السندريللا في الساحة

السندريللا في الساحة

حميدة العربي

من وراء شباك عزلتها القسرية وصمت وحدتها المطبق، تنظر تلك الصبية، المتماثلة للحب والعنفوان، لسرابِ حريتها تبدده قوانين الاقوياء وأنانية المتسلطين.. تستسلم مرغمة لمصيرٍ تقرره مومياءاتٍ محنطة بوصايا التقليديين وخرافات المشعوذين

تقاوم إهمالاً يتفشى ضد مشاعرها وقسوة تتفاقم في كل تفاصيل حياتها.. تنام مهمومةً بين كابوسٍ يطارد سكينتها وآخر يبعثر طيفها.. وتنهض مرهقةً من أثقال يومٍ سابقٍ أهدرَ نواياها وتركها تدور مثل نحلةٍ ضلّت طريقها الى حدائق الربيع.. تنتظر حدثاً يقلب حياتها، ويعيد ترتيب صفحاتها بتسلسلٍ، غير معتاد، يضعها في السراط الذي تريد. لذا اعتبرت إن التظاهرات اندلعت من أجلها، وفي سبيل يقظتها وسحبها من هوة النسيان الى بؤرة الضوء والإنعتاق فكانت طوال الوقت مشغولة بها قلقة عليها، تنعكس على استدارة وجهها أحداث الساحة وأحاديثها، تحزن للحكايا الموجعات وتبتهج بأغانٍ  يرددها اللامبالون بالخوف والتبعات، تراوغ أيامها صابرة مكابرة وتنغمس مكرهة على تنفيذ رغباتِ أخواتها وأمهم اللواتي داومن الذهاب، كل يوم، مثقلات بالبهرجة والألوان المتنافرة للاندساس بين المتظاهرين 

 تعرف بحدسها، أي هدفٍ يدفعهن لتلك الحماسة وذلك الإنشغال. فما بين حب الظهور والبحث عن فرص متاحة للإصطياد، تكتشف   من خلال كلماتٍ منفلتة وخطط محجبة أو سافرة هدفهن الأكثر انحطاطاً وخسة، وهو الإيقاع بالشباب واتهامهم    

 تؤلمها وتغضبها احتفالاتهن المتهورة بانتصارات مزعومة بعد كل دسيسة تنجح صدفة أو خديعة تنطلي على الحلقات الهشة، فتستنفر، لقلة خبرتها، أفكاراً قديمة وحيلاً شائعة توصلها الى الساحة لتنيبه المتظاهرين والإبلاغ عن المندسات الثلاث.. يبرز لها وجه جارتها العجوز كقمرٍ مبتسم في ذهنها، تهرع اليها مشحونة بمشاعر التقصير تجاه الساحة، راجية دعماً يعزز شجاعتها لتكون هناك.. مع المتظاهرين:

 لا أملك حذاءً يسهّل حركتي عند الملاحقة المتوقعة!

تفتح لها العجوز باباً سحرياً ظل، لعدة عصور، عصياً على الفضوليين، موصداً بوجه الطامعين.. يحوي خلف ضخامته اسرارَ شباب مبتعد معاند وآثار مغامرات مثيرة تلوح جرأتها بمرح ٍالالوان وصراحة الإنتقاء.. هدايا ما زالت تتوق لمن أرسلها.. زهور تأبى مغادرة عطرها.. مرايا متوهجة تعكس حنيناً فياضاً ـ لطفولةٍ غابرة ـ وألعاباً تستعرض جاذبيتها.. أمشاط تحن لشعرٍ داعبته فتيا.. أحذية متوثبة تلمع تحت أزياء مزركشة ترقص .

تنفلت دهشتها وتهلل بضجيجٍ طفولي. تجذبها ـ دون  ​أدنى حيرة أو حرج ـ  بساطة حذاءٍ أبيض يزهو بعبارة مذهبة على حافته الجانبية.. سيكوّن تناغماً فريداً وبسيطاً مع الفستان الذي لوحت به العجوز كراية انتصار:

الساحة تستحق أجمل الأفكار..

