هتلر والسينما هواية الفوهرر المجهولة والسياسية المخفية ( بيل نيفن )

هتلر والسينما هواية الفوهرر المجهولة والسياسية المخفية ( بيل نيفن )

موج يوسف

 لعب الإعلام دوراً هاماً في صنع الجمهوريات وسيطرة السياسية والأنظمة على الشعوب . إذ كان في العصور القديمة قبل التكنولوجيا يوظف الشاعر لأجل الدفاع عن القبيلة والقربى فهو كان إعلامي القبيلة في تلك المرحلة ،

لكنّ في عصر التقدم والتطور الحداثي ولاسيما في القرن التاسع عشر وما بعده أصبحت متطلبات هذه العصور تتطلب ذكاءً اكثر فيما يخص السياسية والوصول إلى العرش السلطوي فكانت السينما والإعلام أحدى أدوات السلطة والتي أخفت ايديولوجية النظام في مضمرها ، وهذا ما يسلط الضوء عليه كتاب ( هتلر والسينما هواية الفوهرر المجهولة)  لمؤلفه بيل نيفين وترجمة هيثم لمع الصادر عن دار المدى في بغداد عام 2020 . إذ يتكون الكتاب من قسمين رئيسين من الفصل الأول إلى السادس باستثناء التعرض في مكان او اثنين لمرحلة ما قبل الحرب والتركيز كان فيه على سنوات السلم في عهد هتلر من عام 1933 الى 1939 والقسم الأخر درس فيه الباحث دور الفوهرر في سينما بمرحلة الحرب وثم اختفاءه من الافلام تدريجيا . ونجد أن المؤلف اثناء تقديمه للكتاب قد علل سبب هذا التقسم (( هناك سبب علمي لهذا التقسيم أنه لو وضع التقسيم من 1933 ـــــــــ 1945 كان سينتج فصولاً في غاية التطويل وقد اردنا تنجيب القرّاء عناء التفكير الدائم رجوعاً من نهاية الحرب حتى بداية نشأة الرايخ الثالث)) ففي الفصول الأولى درس المؤلف تأثير السينما على هتلر اولاً ثم يبين فيما بعد كيف وظّفها الفوهورر للوصول إلى الحكم ، ويشر نيفين أن هتلر كان مدمناً للأفلام بشهادة المقربون منه وهم يوليوس شاوب معاون هتلر الذي يقول : )) إنه كان ينام طول فترة الصباح ويستيقظ لكي يستقبل ضيوفه على الغداء وثم بعدها يسيرون إلى صالة الكلاينس لمشاهدة الأفلام ص 22 )) والشاهد الاخر نفشنجل المؤتمن على اسرار هتلر ذكر (( إنّ أكثر ما كان هتلر يحب لتمضية أمسياته هو مشاهدة الافلام ص 23 )) وكذلك أشار خادمه هينز لينجه وكارل فيلهلم في مذكراتهما إلى عادة هتلر في مشاهدة الافلام لساعات طويلة . وبعد ذكر الباحث لهذه الشاهدات يبدأ فصله الأول في تناول جلسات هتلر الخاصة في مشاهدة الأفلام ومدى تأثير تلك الأخيرة عليه ولاسيما فيلم ( بياض الثلج ) الذي يعدّ من أكثر الأفلام له مكانة خاصة عند هتلر لما يحتويه من أفكار مثل السم القاتل والولادة من جديد بفضل السحر ، وكذلك فيلم ( كينج كونج ) والذي يحكي عن قرد عملاق يقع في غرام فتاة لا تزيد قامتها عن حجم يده إذ لفت نظره في الفيلم دور الفتاة (فاي راي) بدور الضحية اليائسة , ويحي هتلر إعجابه في الفيلم إذ يصبح المُصاد صياداً والضحية معتدياً . وفي بدايات هتلر السينمائية يشير نفين أن موقفه من الأفلام لم تكن تحدده أفكار ايديولوجية او عرقية مسبقة وأنما كان يدين ظروف انتاجها . بينما نرى في الفصل الثاني أن نيفين رصد هتلر مستهلكاً للأفلام وسياسة اختيار الأفلام ، وما الاسباب التي تدفعه إلى حظر أفلام معينة كذلك يقف الباحث عند حالتين تدخل خلاهما هتلر في السينما هما: طلبه إنتاج فيلمين وثائقيين حول قطع تناسل ذوي الاحتياجات الخاصة بعنوان ( ضحايا الماضي عام 1937 ) والاخر حول الحرب الأهلية الاسبانية بعنوان ( في المعركة ضد عدو العالم ). وقد اعتنى هتلر بمشروع