قصة قصيرة: مكتبة الضحايا

قصة قصيرة: مكتبة الضحايا

قصة: عبد الله صخي

في ظهيرة صيفية اجتازت امرأة بقعةَ الهواء الحار الساكن المهيمن على ساحة شهدت تظاهرات يومية حاشدة مسالمة،

طالب المشاركون فيها بتوفير فرص عمل وقابلتها الأجهزة الأمنية بإطلاق الرصاص الحي. كانت المرأة ترتدي ملابس حداد وتحمل على رأسها صندوقاً من الكرتون المقوى أحكمت ربطه بأشرطة لاصقة. تمهلت في خطوها الحذر وهي تشد الصندوق على رأسها بقبضتي يديها المتوترتين. توقفت عند الرصيف البعيد المطل على الساحة. نظرت بطرفي عينيها، اللتين تعشوان بسبب أشعة الشمس الغزيرة الخارقة، علّها تجد من يساعدها في إنزال الصندوق الذي بدا ثقيلاً. لم يكن هناك أحد، فالمحال التجارية القريبة مغلقة غادرها الباعة ساعة القيلولة فيما انسحب المتبضعون والموظفون والعمال إلى بيوتهم لائذين بالظلال القصيرة الباهتة هرباً من لهب الطقس الحارق. أنزلت الصندوق بصعوبة معتمدةً على كتفها حيث استقر عند نحرها ثم انحدر نحو ركبتيها وارتطم بالأرض. دفعته بيديها إلى زاوية لا تصلها الشمس وجلست إلى جانبه. تنفست بعمق ومسحت العرق عن وجهها بنهاية فوطتها. ربّتت على سطح الصندوق كما لو أنها تحاول إطالة فترة نوم رضيع. مسته برفق بأطراف أصابعها كأنها تخشى أن ينكسر شيء في داخله مع معرفتها الأكيدة بأنه لا يحتوي غير كتبه وصورته. 

نزعت أشرطة الصندوق وأخذت تفرِّغه من محتوياته. صفت الكتب على الأرض، وبحذر وضعت في وسطها صورة ابنها مزججة ومؤطرة. إلى جانب الصورة ثَبتت ورقة كتب عليها بوضوح: "الكتب ليست للبيع، للاستعارة فقط". 

تركز بصرها على الحياة الكامنة في الصندوق فترة طويلة، فاستغرقت في ذكرياتها مع ابنها ووالده الذي رحل في حادث سير. أفاقت على أصوات المارة من الرجال والنساء الذين بدأوا يخرجون إلى الشوارع مع انحسار الحرارة وتمدد الظلال. وسرعان ما تجمعوا حولها أناس من مختلف الأعمار يسألونها عن فكرة الإعارة بدون مقابل وهم يتصفحون الكتب بلهفة وفضول. قالت وهي تحدق في صورة ابنها إنه قتل هنا في هذه الساحة. 

كلهم يعرفون أيام المواجهات العصيبة التي شارك خلالها فتيان وفتيات، طلاب وشغيلة وعاطلون، في مظاهرات اتسع نطاقها لتشمل عموم البلاد. كان ابنها ضياء محمد أحدهم، أكمل دراسته في كلية الهندسة ولم يجد عملاً لمدة سنتين فخرج مع الآلاف من جيله مطالبين السلطات بتوفير فرص عمل فردت عليهم أجهزتها الأمنية بخراطيم المياه الساخنة ثم استخدمت الذخيرة الحية.

