نافذة من موسكو..فيروس كورونا كعامل لنشوء نظام دولي جديد

فالح الحمراني 2020/04/05 06:50:28 م

نافذة من موسكو..فيروس كورونا كعامل لنشوء نظام دولي جديد

 د. فالح الحمـراني

في الأشهر الأربعة التي مرت منذ بدء جائحة فيروس كورونا، يبدو أن الجميع تحدثوا عن الموضوع: خبراء وهواة، وسياسيون ورجال أعمال، ولاعبو كرة قدم وهوكي، ومجموعة السبعة الكبار ومجموعة العشرين، والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي. و لكن ما يلفت هو الصمت الغامض والعنيد لمجلس الأمن الذي يتحمل المسؤولية الأساسية عن صون السلم والأمن الدوليين.

تقول التفسيرات الرسمية، إن مجلس الأمن يتعامل مع القضايا الأمنية، والأوبئة ضمن اختصاص منظمة الصحة العالمية. وهذا الـتأويل غير مقنع للغاية. فمن الواضح ان هناك صلة واضحة بين انتشار الفيروس الفتاك والخطر المخيم على الأمن الدولي. بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية، فإن وضعها وقدراتها وسلطاتها لا يمكن مقارنتها ببساطة بوضع مجلس الأمن وقدراته وسلطاته.

وتجدر الإشارة الى أن مجلس الأمن لديه خبرة تاريخية بالمشاركة في مكافحة الأمراض الخطيرة، بما في ذلك القرار 1308 بشأن الإيدز، الذي اتخذه مجلس الأمن قبل عشرين عاما، أو القرار 2177 بشأن وباء إيبولا، الذي تمت الموافقة عليه قبل ست سنوات. وفي كلتا الحالتين، سمح توافق الآراء على مستوى مجلس الأمن بتعبئة الموارد المالية والإدارية والسياسية التي كان يتعذر الوصول إليها من قبل، وإنشاء صناديق متخصصة وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتحفيز مصارف التنمية العالمية والإقليمية، وتوفير فرص إضافية لنفس منظمة الصحة العالمية وغيرها من هياكل الأمم المتحدة المتخصصة.

ويترك صمت مجلس الأمن انطباعا لدى المرء بأن سببه يكمن في حرب المعلومات الناشبة التي تخوضها واشنطن وبكين اليوم مع بعضهما البعض.

وهذه الحالة مرتبطة بالتطورات الجوهرية التي يمر بها العالم. فالانفتاح يتوازن بشكل متزايد مع التركيز على الأمن الوطني. وباتت الحدود تنطوي على أهمية. واستعادت الدولة مركز الفاعل الرئيس على المسرح العالمي. وغدت التكنولوجيا الرقمية أحدث أدواتها، مما يوفر مستوى غير مسبوق من السيطرة على المجتمعات. و تذهب التناقضات بين الديمقراطية والاستبداد أكثر فأكثر الى الخطوط الخلفية، حيث يتم استبدالها بتفاوت فعالية الحكم ونوعيته. وتتم موازنة حقوق المواطنين بمسؤولياتهم، حيث يجري ضمان تنفيذها من خلال فرض نظام مراقبة شامل عليهم. وأنجح الدول هي تلك التي يكون فيها مستوى التضامن الاجتماعي والمسؤولية المتبادلة للنخب والمجتمعات الحاكمة بمستوى أعلى. وفي الحقيقة لم يتم إلغاء التعاون الدولي، لكنه في المقام الأول تعاون بين دول.

إن تنافس القوى العظمى في ظل التطورات الجارية لا يضعف، بل يتفاقم. وهذا في المقام الأول، كما جرت الإشارة إليه، الصراع بين الولايات المتحدة والصين. وتَعِد المعركة بينهما أن تكون طويلة وشاقة، ولكن يمكن افتراض أن أمريكا لن تهزم الصين في النهاية، بيد أن، الصين بدورها لن تحل محل الولايات المتحدة.

لقد وضعت جائحة فايروس كورونا في كلا البلدين أنظمتهما الصحية وأنظمتهما السياسية تحت محِك جاد. وارتكب كلا البلدين أخطاء في البداية، ويرجع ذلك أساسًا إلى خصائص البيروقراطية، ولكن بعد ذلك بدآ في مكافحة انتشار الفايروس الفتاك بشكل حاسم. واستطاعت الصين، التي تعرضت للكارثة في وقت سابق، السيطرة على الوضع، فيما أن أمريكا، التي أصبحت بؤرة جديدة للأزمة، لم تفلح بعد في السيطرة على الوضع.

ويمكن القول إن النتيجة الأولى هي أن الولايات المتحدة على الرغم من إمكاناتها الهائلة، لا تبدو كمثال يُحتذى به لبقية العالم في تنظيم الرعاية الصحية والنظام العام. علاوة على ذلك، وتحت شعار "أمريكا أولا" تخلت واشنطن عن ريادتها في الحملة الدولية لمساعدة الدول الأكثر تضررا من الفيروس. وعلى العكس من ذلك، أثبتت الصين قدرتها على التنظيم والتنظيم الذاتي داخل البلاد وتحاول القيام بدور منقذ البشرية.

