بعد الحظر  في زمن الكورونا .. مواطنون  يتذكرون  حكاياتهم مع  منع التجوال

بعد الحظر في زمن الكورونا .. مواطنون يتذكرون حكاياتهم مع منع التجوال

رحمة حجة

إذا كانت الصورة الذهنية لحظر التجوّل بالنسبة للعراقيين، تستحضر مسلّحاً أو سيارة أو رجل أمن، فإن فيروس كورونا المستجد، بلا وجه، حيث كل شخص تقابله خارج حدود الوقاية الخاصة بك يُعتبر ناقل عدوى محتملاً.

وفي ظل إجراءات وقائية وحظر تجوّل غير مشدد، باعتراف مسؤولين عراقيين، سجلت البلاد ارتفاعاً في عدد الإصابات بفيروس كورونا، اليوم الجمعة، لتصل إلى 193 وحالات الوفاة 14 فيما تشافى 80 من الإصابة، حسب بيان وزارة الصحة.

يقول كريم   إنه عاش ظروف حظر التجوال قبل أربع سنوات (نوفمبر 2016) حين كانت العمليات العسكرية لتحرير الموصل على أطراف المدينة من جهاتها الأربعة.

يروي "أقطن الساحل الأيسر من الموصل، ووقت الحظر التزم جميع المواطنين منازلهم، وأصبحت الشوارع شبه خالية بسبب قرب العمليات العسكرية وانتشار عناصر داعش مدججين بالأسلحة والمتفجرات في شوارع المدينة. كانت العمليات العسكرية بعيدة جداً عن منطقتنا بحكم المسافة الطويلة لقلب الساحل الأيسر".

يتابع "استمر الهدوء في المنطقة إلى أن وصلت القوات العراقية أواخر شهر يناير 2017 واستمر الحظر قرابة شهرين ونصف. وكانت المدينة طيلة فترة سيطرة تنظيم داعش تعتمد على مياه الآبار فقط، لكن بعد حظر التجوال أصبح التوقف عن جلب المياه ضرورة، لأن شخصاً قد يفقد حياته أثناء ذلك بسبب القصف العشوائي بقنابل الهاون".

بالتالي، اعتمد سكان الجانب الأيسر على ما خزنوه لديهم من مياه وغذاء، يقول كريم "اقتصدنا في الاستهلاك من أجل الاستدامة، وكان طعامنا أغلب الوقت الراشي (طحينية) وخبز رقاق (الصاج)" مشيراً إلى انقطاع الكهرباء أيضاً.

وبعين الأمس، يرى كريم اليوم مدينته "شبه خالية بسبب الحذر من انتقال عدوى فيروس كورونا".

يقول كريم "حظر التجول هذا أسهل بكثير مما ذكرته، فهناك فرق بين حجر منزلي داخل غرفة واحدة دون كهرباء وهواتف وإنترنت وماء وطعام بالإضافة للخوف، وبين آخر يتوفر فيه كل ذلك" مشيراً إلى أن نسبة الالتزام بالحظر في الموصل 70%.

يختم حديثه بالقول "في حظر التجوّل زمن داعش كان عدوّنا معلوماً، واليوم في زمن الكورونا، العدوّ مجهول".

رقية  ، عاشت حظر التجوال من قبل سنة 2014 و2015، وكان السبب زيادة التفجيرات الإرهابية قرب منطقتها، خصوصاً في ساحة عدن، وبرأيها "تتحمل جهة مجهولة ذلك، في محاولة لإعادة الطائفية".

تقول  رقية التي تسكن حي الكاظمية في بغداد "كان عمري 12 عاماً حينها، أهلي كانوا يخافون علي جداً، ولم أذهب للمدرسة في أيام عديدة، حيث لا نشعر بالأمان".

ورقية ملتزمة بحظر التجوال اليوم، تقول لـ"ارفع صوتك": "حين نمرض نتعالج وندعو الله للشفاء، لكن حين نُظلَم نُقتَل من دون ذنب أو نرى أحبابنا يُقتلون سنشعر بالألم النفسي والخطر علينا، خصوصاً حين تسمع صوت انفجار أو ترى جنازة باب البيت لأحد جيرانك، وهو ما شهدته، فنموت نحن الأحياء ببطء".

غادر راواز   العراق منذ عام 1998، ويعيش الآن في هولندا مع زوجته وطفليه (4 و6) أعوام، يذكرّه حظر التجوال اليوم بمرات عديدة عاشها تحته، ولكن في مسقط رأسه.

 

يقول  "ثمانینيات القرن الماضي تعنی لي أیاماً سوداء وتركت في نفسي حزناً عميقاً بكل ما تعنيه الكلمة. نشأت في عائلة کردیة معارضة لنظام صدام حسين وحزب البعث، وأثناء منع التجول في السليمانية، كانت قوات الأمن التابعة للنظام تبحث عن المعارضین لها، لذا ارتبط هذا الأمر في ذاكرتي بالاعتقالات، والإهانة والذل والخوف وهدم البيوت".

يتابع "كان نصف عائلتي هارباً خارج العراق أو يتمركز في الجبال مع غيرهم من المعارضين للنظام، وقلّة بقيت في السلیمانیة تعمل ضمن تعمل مع تنظیمات سریة. لذلك کنتُ دائم الخوف من حظر التجول".

ويتذكر راواز حادثتين من تلك الفترة "الأولى عندما کان خالي مختبئاً ونجی بأعجوبة من قوات النظام، كنت مذعوراً جداً إذ بمجرد القبض عليه كان سيُقتَل، والثانیة التی ما زالت تؤلمنی کثیراً هدم بیت جارنا، حيث كان يؤوي هاربین من الخدمة العسکریة، كان من الصعب حينها رؤية أصدقائي وقد أصبحوا بلا مأوى".

