هل نُحسِنُ العيش، لنخافَ مِن الموت!

آراء وأفكار 2020/03/15 08:18:58 م

هل نُحسِنُ العيش، لنخافَ مِن الموت!

لؤي خزعل جبر

‏ نحنُ موتى، فقطَ لَم يُعلَن عن ذلكَ بعد. الموتُ الحقيقي ليسَ هو البيولوجي، فتلك حتمية عبثيَّة مُطلَقَة، غير قابِلَة للسيطرة، ولا للتوقع، ولا للاستثناء،

ولكن الموت الحقيقي أن نُضيع لحظات البقاء، أن نفشَل في تأسيسِ حياةٍ طيبة، أن نكونَ موتى بين حدَّي الولادة والموت، أن نفتَقِر، ونتصارَع، ونتقاطَع، ونُعاني، ونتشرَّد، ونُستَغَل، ونُنتَهَك، كما قالَت الحكمة الصينيَّة: (ولِدَ، وتعذَّبَ، ومات)، بمعنى أنَّهُ لم يَعِش، وعدمُ وجودِهِ كان أجدى مِن وجوده!

...

مُنذُ فتحنا أعيننا ونحنُ مشاريع موت، مشاريع "استشهاد"، لأجلِ الوَطَن والدين والتقاليد والعادات، أو بتعبير أدق، لأجلِ الزَعيم، القائِد، الرئيس، الإمام، الفقيه، الشيخ، نهتِفُ: "بالروح، بالدَم، نفديك يا ....."! في حينِ لم يقدم لنا الوطن ولا الدينِ ولا المجتمع شيئاً، بل أخذ مِنا كل شيء، وإن طالبنا – ونحنُ نتعذَّب – بأبسط الحقوقِ صِرنا خَوَنَة وكافرين وملحدين ومنحرفين، وكانَت رصاصَةٌ تافِهِةٌ كافية لتردينا كالكِلاب، بل وصَل الأمر إلى أن يُلزَمُ أهل المقتول بدفع ثمن تلك الرصاصَة!

...

مُنذُ فتحنا أعيننا ونحنُ نلهَثُ خلف التوافِه، ونتصارَع على الهوامِش، لا نعرِفُ "فنَّ العيشِ"، بل نُجيدُ صناعة الموت، نُبدِعُ في تحويلِ لحظاتِ الجمالِ إلى قبحٍ، وحُزنٍ، وألَمٍ، نبتكرُ آلافَ المُعتقداتِ والأعرافِ والأُطرِ المقيدة للعفويَّة، والعقلانيَّة، والحُريَّة، والتضامُنيَّة الإنسانيَّة، ننشغِلُ بمقولاتٍ بالية، ونلتزمُ بقيمٍ رجعيَّة، نكرَهُ بعض، ونكسِرُ بعض، ونشوهُ بعض، ونعتدي على بعض، وننتشي بكم هائِلٍ من الأوهام!

...

على امتدادِ التاريخ، لم يصرَعُ وباء أو كارثة طبيعيَّة عدد من الناس بقدر ما فعلَت الحروب والإبادات والسياسات والاقتصاديات، الوطنيَّة والدينيَّة والعنصريَّة، مُدنٌ كاملة هُدِمَت، وجماعات واسِعَة أُبيدَت، وشعوبٌ كاملة عاشت تحت القهر والفقر، وملايين الأفراد سُجنوا، وعُذبوا، واغتيلوا، وشُردوا، وهُددوا، كل ذلك تمَّ – وهذهِ هي المهزَلَة – تحتَ راياتٍ تحمِلُ أسمى المعاني!

...

الفايروس السياسي والإيديولوجي والاغترابي أخطَرُ مِن البيولوجي، الأوَّلُ يعذبك لزمنٍ طويلٍ، والثاني يُنهي ذلك العَذاب، الأوَّلُ يخدعك، يوهِمُك بالحياةِ وأنتَ ميت، يستنزِفُك، يستعذِبُ تعذيبَك، يعتاشُ على معاناتِك، يثري بفقرِك، يتعاظَمُ بتصاغُرِك، بينما الثاني صادِقٌ معك، يقولُ لك بوضوحٍ أنهُ سينهي حياتك، يتعامَلُ معك بموضوعيَّة، بلا ضغائِن ولا مشاعِر ولا تضليل، ويموتُ بموتِك!

...

متى نُستنفَرُ، ونتحسَّسَ، ونَتوقَّى، مِن الفيروسات السياسيَّة والإيديولوجيَّة والاغترابيَّة كما نفعَلُ مع البيولوجيَّة؟ متى نتقزز من الكراهية، وننفُر من الكذب والتضليل، ونترفَّعُ عن التوافِه، ونغضَب من الاستغلال، ونحرِص على أناقَةِ العلاقات والأخلاقيَّات الإنسانيَّة، ونُقدِّس الحُب والعقل الإنسانيين، ونعمَل على تأسيسِ حياة عادِلَةٍ؟

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top