هل سنشهد تحولات كبرى بعد عالم ما بعد الكورنالية ؟

آراء وأفكار 2020/03/27 03:48:02 م

هل سنشهد تحولات كبرى  بعد عالم ما بعد   الكورنالية   ؟

عباس العلي

الدارس لتاريخ المجتمعات وعلاقة التغيرات والتحولات في رسم سيرورة التطور البشري على الكرة الأرضية يعرف جيدا أن الأزمة العالمية الكورنالية التي يمر بها العالم اليوم سوف لا تنتهي إلى نتائج أعتيادية ككل الكوارث التي مرت عليه،

النتائج المتوقعة بشقيها المنظور القريب والمتوقع له على المدى الأبعد يقر أن عالمنا بعد أنتهاء وباء الكرونا على المستوى العالمي تشبه نتائج أنتهاء الحرب العالمية الثانية إلى حد بعيد أو أكثر، وحتى أكثر من أثار سقوط جدران برلين وتداعياته وأنتهاء الحرب الباردة، هناك كم هائل من التغيرات الجيوسياسية والجيوأقتصادية العميقة والتي ستولد من رحم هذه التجربة وتعيد صياغة الكثير من المستحقات اللا محسوبة أو التي تفرضها عملية التحول والتغيير شئنا أم لم نشأ فهي وليدة أستحقاق في السيرورة وقانون الزمن.

وسيشهد العالم ولادة مفاهيم أقتصادية وسياسية وأجتماعية أعمق في بنيوية العالم المعاصر، ستتغير نظريات سياسية وفلسفات فكرية وظهور بوادر ما يعرف بعصر ما بعد بعد العولمة حيث تنتهي سطوة القوة العسكرية بوجهها الحالي الإمبريالي والكولونالي وقوة رأس المال الراهن وأبجدياته المادية الصرفة، وسنشهد ولادة عالم نانوي متغير ومتحرك سريع في الأستجابة للمتغيرات الدولية ومتأثر حساس ودقيق لها وبها، مما يعنى أختفاء الكثير من أشكال الحكم والأنظمة السياسية التي تثبت فشلها في إدارة الأزمة الآن كونها لم تكن على أستعداد قبلي ولا تملك الرؤية الأستراتيجية بعيدة المدى، فحركة الجدل التاريخي وعلاقته بقوانين التحول الكبرى لا تتوافق مع أمنياتنا ومشاعرنا المحدودة ولا تتماهى مع تحفظاتنا على ما يجري بعيدا عن أدواتنا وتصوراتنا الذاتية لمحدوديتها وضعفها في التفاعل والأنتاج المعرفي، فهي أي (حركة الجدل التاريخي) تملك قوانينها الخاصة وقوة فعلها وتستمد قدرتها من قوة تلك القوانين وحديتها وتجردها عن الإستجابة لعوامل خارجية لا تنتمي للمحرك الأساس لها.

قد نخشى من تبعات ما يعرف بالجوانب الضارة من العولمة وما نتج عنها من بذور التحول القادم على المستوى الفردي والجمعي وأنتهاك الكثير من المثاليات الأخلاقية وحتى القوانين المادية التي سادت العالم الراهن، نعم هناك ما يعرف (بالعولمة المتوحشة) وهناك نظام عالمي أحادي التوجه والتوجيه ومختل التوازن في فرض ما يريد على الأخر بما خلق من تفاوت في التفاعل بين الصانع والمتلقي، لكن التحول القادم سيكتسح الواقع كاملا بما ستفرضه نتائج التجربة بشقيها النتائج المادية والقوانين الجديدة كحقائق غير قابلة للرفض أو القبول الشخصي لها، المهم ليس هذا الامر المطلوب أو المتقدم بالضرورة حاليا، بقدر ما يهمنا كمفكرين لدينا القدرة على القراءة أن نتعامل مع إشكاليات سنواجهها من ضمن سلسلة تبدأ ولا تنهي مقل كيف يمكننا الآن أن نحدد ملامح الصورة ونتعامل معها على وجه الاستيعاب والتهيؤ والأستعداد؟، هذا هو المطلوب الآن والضروري في حد ذاته كبداية للسلسلة الطويلة من التساؤلات والأفكار الأستشكالية.

وأيضا كيف ستكون شكل ونوعية وماهية العلاقات والقواعد التي سيفرضها واقع ما بعد طوفان كورونا على المجتمع الإنساني ككل؟، وكيف يمكن لنا أن نتجنب الشرار والحرائق التي سوف تشتعل نتيجة أحتكاك عجلات التحرك قبل الانطلاقة الكلية لعالم ما بعد الكورنالية المستجدة؟ ما هو دور الإنسان وخاصة الذي لم يستوعب التجربة السابقة وداعيتها عليه وعلى الواقع حتى لا يخسر مرة أخرى واقع لم يفهمه جيدا، وأسئلة كثيرة أتمنى أن يناقشها المفكرون الأكثر قدرة على الإجابة بما يمتلكون من بعد فكري وعقلي منظم، ولنمنح أنفسنا رؤية مضيئة وواقعية نستطيع أن نساهم من خلالها بجعل العالم أكثر وضوحا بما هو قادم ومتوقع..