تجمّد المارة المحتشدون حولها صامتين كما لو أنهم في لحظة حداد، كما تجمّدت الكتب بين أيديهم، واخترقت آذانَهم هتافاتُ المتظاهرين في الساحة ليتردد صداها في مئات الساحات يقطعها إطلاق نار وقنابل صوتية ودخان كثيف يغطي سماء المدينة. لم يعد بوسعهم رؤية المسعِفات ولا الفتية الذين يسحبون الجرحى إلى أماكن آمنة كي يتمكنَّ من تضميدهم وتنظيف عيونهم من أثر الغاز. حين ابتعدت أصوات سيارات الإسعاف شيئا فشيئا وجد المارة أنفسهم ثانية يصغون إلى الكُتبيّة الحالمة. قالت إنها فكرت بجلب كتب ابنها إلى المكان الذي سال فيه دمُه علّها تكون علامة حضور دائم، ونصب تذكاري من كلمات تعيرها لمن يرغب في القراءة. لم تكن مطالبهم صعبة التحقيق، ولم تكن عنيفة أو عدوانية، لكن السلطات والمسلحين المدافعين عنها حولوها إلى ما يشبه ساحة حرب. 

عند هبوط الليل قررت العودة إلى بيتها. كانت سعيدة بالتجربة وتوقعت لها النجاح بعد أن أعارت عدداً من الكتب لمدة أسبوع. جمعت ما تبقى منها في الصندوق، أودعته لدى محل مجاور، وسارت وحيدة ترافقها ذكرى ابنها القتيل.

* * * *

كي تتجنب حرارة الطقس اللاهبة عادت إلى الرصيف عصر اليوم التالي ومعها المزيد من الكتب إذ شجعتها استجابة القراء ورغبتهم في الاستعارة. ما إن عرضت الكتب حتى توقفت قربها دراجة تكتك هبط منها شباب يحملون صناديق معبأة بكتب رصفوها قرب أم ضياء التي شهقت بفرح، حيتهم بمحبة، وقال أحدهم إنه كان هنا مساء أمس وقرر أن يساهم معها فجلب مكتبة شقيقه الذي أُطلِقت عليه النار عند مدخل الجسر في الأسابيع الأولى للتظاهرات. ابتسمت وشعّ وجهها بضوء شفاف أليف كان مختبئاً في قلبها. 

في يوم آخر قدم رجل مسن يستقل سيارة حمولة. أخرج، بمساعدة السائق ورجال كانوا معه، كتباً من عشرات الصناديق وعرضوها على مسافة قصيرة من كتبها. ابتهجت بمشاركتهم واقترحت جمع الكتب كلها في مكان واحد إذ توقعت وصول تبرعات أخرى لن يسعها الرصيف الذي بدأ ينغلق أمام المارة. وهكذا فُرشت الكتب في الساحة، وأخذ الشباب يتجمعون حولها كل يوم يختارون العناوين التي تهمهم فيما يتوافد آخرون ليعيدوا ما بحوزتهم من كتب كانوا استعاروها خلال الأيام الماضية.

ذات مساء، وسط الزحام، لاحظت أن الرجل المسن يقلّب صفحات بعض الكتب التي جلبها يشمها ويبكي فبكت هي الأخرى. مسحت دمعها بظاهر كفها بعد أن اقترب منها شبان وخاطبوها قائلين إنهم كلهم أولادها. قالت بصوت متهدج إن ابنها كان يحب رائحة الورق، وكان يقول دائماً: الكتب مثل النساء. وأنا أقول له: لا، الكتب مثل الزهور. في بعض الليالي كان يقرأ لي من كتاب بين يديه أو يروي لي أحداث قصة. سرقوا شبابه وشباب غيره. ودمعت عيناها من جديد. 

قبل الغروب تضاء الساحة بعشرات المصابيح التي تلقي أشعتها على مساحة الكتب وأجساد المتفرجين المتصفحين الواقفين أو المُنحنين لقراءة العناوين.

هبط الليل وحان وقت الإغلاق. 

سار الرجل المسن إلى جانبها وقال إن ابنه قتل طعناً بالسكاكين لحظة خروجه من إحدى التظاهرات. حدث ذلك أمام أعين القوى الأمنية التي لم تتدخل لحمايته. حبست رغبة بالبكاء، فترحمت وصمتت. وقبل أن يفترقا في اتجاهين مختلفين اتفقا على اللقاء عصر الغد.

