أسبريسو: حزب المعصومين العلماني

علي وجيه 2020/03/08 09:21:46 م

أسبريسو: حزب المعصومين العلماني

 علي وجيه

مع بدء تشكّل ملامح لحركة الاحتجاج، كتب كثيرون عن ضرورة أن تنطلق حركةٌ سياسيّة، وحزبٌ، أو تيّار، من داخل الساحة، لاستثمار زخم الساحة، والعمل باتجاه محور إضافيّ للإصلاح، وهو الدخول بالعملية السياسية التي تكاد تكون منغلقة على هذه الطبقة التي نعرف، ومن حينها بدأت هذه المطالبات تتسع، وعيونها على الساحة: شكّلوا حزباً! شكّلوا تيّاراً! استعدوا للانتخابات! وما من مُجيب..

وكأن الانتخابات المبكرة، في حال إجرائها، ستؤول إلى ذات الأحزاب التي ظهر الشباب مُحتجّين ضدّها، تخيّل أنك تمنح نحو 800 شهيد، ونحو 23 ألف جريح، فقط لتغيّر القليل من مواعيد الانتخابات، التي ستشترك بها الأحزاب نفسها، وتنال الكعكة نفسها، لأنك لم تشكّل حزباً! 

طيّب، لماذا لا تشكّلون حزباً؟ يُجيب المتظاهر الذي ظل بمواجهة الرصاص الحي والغاز المسيّل للدموع لأشهر: لأنهم سيقومون بتسقيطي! تسأله: الإسلاميون؟ أحزاب السلطة؟ يقول: لا، هؤلاء معركتي معهم واضحة، أعني جمهور المدنيين والمحتجين! 

يبحث الجمهور العلماني أو الليبرالي [سمّوه ما شئتم] عن طبقةٍ لم تُخلق بعد، عن أفرادٍ معصومين، لم يعرف أحدٌ عنهم ميلاً لاتجاه سياسيّ أو ديني، لم يشترك يوماً مع أيّ حزب سياسيّ، لم يكتب منشوراً دينياً في حياته، اشترك في جميع التظاهرات، مواقفه واضحة تجاه الجميع، ليس موظفاً حكومياً، ليس كاسباً إلاّ بعملٍ رفيع، يُفضّل أن يكون ذا شهادة عليا، وسيم الطلعة، حاد اللهجة، بليغ اللغة، ويستمرّون بتعداد المزايا التي لم تنجمع بفرد، وإن اجتمعت بطريقةٍ ما في أحد، فسيُسقّط لأنه "صديق فلان" الذي لا تنطبق عليه تلك المزايا.

أعلم أن الجمهور العلماني ليس قطيعاً، وفي السياسة هذه نقطة ضعف، فهم لن يجتمعوا على أحد إلاّ اذا استشهد أو قُتل، سيجدون ألف سبب لنبذ الجميع، وضرب الجميع، ومهاجمة الجميع، بينما يجتهد الجمهور الإسلامي بالتبرير للمخطئ منهم قبل المُصيب، ويتبعون هذا وذاك لأنه من "معسكرهم"، ويلتمسون له ألف عذر، بل وسيقولون لك: وما الذي يجعلك تتصور أنك تفهم السيد؟ أو الشيخ؟ أو الحجي؟ أنت ذو عقل سطحي لفهمه! بينما يبدأ المدنيون بتقطيع معسكرهم بطريقة "مكارثية"، أسفرت فيما بعد عن جمهور انتخابيّ ثابت، لا يتجاوز مقعدين أو ثلاثة مقاعد في كل انتخابات! 

كتب صديق في فيسبوك: من هم المدنيون الذين تتمنوهم جزءاً من حزب سياسي؟ وتحت كل تعليق ذُكر فيه أي اسم، كان مدنيون آخرون ينبرون لتحطيمه وخدشه، حتى لتصاب بالحيرة بعد 400 تعليق: ومَن ترغبون به ومَن يقنعكم؟

إن كان المدنيون يبحثون عن معصومين، فالمعصومون لدى الشيعة 14، ولدى السنة 1، وهذه الحياة تجربة مرّة، يمرّ الإنسان بشتّى التقلبات الفكرية والتوجهات حتى يصل إلى ما يظنّه صحيحاً، وقد ينقلب عليه، السياسة مرنة، وفيها مساحة كبيرة للمناورة، البحث عن "العلماني النقي" الذي يشبه الديتول، الذي نزل من بطن أمه وعلى جبينه كُتب "فصل الدين عن الدولة" لم يُخلق بعد، وبدلاً عن الأخذ بسلبيات 20% بالشخصية الفلانية، على المدنيين الانتباه لـ80% مسكينة أخرى، عانى هذا الشخص ما عاناه لأجل الحفاظ عليها! 

حتى اللحظة، ليست هناك بوادر لتشكيل حزب علماني وحركة احتجاجية، بل التفت المئات ليتكفّلوا بمهمة الإسلاميين لتحطيم وجوه العلمانيين والمتظاهرين البارزة، من أمثال فائق الشيخ علي وعلاء الركابي ومهند نعيم وسواهم، وبينما ينظّم الإسلامي صفوفه، متبوعاً بالمال والسلاح، مستعداً للتظاهرات في أيّ لحظة، وللانتخابات في أيّ جزء من أجزاء الثانية، تفرّخ الخيم في التحرير خيماً أخرى، وينشقّ العلماني عن نفسه، ويمزّق كل ما أمامه، بحثاً عن "حزب المعصومين العلماني" الذي لن يُخلق أبداً، لا في هذا العالم، ولا في العوالم المقبلة!

تعليقات الزوار

  • فائق الشيخ علي

    مقال رائع. واقعي. يصف الحقيقة بتجرد وحرص واضحين. أتمنى أن يقرأه كل مدني متظاهر. شكراً أستاذ علي وجيه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top