باليت المدى: صناعة الفرح

ستار كاووش 2020/03/08 06:58:20 م

باليت المدى: صناعة الفرح

 ستار كاووش

(عِمتَ صباحاً، لقد حصلتُ على رقم هاتفك من صديقتي ليني، أردتُ أن أسألك إن كان لديك متسع من الوقت لرسم بورتريت لإبنتي؟)، هكذا جاء صوت المرأة عبر الهاتف.

وبما أني كنت بحاجة لبعض النقود الإضافية لشراء مجموعة جديدة من الألوان والكانفاس، أجبتها بالموافقة الأكيدة. حضرت المرأة بعد دقائق صحبة إبنتها ذات الثماني أو تسع سنوات لأنهما كانتا قريبتان من المرسم، فأخذتا جولة بين اللوحات، لأقوم بعدها بتخطيط سريع للفتاة، وإتفقنا أن تعودا بعد خمسة أيام. ربما أكون قد بالغتُ قليلاً بالنسبة للوقت، لأن لوحة صغيرة كهذه تستغرق يومين أو ثلاثة أيام، لكن الرسم عادة لا يتم بحسابات محددة. 

عادت المرأة مع إبنتها الجميلة في الوقت المحدد، وأنا بدوري انتظر النقود كي أتبضع الألوان التي أحتاجها، وما أن نظرت الى اللوحة الصغيرة قالت مندهشة (أهذا هو البورتريت؟) فأجبتها بثقة عالية وأنا أشير الى الفتاة الصغيرة (نعم هذا هو بورتريت إبنتك الجميلة) وهنا جاءت المفاجأة التي لا أريدها أن تحدث، حيث قالت مستغربة (لكنه لا يشبهها، ثم ما هذه النقاط هنا وهناك، ولماذا جعلت شعرها بهذا اللون الداكن رغم لونه الأحمر؟). أعتقد أن اللوحة كانت تكشف شيئاً من ملامح وتعابير الفتاة، لكني مع ذلك حاولت إفهامها إن هذه لوحة فنية وليست محاكاة حرفية لما تريده هي لإبنتها، فلم تقتنع بهذه الكلمات وعزمت على عدم دفع ثمن اللوحة، ثم أمسكت بيد إبنتها الصغيرة وهَمَّتْ بالمغادرة، وعند الباب إلتفتت الفتاة بخجل نحو اللوحة قبل أن ترفع رأسها بتردد نحو أمها، وهنا طلبتُ من المرأة أن تتوقف قائلاً لها (إنتظري من فضلك، ليست بي حاجة لهذا البورتريت، فلتأخذه الفتاة كهدية مني) وهنا إنفتحت أسارير المرأة وعادت مسرعة لتأخذ البورتريت وتشكرني بحماس ثم تمضي وهي تسحب ابنتها على عجل. وقد أثبتَ لي ذلك الأمر شيئين، الأول هو أن الكثير من الهولنديين يحبون الأشياء المجانية، وثانياً ان مشروع شراء الألوان قد ذهب أدراج الريح. 

مرت بضع ساعات وأنا أهيء بعض قطع الكانفاس للوحات جديدة وأفكر بمقولة الرسام ليبرمان الذي أرادت منه امرأة أن يرسم لها بورتريت، وطلبت منه أن يكون البورتريت جميلاً ويشبهها، فأجابها الرسام العظيم موضحاً وساخراً (هذا كثير ياسيدتي، عليكِ أن تختاري بين أن يكون البورتريت جميلاً أو يشبهك). وأنا على هذا الحال، رَنَّ التلفون من جديد، رفعتُ السماعة متوقعاً أن المرأة قد تأملت البورتريت بشكل جيد، وها هي تغير رأيها أخيراً، لكن الصوت كان لإمرأة أخرى بادرتني بالتحية قائلة (أنا ساندرا، وقد تعرفنا على بعضنا في حانة العمة ماري) فتذكرتها على الفور، لتكمل حديثها (عندي صديقة تحب الرسم كثيراً، وقد شاهَدَتْ بعض الصور لأعمالك وتود أن تقتني بعضاً منها، وربما تطلب منك رسم بورتريت كبير الحجم بإسلوبك مثلما رسمتَ العمة ماري). يالغرابة هذه الحياة التي تغلق باباً هنا لتفتح آخر هناك. 

حضرت ساندرا صحبة صديقتها لِدوينا التي تكبرها سناً الى المرسم، وبعد إحتساء القهوة تحدثنا قليلاً عن اللوحات، لتقتني لدوينا لوحتين أخذتهما معها، وقبل أن تغادر طَلَبَتْ أن أرسم لها بورتريتاً بحجم كبير، وبما أن ثمن البورتريت مرتفع لذا سألتني بإستحياء إن كان بإستطاعتها تسديد الثمن على دفعتين، فوافقت على طلبها. وهكذا زارتني بعدها ثلاث مرات كي أضع الخطوط الأساسية للبورتريت وبعض الطبقات اللونية، وعند زيارتها الأخيرة جلبت لي معها كتاب عن الفنانين الألمان كهدية، أعطته لي وإلتفتت نحو البورتريت الذي إقترب من الاكتمال وقالت بتردد (عندي طلبٌ، لكنه يبدو غريباً ولا أجرؤ على قوله) وبعد تردد قالت (لديَّ قطة بيضاء أحبها كثيراً، هل بإمكانك أن ترسمها معي في اللوحة) فـأجبتها مازحاً (طبعاً هذا أكيد، لكن عليك أن تدفعي أكثر) فضحكنا معاً على هذه الدعابة. إكتملت اللوحة وأخذتها بسعادة، لتتصل بي بعدها عدة مرات وفي كل مرة كانت تقول (شكراً لأنك صنعت لي هذا الفرح، فمنذ أن علقت البورتريت هنا صار البيت أكثر إتساعاً وأوفر سعادة).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top