* * * *

كما توقعت أخذت الكتب تزداد وتتنوع عناوينها فأصبحت لديها مؤلفات في الأدب والطب والرياضة والعلوم والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والهندسة والنفط والرسم وغيرها الكثير الكثير. ما أفرحها أن المستعيرين كانوا ملتزمين في مواعيد إعادتها ما يوفر فرصا لغيرهم لمطالعتها والإفادة منها خاصة كتب المناهج الدراسية أو المراجع التي يحتاجها الطلبة في الامتحانات أو الدراسات العليا. 

في أحد الأيام وصلت قافلة سيارات نقل محملة بالكتب من مدن بعيدة لرفد المكتبة التي بدأت أخبارها تصل إلى المناطق خارج العاصمة. تراكم الكتب نبهها إلى أن ذلك الجزء من الساحة لم يعد يستوعب تلك الكميات بعناوينها المختلفة المغرية التي أضيفت لها المئات من قصص الأطفال الموضوعة والمترجمة والكثير من المجلدات التي تضم لوحات لفنانين أجانب مشهورين. 

اجتمع ذوو الضحايا وبحثوا الأمر فتوصلوا إلى فكرة استئجار محل كان مغلقا في طرف الساحة يطل على رصيف عريض. وخلال فترة وجيزة قام متطوعون من الفتيات والشبان بتثبيت رفوف على الجدران صُفت عليها الكتب حسب أحجامها. واشتروا مكتباً وكرسياً وسلّماً معدنياً خفيفاً للوصول إلى الصفوف العليا التي اتصلت بالسقف، وجرى الاتفاق على تبادل الحضور لمساعدة أم ضياء في إدارة عملية الإعارة واستلام التبرعات من الكتب الجديدة وتبويبها. 

تعاطف الباعة وأصحاب المتاجر القريبة مع أم ضياء فعرضوا مساعداتهم واقتراحاتهم لإنجاح المشروع يتملكهم شعور بأن ضحايا التظاهرات هم أبناؤهم الذين استرخصوا أرواحهم في سبيلهم لذا فإن إحياء ذكراهم عبر كتبهم، التي جُمِعت بمصروف يومي شحيح، مسألة أخلاقية واجبة. لذلك لم تتكبد أم ضياء عناء جلب الطعام أو الماء أو الشاي من بيتها فأصحاب المحلات المجاورة كانوا يوفرون لها ما تحتاجه بقلوب مرتعشة مسرورة. ومع تطور فكرتها أخذت أم ضياء تفرح بتلك المساعدات فتبدو حيوية نشطة خاصة وقت العصر حين تُخرِج الكرسي أمام المحل، تجلس أمام الكتب، وتتحرك عيناها لفحص العناوين وخطوطها وأحجامها وألوانها فتتناول بعض الكتب المغبرة وتمسحها وهي تفكر بالأيدي التي تصفحت تلك الأوراق، والأذرع التي احتضنت المجلدات، والعيون التي أرهقها السهر لإكمال الدراسة الثانوية أو الجامعية. شباب حلموا بزوجات وأبناء ومنازل ووظائف سقطوا برصاص أو قنابل أو سكاكين لأنهم طالبوا بحقوقهم. كانوا كلما واجهوا زخات الرصاص انتقلت أهدافهم إلى طور أعلى حتى بلغت الدعوة إلى إسقاط الحكومة. ومع انتشار رقعة الاحتجاجات وازدياد أعداد المتظاهرين ارتفعت وتيرة الانتهاكات وأصبح الخطف أو الاغتيال ظاهرة يومية. 

في الفترة الصباحية كانت أم ضياء تتلقى مئات الكتب من متبرعين داخل المدينة وخارجها للحد الذي لم يعد بالإمكان استيعابها كلها إذ لم تبق في المحل زاوية بحجم قدم فارغة، فوضعت إشارة تطلب فيها التوقف عن التبرع مؤقتاً إلى حين التوصل إلى حل. لكنها وافقت على قبول دفعة جديدة من ثلاث حقائب أنزلها رجل من سيارة أجرة قال إنها كتب علمية لابنته طالبة الطب التي قتلت برصاص قناص أثناء قيامها بإسعاف متظاهرين.