. ​؟ ماذا يتوجب عليّ أن أفعل

لا شيء ينبغي عليك فعله سوى أن تحملي شمساً، تظل مضيئةً في داخلك حين ينطفأ النهار وتتلبد المحاذير

 أسرعي.. وعودي قبل أخواتك وأمهم..

تهمس السندريللا: المندسات!

حملت شوقاً متأججاً باللهفة والحماس... ومضت في دروبٍ لا يسلكها الا الخارجون عن المألوف والباحثون عن مجدٍ استثنائي في زمن البديهيات.. رافقتها شوارع المدينة التي امتدت لاستقبال خطوات الرافضين، ابتسمت لها كهرمانة رغم انشغالها الدائم بمعاقبة لصوصٍ لا يتعضون ولا ينتهون وحيّت السعدون لاحتماله وصبره على ما يجري حوله.

مشت تحث الخطى نحو الساحة، عبر انعطافات غير معهودة لضوء عينيها. تدفعها موجة حبٍ متفجرة واستطلاع متنام نحو فضاء لم تتخيل إنها ستصبح جزءً منه وأجواء ما حلمت بالولوج اليها حتى في أكثر خيالاتها سحراً وغرابة، هناك بين الساحة والساحة حيث يصبح الهواء جسراً للعابرين، كالطيور، الى أحلامهم الموعودة.. وحيث تتقاطع هتافات الشباب مع أزيز رصاصات الشغب وتتعفر الوجوه بدخان اعتدائهم ورماد نيرانهم .

 ظلت تتلفت مرتجفة يهزها ارتباكها وعدم معرفتها بأحد، فاجأها وقوف التك تك أمامها متحدياً ومتعجلا

 هل ستبقين على الرصيف مع المتفرجين؟

. لا.. جئت من درب بعيد.. لأكون معكم.. في الساحة

. إصعدي.. هي أقرب من القلب وأبعد من النجوم.. إصعدي ولا تخافي.. أنت مع مهاوي

صعدت بكل ما فيها من نشاطٍ كامن معزز بحيوية اللحظة، وانطلقا بين تلافيف الدخانيات ولهيب الحرائق، بدا مهاوي متوثباً متحفزاً تتحرك يداه ـ الملطختان بالسخام ـ بعفوية مذهلة، يشمل الجهات جميعاً بنظرات ثاقبة فاحصة لا تتوقف عند نقطة، وبقصد أو بدونه مررها تحت لوحة تستفز خوف المتقاعسين وتنهرهم ( الخائفون لا يصنعون الحرية ).. تأملتها بشرود: الحرية

. انزلي هنا.. هتف مهاوي

 قفزت السندريللا كالغزالة من التك تك، أرادت أن تبعث له كلمة شكر وابتسامة حين جرفتها الامواج البيضاء المتدفقة، الهاتفة، وجعلتها جزءً من لوحة شعرية دوّنها الشباب، بدمائهم وإصرارهم، على جبين الكوكب، فأطلقت العنان لصوتها كي يذوب في سمفونية التلاحم المهيب تلك.. كان التواجد في الساحة حرية تبعث في النفس يقظة مضافة وصحواً طلقا.. ففيها وحولها تنشط الحياة زاخرة بعفويتها وصدق طبعها.. أمهات يصنعن خبزاً مضمخاً بالطيبة والتفاني، صبيان مشاكسون ينشرون فرحاً وقناني ماء وحلوى، فتيات شامخات الجمال والقوة يرسمن أفكار الحالمين وأماني البسطاء، شيوخ وأباء يستمدون العزيمة من الزاحفين، بفخرٍ، دون أرجلٍ أو أذْرع.

