مبنى  دار اوبرا أوسلو : العمارة بصفتها رمزاً قومياً

مبنى دار اوبرا أوسلو : العمارة بصفتها رمزاً قومياً

د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

متى يرتقي العمل المعماري (الحديث، وليس القديم)، ليكون رمزاً قومياً لشعب ما؟ أعتقد أن ذلك يحصل عندما يكون ذلك العمل معبراً بمهارة وحذق تاميّن عن تطلعات جمهور واسع من السكان،

وأن يكون هو ذاته على قدر كبير من البراعة والاتقان المهنيين، وأن تكون "ثيمته" حصراً في المواضيع العامة، مفتوحة للناس جميعاً، وغير مقتصرة على "نخبة" منهم، وأن تكون لغته التصميمية حداثية بالضرورة، تضيف قيمة جمالية خاصة للمدينة التي شُيّد فيها. إضافة، طبعاً، بان تلك العمارة يتعين أن تكون من نوعية العمارات الممتعة والمؤنسة، التي تدخل الى قلوب ووجدان وذاكرة مشاهديها سريعاً، وأن تكون سهلة التذكر لجهة هيئة "اميجها"، الذي عادة ما يكون مدهشاً ..ومختزلاً في آن!

ربما كانت عمارة "دار اوبرا أوسلو" المشيدة ما بين (2003 – 2008)، والمصممة من قبل مكتب "سنوهيتا" Snøhetta النرويجي، في العاصمة <اوسلو>، من بين تلك العمارات التى تنطبق عليها كثير من تلك المواصفات التى ذكرناها تواً، ما أهلها لتكون، بحق، معلماً معمارياً، يرتقي ليكون رمزاً مبنياً قومياً لجميع النرويجيين. إذ زارها، وفقاً لإحصاءات مسجلة، نحو 1.3 مليون شخص في العام الأول من افتتاحها في نيسان 2008، اي ما يعادل تقريبا "ربع" سكان النرويج كله، البالغ عددهم خمسة ملايين و 357 الف نسمة (طبقاً لإحصاء سنة 2019). وليس لي علم بان ثمة مبنى آخر، في بلد آخر حضيت عمارته بمثل هذه الشهرة ونال حضوره بشبيه ذلك الاعتبار، وبلغ زواره بمثل ذلك العدد الكبير، كما هو الحال لدى "دار اوبرا أوسلو".

في سنة 1999، أعطت الحكومة النرويجية، بعد نقاش طويل امتد لعقود خاص بضرورة انشاء مسرح وطني للاوبرا، أعطت موافقتها لتشييد هذا الصرح الثقافي، وتم اختيار شبة جزيرة "بيورفيكا" Bjørvika (وهي احد احياء "مركز اوسلو" ويقع في قلب مضيق اوسلو او ما يعرف بـ <فيورد اوسلو> Oslo Fjord)، ليكون مكاناً لذلك المبنى. وفي العام نفسه، تم تنظيم مسابقة معمارية دولية مفتوحة لتصميم "دار اوبرا أوسلو"، اشترك فيها معماريون من مختلف انحاء العالم، ووصل عدد التصاميم المشاركة في تلك المسابقة نحو 200 تصميم. واختارت لجنة التحكيم في عام 2000، مشروع مكتب "سنوهيتا" النرويجي، كفائز اول، الذي أوكلت اليه، لاحقاً، مهام إعداد التصاميم الختامية لمبنى الاوبرا وإعداد الخرائط التفصيلية له. شرع في تنفيذ مبنى الاوبرا في سنة 2003 واستمر البناء لمدة خمس سنوات، بعدها تم افتتاح مبنى "دار اوبرا اوسلو" في 12 نيسان 2008، بحضور رسمي عال، وجمهور شعبي غفير. وأود قبل الحديث عن عمارة المبنى، أن اتحدث باختصار شديد،عن مكتب "سنوهيتا" مصمم مبنى الاوبرا، هو الذي بدأ بصورة متواضعة جدا ليضحى فيما بعد واحداً من المكاتب المرموقة ذات الشهرة الواسعة ليس فقط في النرويج أو في اسكندينافيا لوحدهما ، وانما في عموم الفضاء المهني الاوروبي والعالم. وأرى أن هذا الحديث المختصر يسوغه سببان، أولهما واقعة الإثارة التي ارتبطت مع بدايات التأسيس، والسبب الثاني علاقة نجاح ذلك المكتب الاستشاري وشهرته العالمية وفلسفته التصميمية بعمارتنا العربية، كما سوف نرى تالياً. 

