من وحي كورونا

آراء وأفكار 2020/03/24 07:14:44 م

من وحي كورونا

(إن الفم الذي يظل مطبقاً لا يدخل الهواء إليه، فيتعفن)

القاضي سالم روضان الموسوي

إن جائحة كورونا التي ألقت بظلالها على العالم جميعاً، وبينت لنا زيف قوة تلك الحضارات التي عجزت ولم تتمكن من الوقوف بوجه الفايروس، إلا بعد أن تعطلت الحياة والتزم الجميع بيوتهم وامتنع عليهم الاختلاط  ببعضهم وهو الذي يميز إنسانيتهم ،

بل إن بعضهم تخلى عن أحبته ووالديه وأبنائه إما في مواضع الحجر أو استسلم لموتهم وفر منهم ولم يقوى على دفنهم، وكأن الناس يجسدون في الدنيا أهوال الآخرة التي وعدنا الله بها في قوله الكريم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ،  وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) ، لكن هذه الظروف لم تخلو من فائدة لأنها ألزمت الناس بيوتها لتغير من نمطها الروتيني اليومي ، ومن فوائدها لي شخصياً تفرغي لاستئناف العمل على انجاز مؤلف جديد كنت باشرت بكتابته منذ عام تقريباً ، فكانت مناسبة من ذهب حاولت أن استغلها، للعودة إلى موضوع الكتاب المتعلق بالقضاء الدستوري، فكان الوقت يأخذني في مكتبتي لساعات طويلة دون أن اشعر بمرورها وأنا بين تصفح مرجعٍ أو قراءةُ كتاب له صلة بموضوع المؤلف الجديد، وبين الجلوس على منضدة الكتابة الالكترونية، وبعد أن ينال التعب مني، أحاول أن التقطت برهة من الزمن لإراحة البدن والفكر، فأقوم بالاستلقاء لإزالة عوارض علة الفقرات التي يعاني منها بدني، كما التقط من بين رفوف المكتبة إما كتاب أدبي أو رواية أو ديوان شعر للترفيه عن ضغط الكتابة التخصصية في القانون، فأجول في عوالم الأدب للترويح عن الذات بطرائف الأقوال والحكم الواردة في ثنايا تلك الشذرات الأدبية، وهذا ما أوصى به الحكماء بقولهم (إن القلوب اذا كلت عميت فروحوا عنها بطرائف الحكم) ، وفي عطلة (كورونا) واعتقد انها ستبقى تسمى هكذا في السنين المقبلة، وقع بصري على رواية عنوانها (فقيرٌ أمام القضاء) لمؤلفها الفرنسي أناتول فرانس المولود في نهايات القرن السابع عشر ميلادي وعربها الكاتب يوسف ابراهيم يزبك وطبعتها بيروت عام 1938، وربما يكون عنوانها قريب من اهتمامي التخصصي في القانون والقضاء، لكنها رواية شدتني أحداثها التي جرت في مدينة باريس، وما سأقوله عنها ليس نقداً، لأني لا املك أدوات النقد الأدبي ولست من المختصين في ذلك، ولكن ولدت عندي انطباع من سياق أحداثها وآلية السرد وانتقالاتها الزمنية والمكانية وموضوعها، فوجدت إنها توضح معاناة الإنسان بتجرد عن مكان استيطانه أو زمان أحداثه، فكانت الأحداث كأنها هي تلك التي تحدث الآن، وموضوع الرواية يتلخص في رجل بائع جوال اسمه "كرنكبيل" يحدث له سوء فهم مع رجل الشرطة، فيعتقد الشرطي ان ذلك البائع الفقير قد أهانه فيأخذه إلى المخفر ومن ثم يقدم إلى القضاء بصفة متهم ويحكم عليه بالحبس وهو لم يرتكب ذنباً، وتشير الرواية إلى إن أسباب ذلك جهل البائع المتجول الذي لم يمكنه من الدفاع عن نفسه، وفقر حاله الذي جعل منه في درجة أدنى من الشرطي، كما أوضحت لنا سطوة القوة ومفهوم العدالة عند الأقوياء، وكيف إن ازدراء الفقير يقلب طيبته واجتهاده إلى أن يكون منبوذا أو يصبح مجرما او ان المجتمع ينساق وراء قول الأقوى، وهذا ما تمكنت من تلخيصه وان كان بقصور ملحوظ، لكن ما شدني في الرواية كثيراً ، جُمل في الحوار وهي مناقشة لرؤى وأفكار إنسانية وحضارية ، وفيها نقد واضح للسلطة الغاشمة حينما تكون بيد من لا يرى إلا منافعه ومنافع طبقته الحاكمة، وان هذه العبارات سأذكر بعضٍ منها على وفق الآتي :