أولا وقبل أن نفترض شكل المتغيرات الكونية لا بد لنا أن نقر أن حركة التاريخ بالغالب هي نتائج التجربة ذاتها على أرض الواقع بالمتحقق المادي وليس بشيء أخر، ولا يمكن صناعتها أبتدأ على شكل فرضيات ممكنة وفرضيات غير ممكنة حتى نتحكم بالحركة التاريخية ونطوعها وفقا لما نريد، فحتى الحرب العالمية الأولى والثانية وقبلهما نتائج الثورة الصناعية بما حملت من نتائج إنقلابية ساهمت بسلسلة من التحولات العميقة والجذرية لم يكن المخطط لها الفكر الأفتراضي لوحده، بل جاءت نتيجة لقوة الحركة التي أحدثتها وهنا أستفاد الإنسان من النتائج وسخرها لتكون بداية لسلسلة أخرى من الرؤى والأفكار عمل على تنفيذها بما هو متوافق مه سيرورة الحركة، الشي الوحيد الذي صنعه الإنسان هو فهمه لتلك القوانين وربط بين مقدماتها والنتائج وصاغ منها نظرية التطور والحداثة وبدأ رحلة التغيير والتجديد، فرواد الثورة الصناعية وقادتها وحتى قادة الحربين العالميتين الاولى والثانية لم يكن هدفهما الأساسي صنع عالم جديد بقدر ما كان الهدف منهم جميعا تحقيق الفوز والربح والمكسب مجردا.

ثانيا لم يستطيع الإنسان كفرد أو مجموعة أن يغير من تلك النتائج والقوانين الجديدة أو حتى يتجاوزها بإرادته الخاصة، ولا حتى تجنب من الكثير من أعراضها الجانبية التي أثرت على الواقع المحلي والإقليمي والعالمي لأنها أضحت جزء من الواقع وتعايش معها على أنها واقع حقيقي، مع جانحة الكورونا وقبلها الحربين العالميتين أفرزت ركودا أقتصاديا وتوقف الكثير من جوانب الحياة المادية، وأشتداد مظاهر التنافس السياسي الدولي على السيطرة والتوجيه وأستظهار الصراعات الفوقية بما يتوافق مع الرؤية الأستراتيجية لكل طرف وأهدافها كلها كانت لها أثار مادية حقيقية على العالم، وهذا ما يقودنا إلى أن نبحث عن المخارج عبر إستيعاب الأسباب والعلل والمكنونات ومحركات هذه الأزمة العالمية للإنتقال لمرحلة الما بعد.

ثالثا علينا أن نفهم حقيقة أخرى أن الواقع يتحرك دوما للأمام ولا يمكن حتى التصور بأنه يسير بتخبط أو بتشتت في السيرورة، هذا يقودنا للقبول مسبقا بما سيكون عليه الحال وعلينا فقط التقليل من حدة الخسائر أو الأعراض الجانبية المرافقة للتحول، أيضا من واجبنا كمجتمع وأفراد أن نعمل على صنع أفتراضات أكثر تطلعا مع حسنا بالتنبؤ بما هو قادم على أساس أسوأ الأحتمالات أو الأكثر ثورية في نتائج المرحلة الأنتقالية، بما يعني أنن يجب أن نملك أكثر من تصور تخطيطي مصحوب بجملة من الحلول الأفتراضية التي نتسلح بها لمواجهة الواقع القادم، وهنا أكرر مقولتي السابقة أن حقيقة العالم ستتغير ليس تعبيرا عن فراغ بل توكيدا لحقيقة قادمة لا محال من مشاهدة بداياتها كمقدمات ومعطيات وصورة تقريبية وتركيبية أيضا.

وأخيرا لا بد لنا من القول أن ما نراه الآن من تداعيات وأحداث وصور كارثية على مختلف الصعد هي بداية المخاض وقد تحتاج لزمن لبلورة العالم الجديد بكل ماهياته النوعية والكيفية، وليس بالضرورة أن نصحى فجأة على عالم ما بعد بعد العولمة الكورنالية المستجدة، فالتجربة الإنسانية مع الجدلية التاريخية تكشف لنا عن وجود متواليات ترتيبية في صنع الواقع وصيرورته، والنتائج المرحلية قد لا تكون هي كامل الصورة، فترابط الأحداث وتواليها وتشابكها تحدث بالضرورة وضعيات منظورة وأخرى لا تكتشف إلا في وقت لاحق، حين تتمظهر وتخرج للعلن على أنها أستحقاقات التحول زمانا ومكانا ولكن وفق آليات التدرج بالفعل وقدرته على التغيير.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top