عندما أُعلن عن مسابقة معمارية مفتوحة لتصميم مبنى "مكتبة الاسكندرية" بمصر سنة 1989، التى اشترك فيها حوالي( 700 ) مشروع ، من( 52 ) بلدا ً؛ وشارك فيها مكتب سنوهيتا، الذي قدم مشروعاً مميزاً كان مقنعااً وموفقاً وذكياً .. وملائماً أيضا ً، بحيث إن لجنة التحكيم المتكونة من معماريين عالميين مرموقين ، لم تبذل كثير عناء في تحديد اسم " الفائز الاول " بتلك المباراة الدولية المهمة .وفي دراسة لي عن عمارة مكتبة الاسكندرية ، نشرتها في تموز عام 2005، أشرت الى واقعة تأسيس مكتب "سنوهيتا"، عندما كتبت:

<....بعد إعلان نتائج المسابقة ، اتجهت الانظار نحو "اوسلو"، عاصمة النرويج، حيث مقر المكتب المعماري، الحائز على المرتبة الأولى في تلك المباراة الدولية. وفجأة، وبسرعة مذهلة أمست اسماء المعماريين النمساوي " كريستوف كابلار" Christoph Kapeller والنرويجي " كيتيل تورسين" Kjetil Thorsen و الامريكي "كريغ ديكيرز" Craig Dykers مشاركي ومصممي مكتب "سنوهيتا" المعماري – أمست اسماؤهم مشهورة في الصحافة المتخصصة، ومعروفة لدى أوساط مهنـة عالـمية. وتبين، لاحقا، بانهم نظموا فريقهم التصميمي على عجل في مدينة "لوس – انجليس" بالولايات المتحدة – مقر سكن وعمل اثنين منهم، وقاموا بتأجير شقة في عمارة منعزلة، في تلك المدينة المطلة على المحيط الباسفيكي، هي الارخص التى بمقدورهم تأجيرها، لتكون بمثابة "استديو تصميمي". وبعد شهرين من العمل المكثف والجدي ، وبعد أن قاموا بعدة زيارات بحثية الى الصحراء خارج مدينة "لوس – انجليس"؛ ارسلوا تصاميمهم باسم مكتب "سنوهيتا" الاوسلوي، حيث كان زميلهم "تورسين" قد أسس سابقا ً هناك، في العاصمة النرويجية، مكتباً متواضعا ً بهذا الاسم ، تيمناً باسم <قمة جبل>، يقع في شمال النرويج>. وتدلل المقاربة التصميمية التى اتبعها المعماريون الشباب وقتها على تأويل ذكي ومقنع لاحد مقومات العمارة العربية ونموذجها التصميمي. بمعنى آخر، كان المكان "العربي" وثقافته المعمارية حاضرين في مشروع سنوهيتا، ما جعل مشروعهم المقدم للمسابقة مدار اهتمام لجنة التحكيم وقرارها المصيب. ويدين المكتب الى تلك المسابقة المثيرة ونتائجها إكتسابه السمعة المهنية العالية في وقتها. <راجع دراستنا إياها عن عمارة مكتبة الاسكندرية المنشورة في كتابنا "عمارة ومعماريون" (2009) بغداد>. لقد كان ذلك الفوز المفاجئ بمثابة حافزاً كبيراً لمنتسبي المكتب لمزيد من الاجتهاد التصميمي ونيل جوائز مختلفة في مسابقات معمارية متنوعة، كما جعل ذلك الفوز من المكتب المغمور احد اهم دور الاستشارة المعمارية على نطاق البلاد والاقليم. 

يستحضر معماريو مكتب سنوهيتا في مبنى "دار أوبرا اوسلو"، مقاربة المكتب المفضلة، الداعية الى تجميع مكثف لمجمل الفضاءات التصميمية للمبنى وجعلها تعمل تحت غطاء موحد، لتضحى، بالتالي، جوهر الحل التصميمي و"ضربة" التكوين المؤثرة. من هنا، نفهم نزوع المصمميين في اختيارهم لمفردة كتلوية أساسية، تبدو بمثابة حلقة وصل ما بين المدينة والبحر، كما تغدو تلك الكتلة لضخامتها وحضورها الهندسي الواضح وكأنها "جبل جليدي" <آيسبيرغ> Iceberg يبرز من جوف البحر! 