  1. إحدى شخصيات الرواية ويصورها الكاتب بأنها امرأة كبيرة السن تمتاز بالحكمة فتحاول مواساة هذا الفقير وتذكره بان الظلم يبقى طالما مقدرات البلد بيد مجموعة من الأشخاص وبقولها الوارد في الصفحة (14) (لست وحدك يا عم (بيل) بل إنا وأهلي وأكثر البشر بائسون مثلك لأنهم ضعاف، وهم ضعاف لأنهم فقراء، وأنهم فقراء لأنهم متفرقون متنابذون، والمجتمع سيظل على هذا الظلم ما دام في قبضة من الأغنياء وحلفائهم الأساقفة، يسيطرون عليه) وفي هذه الجملة يريد الكاتب أن يقول إن الظلم والتسلط هو نتيجة لمتوالية تبدأ من الضعف ثم الفقر وتنتهي بالتفرق والتنابذ حتى تصل إلى هذه النتيجة.
  2. ينقل لنا الكاتب وجهة نظرهُ على لسان فنان كان حاضراً في جلسة محاكمة ذلك الفقير أمام القضاء الفرنسي، فيشهد تلك المحاكمة التي تجلت وقائع الحدث فيها باتهام مقدم من رجل الشرطة القوي المتسلح بالسف والمسدس وسلطان الدولة ضد رجل فقير ضعيف جاهل (أمي) وبحضور شاهد على الواقعة من الأطباء البارزين والذين لهم حضور اجتماعي لأنه كان مدير مستشفى ونال أوسمة ونياشين من أعلى سلطات الدولة وذو وجاهة اجتماعية وعلمية كبيرة، وكان الاتهام مقتصر على قول الشرطي رجل السلطة القوي وإنكار المتهم الضعيف وشهادة العالم جليل القدر والوجاهة الاجتماعية الذي اصطف إلى جانب المتهم الفقير وأنكر قيامه باهانة الشرطي، فكانت المحكمة ورئيسها أمام قولين متناقضين الأول لرجل السلطة الشرطي والثاني لرجل العلم فبأي منها تأخذ ، فيقول لنا الكاتب إنها أخذت بقول الشرطي وحكمت على الفقير، وأهملت قول العالم الجليل ذو الوجاهة، فما كان من الفنان الحاضر في المحاكمة إلا انه حاول فهم ميل المحكمة نحو شهادة الشرطي وإهمال شهادة العالم الجليل، وحاول أن يجد المبرر لذلك فيقول (ليس على القضاة أن يعرفوا الحقيقة ويبحثوا عنها والتشكيك بالأقوال من ثم الذهاب إلى أقربها للصدق) ويستطرد بعرض وجهة نظره إلى أن يقول (لا يجوز لهم أن يأتوا مثل هذا الأمر المنكر لان اقترافه يعد جريمة ضد القضاء: فنظام المجتمع القائم يوجب عليهم أن يحكموا في الناس سواء عرفوا حقيقة الدعوى أم جهلوها، أي إهمال الحقيقة جائز ولكن إهمال الحكم لا يجوز) ثم يستمر ذلك الفنان الذي يروي على لسانه كاتب الرواية ليعبر عن رأيه في المحاكمة فيقول (أما الرئيس الذي حكم على "كرنكبيل" فبدا لي على جانب عظيم من تفهم روح الشرع : فهو لا يبني حكمه على أسس العقل والعلم، لان الحكم المبني على هذه الأسس يبقى هدفاً للأخذ والرد طول العمر، وإنما يبنيه على المعتقدات والتقاليد فتصبح أحكامه ذات قوة كأنها أحكام الكنيسة) ثم يقول مستغرباً (أو لم تلحظ انه صدق شهادة الشرطي كأنها قبس من الله تعالى نزل إلى المحكمة، ولم يحترم شهادة الطبيب؟) ثم يعود ليجد السبب في ذلك التصرف فيقول (انه فعل ذلك لان الشاهد الأول إنسان يرمز إلى قوة معنوية أما الشاهد الطبيب فإنسان وكفى! وعندما يتقدم الإنسان إلى الشهادة ومسلحاً بسيف أو مسدس فان الرئيس يصغي إلى السيف أو المسدس وليس إلى حاملهما، لان الإنسان محتقر ومطبوع على الخطأ وأما السيف أو المسدس فلم يكن احدهما يوماً محتقراً، وإنما كان على حق ،وعلى حق دائماً!) ثم يستمر بقوله (إنهما يمثلان القوة وما القضاء إلا إدارة القوة) وهذا ما ورد في الصفحة (41) من الرواية .
  3. ثم يستنتج ذلك الفنان الراوي عن الكاتب ( بان القضاء هو تثبيت للمظالم القائمة، وان القضايا تؤخذ كلها بأشكالها وليس بروحها، وكان على "كرنكبيل" أن يكون أقوى من الشرطي)
  4. لكن يرى الكاتب رؤيا أخرى يكمن فيها العلاج والمتمثلة بقول الحقيقة والتعبير عن الرأي وطرح الأفكار حتى لو كانت بوجه الحاكم الجائر، ويؤكد على إن الخلاص لا يكمن في الصمت، وإنما في الكلام ويعتبر الصمت سبباً في تفشي الأمراض الفكرية والاجتماعية ومنها الفقر والجوع والإقصاء والظلم والتسلط والافتراء وغيرها، وانقل عنه قول الرجل الفقير في الصفحة (39) من الرواية حينما لم يكلمه سجانه المتعالي والمتكبر فيخاطبه ذلك الفقير (إن الفم الذي يظل مطبقاً لا يدخل الهواء إليه، فيتعفن)

هذه بعض من فوائد ظلال كورونا التي ألقتها علينا وذكرتنا بقول الكاتب أناتول فرانس الذي ينصحنا فيه لتجاوز حالات تعفن الفم عبر الكلام والتعبير عن الرأي وقول الحق بقوله (إن الفم الذي يظل مطبقاً لا يدخل الهواء إليه، فيتعفن)

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top