وفي مرحلة لاحقة، بعد غزو الكويت 1990 "عانى العراقيون من انقطاع الکهرباء ونقص المواد الأساسية، حينها كان عمري 13 سنة، وأغلقت المدارس والجمیع یعیش حالة رعب شدید" يصف راواز.

وعن الفرق بين الأمس واليوم، يقول راواز "حين أقارن بین الحجر الصحي الآن ومنع التجوال الأمني ینتابني شعوران متناقضان، الأول حزن شدید علی الأیام الصعبة التي عشتها مع عائلتي وما تبعها من فقد الأحبّة، والثاني فرح واطمئنان وأمان، لأنني أعيش في ظل حكومة ستفعل المستحيل من أجلي".

وعلى الرغم من قساوة التجربة التي عاشها طفلاً، تعلّم منها راواز أن يصبح "أقوی فی مجابهة الصعوبات" مضيفاً "كنّا نعلم العدو من الصدیق و نعرف کیف نختبئ لكن الآن لا يمكن محاربة الكورونا إلا بالوقاية".

ويرى ضرورة الالتزام اليوم بحظر التجوال، قائلاً "أصحاب العمائم للأسف شكلّوا دولة داخل دولة، ويدعون الناس لكسر الحظر، لكن الأفضل للعراقيين تغليب المنطق الطبي على الخرافة حتى يسلموا من الإصابة بفيروس كورونا".

على الرغم من التجربة الصعبة التي عاشها في مرات عديدة خلال حظر التجوّل داخل العراق، وجد علي في تكراره لأسباب صحيّة الآن نوعاً من النوستالجيا، حيث أخذته بعيداً عن مكان إقامته في السّويد إلى حيّه القديم في بغداد، وتذكّر التعاون بين الأهالي في أزمات مشابهة.

يقول علي  الذي يعمل طبيباً "مرّ الحظر بمراحل عديدة في العراق، أبرزها بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 وتفجير سامرّاء (22 شباط  2006، استهدف مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري) والحرب الأهلية (الطائفية) إلى حظر تجوّل يوم الجمعة".

ويروي "كنتُ طفلاً عمره 12 سنة حين انقلبت حياتنا فجأة بعد عام 2003، حيث أصبح الخروج بعد الثامنة مساءً من المستحيلات تحت حظر التجوّل، وامتدّ الأمر لثلاث سنوات، لكنني كنت محظوظاً بعائلة حرصت على توعيتنا بأسباب تغيّر الأوضاع".

ويتابع: "حظر التجوال في بلد كالعراق لسبب أمني كان مصحوباً برهبة وخوف، ودائماً كنت شديد الانتباه من سيارة تقترب منّي إذ أخاف أن يقتل من بداخلها أحد أقربائي أو يخطفني، وبالفعل تعرضت لمحاولة خطف، صرتُ بعدها على استعداد للركض أو الاختباء".

يقول "في السويد لم يعلنوا حظر تجوّل بقدر ما طالبوا الناس بالتزام البيوت، ومع هذا فرغت الشوارع ما جعلني أتذكر شعوري في العراق، لكنّه الآن حرص أكثر منه رهبة، ربما أرى أن خطر الفيروس أقل بكثير ممما عشته بسبب الحرب الأهلية".

واستفاد علي من تجربته السابقة في العراق، يقول "ما زلت محافظاً على هدوئي، ولاحظت هذا الشيء حين رأيت السويديين والبولنديين (زرت بولندا قبل أيام) يهجمون على أدوات التنظيف وورق المرحاض، وأضحكني المشهد بسبب جهل عامة الناس بالمواد التي يحتاجونها إذا حلّت الأزمة".

تروي سرى سالم تجربتها مع حظر التجوّل بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق 20 آذار 2003، تقول "كنت في السادسة عشر من عمري، ولم نذهب للمدرسة مدة 20 يوماً".

في تلك الأيام لم يكن من الواضح ماذا سيحدث، هل ستؤجل السنة الدراسية، هل سيُسجل جميع الطلبة في قوائم الراسبين؟ ماذا سيحدث للنظام الحاكم؟ وإجابة على هذه الأسئلة وغيرها كان رد والدي سرى "استمرّوا في الدراسة البيتية، فهذه الحرب لن تستمر، وستعود الحياة لمجراها سواء مع صدّام كرئيس أو برئيس آخر".

"وبالفعل، عدنا إلى المدارس بعد انتهاء الحرب بأيام قليلة" تقول سُرى، مضيفة "لم تنقطع المياه لكننا طيلة 20 يوماً كنّا بلا كهرباء فاستخدمنا الفانوس النفطيّ، فيما لم نعان نقصاً من الغذاء لأننا كنّا قد خزنّا مواد غذائية تحسباً للحرب المحتملة قبل وقوعها".

أما حظر التجوّل الأِد، حسب سرى، فكان بين عامي 2006 و2007 بداية الحرب الطائفية وظهور تنظيم القاعدة، ، حيث لم تستطع القيادة فرض السيطرة الأمنية على البلاد.

تقول سرى "أطلق خريجو العام الدراسي 2006-2007 في كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، اسم (حظر التجول Curfew) على دفعتهم".

أما حظر التجوّل "في زمن الكورونا" ألزمها البيت مرة أخرى، لكن هذه المرة "لا توقع بانقطاع الكهرباء ولم تحدث أزمة على الموارد الغذائية كون محال الخضار أبقيت مفتوحة".

وسرى  تقول "تؤلمني رية الكثير من أهالي بغداد ومحافظات أخرى غير ملتزمين بحظر التجوّل، فهو اليوم واجب إنساني، والتزامه يحافظ على حياة شخص ما على الأقل".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top