خُيل اليها أنها تقف عند الحد الفاصل بين جهنم ـ كما يصورها الكبار ـ وتلك الجنة التي تمنتها على الأرض، تلفتت باحثة عن تك تك مهاوي عندما بدأت لعلعة الرصاص ورمي القاذفات الدخانية تملأ الأنحاء حمماً وصراخاً فتفرقت الجموع وتبعثرت التكتلات بكل الاتجاهات، وانقطع التواصل وتضببت الأجواء. هرعت السندريللا باتجاه لا تعرف مداه ولا تدرك منتهاه فافلتت فردة حذائها عند نقطة مشتعلة، أنّبت نفسها حين فكرت باستعادة الحذاء، اختبأت خلف حاجزٍ حجري قد يعيد اليها الاطمئنان الذي خلّفه حضور مهاوي وبسالته، تفحصت الوجوه التي ظللها الإرهاق والمطاولة وعلاها العناد والكبرياء وميزتها روح المبادرة وراقبت الأرواح الهائمة بين أهازيج تبعث وصايا وتثبّت مطاليب، وأنين يؤكد عمق الجروح وسعتها واستغاثات تبحث عن منقذ وسط الطوفان .

لمحت من بعيد أخواتها وأمهم يتراكضن نحو الاتجاه الآخر، ويختفين بين الطرف الثالث، لامت ذاكرتها وعصرتها غصة كبيرة لأنها نسيت أن تخبر مهاوي عن اولئك المندسات

سأعود غداً وأبحث عنه وأخبره .

.................

استمرت التكاتك تتخاطف متقاطعة خلال كثافة الغمامات الخانقة لتحمل جريحاً أو تنقل مسعِفاً أو تخلي شهيدا... يتوقف أحدها بشكل مفاجيء ويقفز منه ظل رشيق فارع ليلتقط الحذاء، يتلفت لكل الاتجاهات بحثاً عن شيءٍ أو وهمٍ يعطي تفسيراً لا يقبل الشك أو الإنحياز، قبل أن يعود الى عتمته وينطلق متوارياً بين الأزقة الغامضة الأعماق .

...........

كانت العودة الى الساحة صفحة جديدة مرصعة بذكريات الأمس الملتهب ومكتوية بجمر الحسرات المتراكمة، حسرة فقدان أي أثر لمهاوي، وحسرة إفلات أخواتها وأمهم من شرنقة الإنكشاف، والأمضى خسارة الساحة لتلك الأرواح البهية الحالمة بشمس جديدة وحياة مكتملة  

  يشمخ امامها ( جبل الاحرار ) متباهياً بصلابة فتيانه وهم يكتبون قصصاً للرواة وحكايا للزمان القادم ورفرفة الأعلام ترحب بالواعدين الجدد.. والأيادي أشرعة تلوّح ـ كطوقِ نجاة ـ للقادمين دون حصانات .

تنجذب نحو تجمهر طغى عليه الحضور الإنثوي يتحلق حول منصة غير مرتفعة، لتتملكها الدهشة والمفاجأة، مهاوي يقف عريفاً رافعاً فردة حذائها يعلن: هذا الحذاء مكتوب على حافته عبارة ما، من تعرف ما هي تلك العبارة، سأُهديها كل قصائدي التي تتهيأ لولادتها العسرة ولوحاتي التي تنتظر الوانها الآيلة للنضوج وأسجل التك تك باسمها عندما أشتريه، يوماً ما، بعد الإنتصار. تعالت أصوات الفتيات بعبارات كثيرة بين عادية وساذجة وأخرى جريئة أو غريبة وصاحت أختها الكبرى ( الغيرة أساس الحب ) وتبعتها الأخرى ( الجميلات دائماً محسودات ).. فسرت همهمة مبطنة بكلمات ساخرة... استطاعت، خلالها، السندريللا أن تجد طريقها الى الامام، وبذلت جهداً كي يصل صوتها لمسامع مهاوي وهتفت بطلاقة: الحرية في داخلك.. أيقظها     