في الحل التكويني لمبنى الاوبرا نشاهد، أيضاً، حضوراً بيّن لإحدى انشغالات معماريي المكتب، التي باتت جزءاً من "ربيرتوارهم" التصميمي، القاضي بعدم الاكتراث مع ممارسة تصميم مبنى بواجهاته الاربع. ففي مبنى الاوبرا يختفي مفهوم الواجهة التقليدية كعنصر أساس في الحل التصميمي، وتفقد تلك الواجهة تراتبيتها أيضاً. إذ ليس هنا في الاوبرا من "واجهة رئيسية" او آخرى "جانبية" او "خلفية"، فجميع "الواجهات"، بضمنها "الواجهة الخامسة" (وهي واجهة السطح!) معنية في الاشتغال بتوليد "موتيف" المعالجة التصميمية لمبنى الاوبرا! بل ويذهب معماريو المبنى بعيداً في محاولتهم "لتغيير" المفاهيم العادية في العمارة المجترحة؛ جاعلين من "سطوح" المبنى المتعددة "منصات" فسيحة تسمح برؤية بانورامية للمدينة من جهة البحر. اذ اجاز القرار التصميمي لزوار الاوبرا أن "يتجولوا" بحرية على سطوحها المنحدرة، التى باتت تحاكي ما يشبه "المراقي" Ramps الهائلة العاملة كشرفات رحيبة في الاطلاع على مناظر احياء المدينة المجاورة ومشاهدة مياه الخليج من اسطحها. 

ولئن كانت المعالجة التصميمي لدار اوبرا أوسلو تبدو من الخارج وكأنها كتلة زجاجية ضخمة، تبرز من البحر، وتحيط بها سطوح منحدرة، يتجمع فوقها خصوصاً في أشهر الشتاء الطويل طبقات من الثلوج، باعثة نوعاً من برودة مضافة الى "برودة" الطقس المعروف عنه "زمهريره" وبرده اللاذع، فإن "داخلها" داخل مبنى الاوبرا وفي "انتريرها" يغلب الإحساس بالدفء جراء توظيف بارع لألواح السنديان المشغول بها سطوح جدران القاعة الرئيسة المطلة على بهو الاوبرا وسلالمها. كما تضفي قدراً من الارتياح والجمالية أيضاً "مشغولات" الفنان الدانمركي- الايسلندي العالمي "اولافور إلياسون" (1967) Olafur Eliasson الحاضرة في قواطع وجداريات مزخرفة تفصل قسم الخدمات عن فضاء البهو الفسيح. 

يعتبر تشييد اوبرا اوسلو، الآن، التي بلغت مساحتها ما يقارب من 38 ألف و500 متر مربع، وكلفت حوالي 4.3 مليار كرونة نرويجية (او ما يعادل 700 مليون دولار امريكي)، بمثابة رمز لما يمكن أن تكون عليه بلاد النرويج اليوم، وتعبيراً عن مدى الاهتمام الثقافي في ذلك المجتمع. إنها بحق صرح ثقافي يعد الاضخم منذ ان شيدت في الماضي كاتدرائية "نيداروس دومين"Nidarosdome في مدينة "تروندهيم" Trondheim، (التى استغرق بنائها 230 سنة ما بين 1070 -1300 م.). ثمة شغف حقيقي يكنه، اليوم، الشعب النرويجي لهذه العمارة، التى هي مدار فخر غالبية النرويجيين، هي التى حصدت جوائز كثيرة ونالت أوسمة عديدة لتميز مقاربتها المعمارية وفرادتها، وخصوصا ما اتصفت به من "انفتاح"، جعل منها مكانا مفضلا وجاذباً للكثير من النرويجيين وزوار عاصمتهم، وذلك للاستمتاع بعمارتها وفنها وبالاجواء التى خلقتها سواء في الخارج ام في الداخل. 

ومكتب "سنوهيتا" مصمم مبنى دار اوبرا اوسلو، كما أُشير في اعلاه، هو مكتب نرويجي متخصص الآن في العمارة وتصاميم الفضاءات الخارجية والتصاميم الداخلية، بالاضافة الى تصميم العلامات التجارية، ومقره في اوسلو/ النرويج. يمتلك المكتب فروعاً عديدة في مدن عالمية مختلفة في نيويورك، وسان فرنسيسكو، وباريس واستكهولم وفي العديد من المدن الاخرى. يعمل فيه حوالي 150 معمارا ومصمما بالاضافة الى 240 موظف. نال المكتب جوائز مهنية عالمية عديدة، فقد حازت تصاميمه على جائزة الاغا خان للعمارة، وجائزة "ميس فان دير رو" الاوروبية، وكذلك الجائزة العالمية للعمارة المستدامة وغيرها من الجوائز الرفيعة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top