الى: ان مايقدم من غناء بدوي عبر الاذاعة او التلفزيون خلق تشويهات كثيرة وبعيدا عن اللون الاصلي لهذا التراث لكن بحكم ترديده في الاذاعة خلق حالة تشويه لدى المستمعين - وردد قائلا بصوته المغرد:-

كوم درجني وامش كدامي ...... لا تخاف من هلي ولا عمامي 

وقال ايضا انا بصدد جمع الكثير من الذكريات الطريفة غير السياسية مع الشاعر مظفر النواب واصدارها بكتاب خاص.

مجلة القيثارة

قال الباحث محمد لقمان:- ذكرياتي مع الحديثي تعود لعام 1973 حين كنت طالبا في معهد الدراسات النغمية. واذكر حين زارنا الموسيقار منير بشير مدير عام دائرة الفنون الموسيقية، وطلب منا اذا ما لدينا موهبة غير الغناء والموسيقى فرفعت يدي وقلت لدي اهتمام بالرسم والتصوير والتصميم، فطلب مني مراجعته في مبنى وزارة الثقافة حيث كانت دائرته الفنون الموسيقية مقرها في الوزارة. ومن يومها عملت في مجلة القيثارة وكان مسؤولا عنها الدكتور الحديثي ومعنا امرأة اسمها نجوى تعمل في مكتب بشير وكذلك شيرين والصحفي ابراهيم الحريري.عملت في المجلة كنا نكتب ونقيم المهرجانات ونصمم وكان معنا الدكتور في كل صغيرة وكبيرة. وتعلمنا منه مبادئ الصحافة والتصميم واستفدنا منه كثيرا.

الغناء البدوي مع الاوركسترا

اما المايسترو علي خصاف فقال:- انه ظاهرة ملفتة للنظر لانه وثق وخدم المناطق الغربية والالوان الغنائية فيها. ثم سأل عن ملاحظة قالها الحديثي حول مشاركته الاوركسترا للسمفونية فرد الحديثي انه غنى اوبرا تراثية مع سمفونيات غربية باللغة الانكليزية وفي محافل عالمية. واضاف: كنت اغني التراث العراقي للمنطقة الغربية. وطلب خصاف من الحديثي ان يغني مع السمفونية العراقية التراث البدوي ووافق الحديثي على ذلك لانها مهمة توثيق علمية للغناء البدوي والتراثي. واضاف خصاف ان عملك عمل مؤسساتي وليس فرديا. وهي مهمة لا يقدر عليها أي شخص الا اذا كان مليئا بخزين المعرفة والمعلومات. ثم ادى الحديثي بعض اغاني النايل بتعدد اشكاله لاسيما نايل حديثة.

تعرفنا على تراث الغربية الغنائي من الحديثي

وقال الباحث حيدر شاكر الحيدر:- كنا نعرف اشياء كثيرة عن المقام العراقي والاغنية البغدادية والريفية اما الغناء البدوي او التراث الانباري فقد كان غريبا عنا ولاتوجد دراسات كثيرة عنه. لكن حين بدأ الحديثي بتدويناته وتوثيقاته للغناء البدوي اصبح لدينا خزين جميل بالمعلومات والتطبيقات التي قدمها للاسماع العراقية. وكنت متأثرا جدا به وهو يوثق بالصوت والمعلومة تراث الغربية بطريقة سهلة وواضحة. وكنت اتابع ما ينشره لاسيما مقالاته في جريدة بغداد اوبزرفر باللغة الانكليزية. فكانت خير معين في فهم الوان الغناء البدوي .واتمنى ان اقرأ مذكراتك الفنية قريبا فرد الحديثي لقد فعلت واعطيتها لشخص خان الامانة ولم يرجعها لي ولا اعرف مصيرها.

الحفاظ على التراث

وقال حمدي الهيتي:- ان علاقتي تعود بالدكتور الحديثي الى الستينيات ايام كلية الاداب في الجامعة حين كنا انا واياه طلبة فيها. وبخصوص توثيق التراث اقول هناك محاولات لتشويه التراث الفني العراقي بشكل عام لا سيما من الشباب ويجب ان نرد عليهم هذه الحالات الشاذة كما فعل الحديثي من خلال كتبه ومحاضراته وتوثيقه السليم لتراث الغربية. وهذه الحالة يجب ان تعمم لان التشويه طال كل التراث وليس الغناء البدوي حسب. وهذه مهمة الجميع للحفاظ على التراث والفولكلور في العراق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top