ووجه الوباء ضربة جديدة لوحدة الاتحاد الأوروبي، التي قوضتها بالفعل الخلافات حول الهجرة والتمويل. إن الاتحاد الأوروبي لن ينهار، بل سيكسب أعضاءً جدد – بالفعل بدأت أثناء الأزمة، عملية انضمام ألبانيا ومقدونيا الشمالية إلى الاتحاد، لكنه سيبدو أكثر فأكثر وكأنه دولة اتحادية، بدلاً من هيكل ما فوق وطني. إن دور بروكسل سينخفض، وسيزداد دور الدول الأعضاء، وخاصة الدول الكبرى. على العكس، سوف تستمر المسافة بين أوروبا وأمريكا، المغلقة أكثر فأكثر بسبب مشاكلها الخاصة، في الازدياد.

لقد صمدت حكومات ومجتمعات شرقي آسيا في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، في سياق ضغط الجائحة، وتصاعد التناقضات بين الولايات المتحدة والصين، ويمكن أن تصبح المصلحة الوطنية والتضامن العام الأساس، واعتماد سياسة مستقلة اكثر لهؤلاء اللاعبين.

ومن الصعب تحديد آثار هذا الوباء على الهند. إن الإجراءات الحاسمة التي اتخذها رئيس الوزراء مودي، إذا نجحت وساعدت في الحد من انتشار الفيروس في البلاد، يمكن أن تسرع في تحول النظام السياسي الهندي نحو إنشاء سلطة مركزية أقوى على أساس الأغلبية الهندوسية وسياسة دلهي الخارجية الأكثر نشاطًا.

وبالنسبة لروسيا، حيث لا تستند شرعية السلطة تقليديًا على الاستفتاءات والانتخابات والدساتير، ولكن على غالبية السكان الذين يقيمون إجراءات محددة للقيادة والمسؤولين المرؤوسين، فقد يكون COVID-19 عاملاً حاسمًا في تقرير مسألة السلطة - تكوينها الشخصي ومضمون سياستها.

وفي العديد من مناقشات اليوم حول تأثير فايروس كورونا، تبدو الفكرة القائلة بان تداعياته المدمرة قد تنطوي أيضًا على ما يمكن تسميته بالتدمير الخلاق. فكل أزمة تصفي القديم وتمهد الطريق للجديد وتمهد الطريق لتضامن وتعاون الناس.

ومن المفترض أنه ونتيجة لوقف أشكال الأنشطة التقليدية (السفر، والاتصالات الشخصية، والتجمعات بأعداد كبيرة من الناس - من الصلوات والحفلات الموسيقية إلى الاجتماعات والمظاهرات السياسية وما شابه ذلك)، ستتطور أشكال التفاعل عبر الإنترنت دون اتصالات شخصية مباشرة بين الأشخاص. وسيؤثر هذا التطور على جميع مجالات الحياة. سوف ينتقل التعليم والتجارة والعلوم والطب إلى حد كبير إلى مساحة افتراضية جديدة. وهذا سيدفع إلى استحداث تقنيات جديدة، وفلسفة وأخلاقيات وعمل جديدة، وستتشكل مبادئ جديدة لممارسة الأعمال التجارية. وستتطور نماذج أعمال جديدة، وستتغير طبيعة استهلاك الموارد، وأكثر من ذلك بكثير.

من المظاهر الأخرى للدمار البناء، سيتثمل كما يرى البعض بتعزيز تعميق التضامن الإنساني. انطلاقا من الاعتقاد بأن الأوقات العصيبة تعمل على الكشف عن أفضل الصفات الإنسانية. وبشكل عام، تجري الإشارة الى ان أي نموذج للنظام العالمي (وهذا هو واحد من أعلى أشكال التعاون البشري) كان نتيجة أزمات كبيرة، عادة الحروب. ومن المفترض أن يُنظر إلى فيروس كورونا بهذا المعنى على أنه بديل للحرب العالمية الثالثة، كنوع من التلقيح للخوف المطلوب لتطوير أوامر عالمية جديدة.

وبالتالي، بدأ يُنظر إلى جائحة فايروس كورونا على أنها شكل من المحفزات لتهدئة مخاوف الناس الغامضة من المستقبل من خلال تركيزهم على مشكلة واحدة عامة شائعة. لذلك، يُفترض أنه بعد تلاشي آثار فايروس، سيكون من الأسهل على الناس إعادة تنظيم التسيير الذاتي الدولي والنظام العالمي. ويبدو أن الوقت قد حان. وعلى الرغم من ان البعض يلفت الى السعر المكلف لذلك، لكنه ليس مفرطا. ولكن وجهة النظر المتفائلة التي تم التعبير عنها أعلاه هي، أولاً، مجرد فرضية، وثانياً، هناك أيضا مقاربة متشائمة للتداعيات المقبلة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top