إعداد هذين الفيلمين النازيين المهمين كي يروج لأفكاره السياسية ونظرته إلى العالم ، كذلك دعا إلى الحاجة لحماية الالمان من المعوقين عقلياً وجسدياً وإلى مناهضة أطماع البولشفية في العالم ، ومنها يمكن القول إنّ هتلر قد بدا يخطط لحروبه وفرض الايديولوجيا النازية على المانيا ومن ثم العالم فكانت الأفلام الوثائقية تحمل سياسية مضمرة تروج بشكل مخطط له لغزو العالم . ويلفت الفصلان الثالث والرابع للانتباه إلى مجموعة أفلام أكثر شهرة انتجها هتلر ، منها الفيلمان اللذان اخرجتهما ليني ريفنشتال عن تجمعات الحزب النازي (فوز العقيدة 1933) و( انتصار الإرادة 1935 ) ، وفيلهما عن دور برلين للألعاب الاولمبية عام 1938 بعد استلام النازيين السلطة في يناير عام 1933 . كذلك استغلت النازية ايديولوجيتها في فرضها على السينما فتناولت أفلاماً لهزيمة الشيوعية ، والنقطة الأهم إن فيلم (اولمبيا) الذي اخرجته ريفنشتال لم تخرجه لأجل الاحتفاء بالروح العالمية للألعاب الاولمبية ، بل كان هدف هتلر أن تقوم فكرة الفيلم على نوع من التستر كي يساعد على اخفاء طابع النازية الحقيقي وخططها المرسومة للهيمنة على أوربا . ونرى في الفصل الخامس يبين المؤلف نيفن كيف وظّفت السينما لأغراض هتلر السياسية إذ تحولت إلى قاعات تبث خطابات هتلر إضافة إلى إظهار الأفلام الإخبارية وأفلام وثائقية متنوعة ومنه غدت شخصية هتلر عنصراً اساسياً في الأفلام النازية الطويلة . في الفصل السادس يرصد بيل نيفن الطريقة التي استثمر فيها هتلر الممثلين ، فالممثلون وخصوصاً الممثلات غالباً ما حلّوا ضيوفاً على سهرات هتلر الخاصة وكما لم يذكر أنه دخل في علاقة خاصة مع الممثلات باستثناء جوبلز وزير الدعاية السياسية الذي ربطه علاقة بإحدى الممثلات . بينما التغير الكامل لهتلر وشغفه بالسينما في الفصل السابع إذ يظهر الفصل كيف قللّ هتلر من جلساته الخاصة لمشاهدة الأفلام وابتعاده عن السينما الالمانية وتحديداً عند اجتياح القوات النازية بولندا ثم بدأ يكرس الأفلام الإخبارية حول الجهود الحربية النازية مثل فيلم ( حملة في بولندا 1940 ) وفيلم ( الانتصارات في الغرب 1940 ) .اما الفصل الثامن فقد يظهر فيه أن هتلر بقى مطلعاً عن قرب في إنتاج الافلام المعادية للسامية وكان اشهرها فيلمين مهمين هما ( اليهودي سوس 1940 ) و( اليهودي الخالد 1940) وكان دور هتلر كبيراً في اعداد هذين الفيلمين عندما كان يتجه نحو الإبادة الجماعية . وفي محور الفصل التاسع اخذ هتلر على عاتقه بصفته القائد الاعلى للقوات المسلحة أن يهتم بتغطية الفيلم الاخباري بعد خسارته في ستاليجراد عام 1943 . وتكمل رحلة المؤلف وهتلر في الفصل الاخير الذي درس فيه نيفن أهمية الأفلام عند هتلر كوسيلة للترفيه والدعاية السياسية على سواء في ظل حرب قاسية كما حرص على إعفاء الممثلين الالمان من الخدمة العسكرية مقابل مساهماتهم في دعم الحرب ، بل وحتى في أخر خطاب له وجهه إلى الشعب بقيت سياسته وأفلامه تعرض . كتاب هتلر والسينما دراسة واسعة ودقيقة وحملت تحليلات كثيرة للمؤلف كما كتب الكتاب بطريقة الأفلام الوثائقية اي يمكن تصويره كفيلم وثائقي يكشف الكثير من الحقائق ويمكننا الخروج بخلاصة نهائية هي صناعة السياسية والانظمة الشمولية المستبدة بحكم قادتها الدكتاتورين في عصر الحداثة يتم عن طريق الاعلام الذي يخفي سياسيات القادة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top