كان ابتهاج السندريللا واندفاعة مهاوي المهذبة نحوها سهماً فجّر مرارة الغيرة والكراهية في دواخل أخواتها وأمهم اللواتي لا يعرفن المهادنة، ولم يخطر ببال السندريللا إن إشارة بذيئة، تعودت أن تفعلها كبرى أخواتها، كانت الإيعاز الحاسم ببدء الهجوم على حلقة الإحتفال، تفجرت النيران حول الخيمة ومن فيها وانهالت كتل مشتعلة لا تعترف بالإحتفالات ولا تميز الخير من الشر. سقط مهاوي مثل شجرة قُطعت بضربة مفاجئة من فأسٍ غادرة، فكأن جهنم ـ كما يصورها الكبار ـ تندلع الآن حولهما، هي المصدومة بعد فرحٍ طارئ مرّ خجولاً دون أن ينال كرم الاستمرار ومهاوي متكوم أمامها كحزمة آسٍ خانها ضوء الشمس وخذلها جريان الماء، ولم تدر أية ايادٍ كريمة متعاطفة امتدت لتسحبها مع مهاوي خارج أطواق النار  

...............

لم تستفق السندريللا من ذهولها وانقطاع ذهنها عن التركيز إلا حين استقرت يدها على جبين مهاوي في عربة الإسعاف، كأن شحنة حياة جديدة سرت في عروقها، تألق وجهها بابتسامة دامعة وهتفت: إنه حي

.........

كانت خيوط الشمس الدافئة تتمدد باسترخاء على وجه ذلك السومري الغارق في غيبوبته، يلونه مزيج من الدم والدخان والتعب المزمن والسندريللا منتصبة عند رأسه متوعدة القسمات تعاين الطريق من نافذة صغيرة، فتفزع لمنظر أخواتها وأمهم مع الطرف الثالث يتكالبون على تك تك مهاوي ضرباً وتكسيرا.. يملؤها غضب جامح وتجتاحها رغبة عارمة في أن توقف هذا الخراب وتمحي تلك الكراهية بصرخة مدوية أو لمسة يدٍ حنونة. تلتفت ببطء الى مهاوي الذي بدا وكأنه أحس بما تشعر وتفكر. أشرق وجهه، فجأة، بابتسامةٍ غامضة ـ لا ينقصها السحر ـ انتشرت كسحابة عطرٍ امتدت الى وجه السندريللا فتعانقت الابتسامتان في اتفاقٍ غير معلن سُطّرَ فوق إغفاءةِ عينيه: أنت الحق المضاف الذي سأُطالب به والصرخة الأخيرة التي تُنهي مخاض الإنتظار. الألف ميلٍ سنبدأها الآن.. وسنعود قريباً الى الساحة. وبحركة احتفالية فتحت السندريللا باب العربة وهتفت للمتظاهرين: مهاوي سيعود معكم ويتعافى بينكم.. سنعود، لنواصل معاً ونطالب بما نريد ونكتب أمنيات كبيرة وأبيات حبٍ جديدة، ونجمع رصاصاتهم أدلةَ اتهامٍ ضدهم ونزرع ورداً كثيراً ونغني.. والتك تك، الذي يحبه، سيشتريه، يوماً ما... بعد الانتصار.

............... 

    مضت عربة الثوار بعيداً، ومازال الطرف المقنّع مع أخواتها وأمهم يتركون ـ بجهلٍ ـ بصمات عنفهم على بقايا التك تك، والثوار المرابطون، يتصدّون لهم بالحجارة والاهازيج بين كرٍّ وفرٍّ حتى مطلع الفجر

تعليقات الزوار

  • أنور

    جميل جدا.

  • ابو اينار

    تصوير رائع لحدث عظيم

  • علي مكي

    توظيف جميل لقصة سندريلا ... ومحاكاة صادقة للواقع ... تحياتي

  • Lila

    جميله ورائعه ومعيره ... جميله انت سندريلا ... اجمل كلمات كنت رائعه وكلماتك تلمس القلب ... تستحقين كل الإعجاب والتقدير.

  • ايفا

    قصة لطيفة. شكرا ❣

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top