أزمة كورونا: هزيمة الآيديولوجيا والعولمة أمام الحياة

آراء وأفكار 2020/03/29 06:01:15 م

أزمة كورونا: هزيمة الآيديولوجيا والعولمة أمام الحياة

 د. حسين الهنداوي

كثر خلال الأيام الأخيرة، في الغرب والشرق على حد سواء، المفكرون والصحفيون الذين حاولوا استقراء مستقبل الإنسانية على ضوء صدمة وباء كورونا ومترتبات اخطاره، بين من رأى فيه 11 أيلول من نوع آخر او الغستابو او داعش دلالة على القتل الجماعي المباغت للبشر،

وبين من اعتبره اعلانا عن حرب عالمية حقيقية، حرب على الصحة والحياة، يشنها عدو شبحي مجهول وخطير نظرا للإجراءات الاستثنائية غير المسبوقة التي اعتمدتها كبريات دول العالم لمحاربة الفيروس من حظر تجوال ومنع تجمع اكثر من اثنين من العائلة وفي أوقات محددة وتأجيل الدراسة وارتداء الكمامات والاقنعة وحتى نزول الجيش الى الشوارع، بل تحدث البعض حتى عن "حرب أهلية" كما تخيلها الفيلسوف الإيطالي جورجيو اغامبن الذي تحدث عن عدو من الداخل، ينفذ من بين اصابع اليد ولعاب الفم وبؤبؤ العين وليس من خارج الحدود.

امام ذلك تقف الآيديولوجيات مهزومة وعارية جميعا وكأنما الى الابد ما دام الهدف الوحيد للدول والحكومات والبشرية، لم يعد الا إنقاذ حياة الإنسان بأبسط معانيها الى حد التضحية حتى بمكاسب المدنية الحديثة. وهي هزيمة بل فضيحة كبرى للأمم المتحدة ولكل الدول الكبرى التي استعد بعضها لحرب النجوم وفشل في توفير الامصال والمستشفيات، والتي تقف مترهلة وشمطاء دون ان ينفعها بشيء "حق" الفيتو الذي تملكه، من دون حق، في مجلس الامن الدولي، وللدول الإقليمية كافة التي غدت تجر اذيال الهزيمة بينما الصدام ضد الكورونا لم يحصل بعد.

فالفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي ندد بـانعدام كفاءة القادة الأوروبيين واستهتارهم في مواجهة التفشي الخطير لكورونا؛ معتبراً أن أوروبا أضحت بمثابة "العالم الثالث الجديد" تماما كما ان سقوط الاتحاد السوفياتي كشف بقوة أن الإمبراطورية الشيوعية السابقة كانت قد دخلت في الوهم لأكثر من نصف قرن من الزمان قبل ان يكتشف العالم بانها لم تكن الا نمرا من ورق. نمر من ورق أيضا في رأينا الإمبراطورية الامريكية والنموذج الشيوعي الصيني ونموذج الإسلام السياسي بكل نسخه كما تكشف عن ذلك بقوة كورونا اليوم التي تعلن أيضا انهيار ما يعرف بـ"الحضارة اليهودية- المسيحية" والثقافات التوتاليتارية والتيوقراطية الدينية وفشلها الى الابد جميعا.

بيد ان البؤس يكلل بأعلى درجاته أيضا رؤوس من نسميهم بـ "طباخي الآيديولوجيات الرأسمالية الجديدة" كبرنارد هنري ليفي وفرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون وسواهم من منظّري الخرائب المبشرين بالنظام النيوليبرالي، وهو نفس صنف الدعاة الذي انتمى له في الماضي بالضرورة كافة "منظري" الدكتاتوريات التوتاليتارية وكل بطريقته ممن جعل العوامل العرقية والدينية والثقافية تحلّ مكان العوامل الاقتصادية والسياسية كعناصر أساسية في هويّة الشعوب والبشر..