* * * *

ذات يوم زار المكتبة صاحب مقهى يقع في الجهة المقابلة عبْر الحديقة. راعه مشهد الكتب المزدحمة على الرفوف والكتب التي تكومت فوق أرضية المحل. قال إنه قرر أن يهاجر بعد مقتل ابنه إذ لم يعد يطيق البقاء هنا، فهو رجل ميسور الحال وبإمكانه العمل والعيش في أي بقعة تسمح له بالإقامة حتى لو في آخر الدنيا.

كان ولده لقي حتفه طعنا بالخناجر على يد مجهولين تسربوا كالأشباح نحو الأزقة القريبة. غارقا بدمه حاول الفتى النهوض متجها نحو مقهى والده لكنه سقط صريعا بعد بضع خطوات.

عرض الأب تحويل المقهى إلى مكتبة بعد هدم موقد الشاي ومنصة الأقداح وإزالة الكراسي والمصاطب وتنظيف المخزن في الخلف وتدعيمه بالإسمنت تفاديا للرطوبة. صمت كمن يهيئ صوته قبل أن تخنقه الدموع. قال إن ابنه ليس لديه كتب لذا فهو يتبرع بالمقهى الذي يعادل حجمه ستة دكاكين كبيرة وبعمق وفير. كتمت فرحتها، شكرته وعدّت مساهمته عملا خيريا وإنسانيا عظيما. وقبل أن يغادر قال إن لديه طلبا واحدا هو أن توضع صورة ابنه في المكتبة. وافقت بلا تردد وقالت إنهم سوف يعلقون كل صور الضحايا التي تتوفر لديهم. أثنى على الفكرة وقال إنه يتحمل جميع النفقات وسوف يشرع بالترتيبات اللازمة. 

بعد شهر زارت أم ضياء المقهى. فوجئت بواجهتها المطلية بلون أزرق خفيف يعلوها لوح خشبي أبيض خط عليه بالأسود "مكتبة الضحايا". في الداخل اندهشت لسعة المكان وإعداده وترتيبه بأيد حاذقة: الرفوف والأدراج والورق والأقلام. كان كل شيء متقنا أنجز بروح متفانية. حين عبّرت عن ذلك قال الرجل وهو يسلمها المفاتيح: "بذلت جهدي كي يكون المكان جميلا كوجوه الشهداء". 

* * * * 

تعاونَ آباءُ الضحايا وأمهاتهم وأشقاؤهم وشقيقاتهم وأقاربهم وأصدقاؤهم في نقل الكتب إلى المكان الجديد. وعلى الفور بدأوا في تنظيمها حسب المواضيع: الفلسفة، الأدب، العلوم، الشعر، الرياضيات، الرسم، الرحلات، وحصروا المراجع في رفوف محددة، ولصقوا أوراقا صغيرة مستطيلة إيضاحية أمام كل حقل لتسهيل وصول القراء إلى مبتغاهم. ولأن المكان واسع بما يكفي وضعوا ثلاث طاولات يحيطها عدد من الكراسي للرواد الراغبين بتصفح الكتب، أو البحث في المصادر النادرة في الطب والمعاجم التي لا يسمح بإخراجها من المكتبة. وفي العمق خصصت زاوية لإعداد الشاي. 

* * * * 

وشهرا بعد شهر، وسنة إثر سنة، واصلت أم ضياء عملها اليومي في المكتبة بالحماسة الأولى نفسها رغم تقدمها في السن، وعنائها من الأمراض المزمنة، وضعف القدرة على الحركة. وغدا التعب ينال منها بسهولة حتى أنها كانت تغفو وهي جالسة، فيما استمر تدفق الكتب مع استمرار سقوط ضحايا من المحتجين حتى لم يعد هناك ممر مريح لرواد المكتبة فأصبح لزاما على المتطوعين البحث عن مكان ملائم جديد.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top