لسنا مقبلين على حرب لها مقومات ثقافية او دينية او جغرافية كما توقع هنتنغتون وتمنى معظم المتعصبين من كافة الاديان والامم. ولسنا مقبلين على انتظار قيام النظام العالمي الجديد الذي دعا له جورج بوش وبشر به فوكوياما ودفنوه في ليلة ليلاء، كما لن يكون هناك احتراب بين الحضارات لأن هذه بطبيعتها الجوهرية تتوارث وتتكامل غير آبهة بالعرق والجنس واللون والجغرافيا وهلوسات الآيديولوجيا والأصوليات العقيمة، دون اغفال ان هناك، داخل كل حضارة على حدة، وداخل كل الحضارات معا، صدام بين عقليات عصابية ومتعصبة وأخرى عقلانية متفتحة وهو ما حاول هنتنغتون قسرا منحه بعدا مطلقا. واقصد به الصدام التذابحي احيانا بين العقلية الايمانية السلفية التي تنجب التطرف وبالتالي الدكتاتورية ونقع ضحيتها دائما، وبين العقلية المنطقية التي تطمح الى الديمقراطية والتسامح وان بتجريد واخطاء كبيرة.

لقد كان بمستطاع الآيديولوجيين الزعم بموت الفلسفة او حصر اهتمامها بالمسائل الميتافيزيقية العقيمة وحدها. لكننا نعتقد ان هذا الزعم تهاوى بعد محنة كورونا التي اقامت الدليل القاطع على حاجتنا المتزايدة للتفكير الفلسفي أي الى صوت الحكمة الكامن في الإنسان بما هو كذلك وليس في هذا او ذاك منه.

وتظل النقطة الأهم التي يلتقي حولها المفكرون والفلاسفة الآن هي هزال نظام العولمة السياسي والاقتصادي الليبرالي أو النيوليبرالي وانفضاح آفاته واخطاره. وهو ما توقعه الكاتب الفرنسي جاك أتالي، والمقترن ببروز نظم سلطة جديدة قائمة على الرقابة وبشكل أكثر فعالية باستعمال تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، فيما يرى غيره أن كورونا غير موجود بشكل مستقل عن الاقتصاد، لا سيما في اقتصاد العولمة، التي جعلت الطريقة الليبرالية في الربح الأفق الذي لا يمكن تجاوزه في جميع السياسات. اما المفكر الفرنسي ادغار موران فيرى ان الدرس الرئيس الذي يمكن استخلاصه من كورونا، هو ان هذه الأزمة تبين أن "العولمة هي الاعتماد المتبادل من دون تضامن، وانها أنتجت بالتأكيد التوحيد التقني والاقتصادي للكوكب الارضي، لكنها لم تعزز التفاهم بين الشعوب. منذ بداية العولمة في التسعينيات، اشتعلت الحروب والأزمات المالية. وقد خلقت مخاطر الكواكب -البيئة والأسلحة النووية والاقتصاد غير المنظم- مصيرًا مشتركًا للبشر، لكن البشر لم يدركوا ذلك" مشيرا الى أن "فيروس كورونا يخبرنا بقوة أن البشرية كلها يجب أن تبحث عن مسار جديد يتخلى عن العقيدة النيوليبرالية من أجل سياسة مضادة للأزمة الاجتماعية والبيئية.

مارسيل غوشيه يقول من جانبه: لا يمكن لأحد أن يتنبأ بحجم حدث كورونا، لكن الصدمة الفكرية والآيديولوجية كبيرة. فلقد ماتت العولمة الليبرالية القائمة على مبدأ "التجارة المرنة" وعفا عليها الزمن كحل لجميع المشاكل فيما الحاجة إلى التفكير الستراتيجي تفرض نفسها على نطاق المجتمعات الجديدة. نحن بحاجة إلى نموذج سياسي جديد وهو ما ينبغي ابراز أهمية هذه التحولات وإبراز ان التاريخ بيّن باستمرار أن انتشار الأوبئة الفتاكة والنكبات العالمية كان دائماً تمهيداً لاندثار شرعيات قديمة وقيام شرعيات جديدة مقامها على أساس القدرة على حماية البشر من الموت بعد ان تكون القوى المهيمنة قد اثبتت عجزها في ذلك.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top