عالم مابعد كورونا : تصورات، تداعيات وآفاق، ولكن، أين العراق منها؟؟

آراء وأفكار 2020/04/07 06:11:17 م

 عالم مابعد كورونا : تصورات، تداعيات وآفاق، ولكن، أين العراق منها؟؟

 د. أحمد عبدالرزاق شكارة

أين العراق من عالم مابعد كورونا؟ "مابعده ليس كما قبله" موضوع مقال لجريدة الوول ستريت Wall Street لهنري كيسنغر مسشار الامن القومي ووزير الخارجية الامريكي المحنك الاسبق.

الصحيح بدءا ليس بالامكان في عالم مابعد كورونا الخروج بمعادلة نهائية متوازنة ثابتة تعطي للبشرية التي تجاوز عدد سكانها الـ7 إلى 8 بلايين نسمة شعورا آمنا، استقرارا منتجا للرخاء او للاسترخاء وللرفاهية خاصة وأن حالات عدم التيقن بصورة المستقبل القادم للعراق وللكثير من دول العالم ليست واضحة بدرجة تكفي للتنبؤ السليم بمستقبل واعد ذا تحديات كثيرة غير محددة بشكل دقيق ولكن المهم هو توفر الارادة السياسية للتغيير بالتوازي مع الامكانات الاساسية للعلاج ضمن خطة شاملة جيوسياسيا لاحتواء الجائحة تعد الامر المطلوب والعاجل أخذا بالاعتبار دروس الماضي من كوارث حدثت كل قرن تقريبا مؤدية بحياة الملايين او الآلاف.

الشيء الذي يتفق عليه الكثير أن العولمة وظاهرة الاعتماد المتبادل في نهاية السبعينيات مرورا بعقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات قد استمرت معنا حتى بداية كانون الأول/يناير 2019 ولكنها لم تعد مجدية بدرجة كافية حيث ومع اول بوادر انتشار كورونا (كوفيد -19) يواجه النظام العالمي مابعد الحرب العالمية الثانية حربا عالمية ثالثة آخر تداعياتها منذ بداية 2020 (كورونا كوفيد -19) . كارثة إنسانية عصفت بأركان وقواعد واسس وترتيبات ونظم إقتصادية رأسمالية جديدة أو غيرها في طبيعتها ومعطياتها سبق أن هندستها ونفذت تفصيلاتها الحيوية الولايات المتحدة ، اليابان وقوى الغرب الاساسية . من منظور مقابل لعبت الصين –ثاني اقتصاد عالمي- من خلال دبلوماسيتها الناعمة جيوسياسيا - اقتصاديا متمثلة بطريق الحرير دورا حيويا داينميا موازيا بل ومنافسا قويا للحراك الامريكي والروسي والاوروبي ولكنه بصورة من الصور يعد أكثر اتساعا وفاعلية في المفهوم والنهج الليبرالي الحر إقتصاديا إلا أنه أحادي في مضمونه وشكله السياسي حيث وضع مصلحة الصين الوطنية اولا تماما كما وضع بالتناسق وبالتضاد مصالح القوى الاخرى في شكلها البراغماتي – العملي .الاولوية تتجه لطريق حرير صحي جديد أكثر منها الهيمنة الجيوسياسية الصينية التي أخذت تدريجيا تنتهز الفرص الملائمة من أجل نيل مساحة اوسع في التحرك الجيوستراتيجي – الاقتصادي . العراق شأنه كبقية الدول التي لم تحسن بعد الاستفادة جيدا من مصادر قوتها المادية والاقتصادية (نفط ،غاز طبيعي وبتروكيميائيات وموازنات كانت تعد إنفجارية سابقا) في تعزيز قوتها السيادية الوطنية في ظل عالم يمر بتحولات درامية جيو-استراتيجية . ظرف كورونا القاهر قدم لنا صورة اخرى من الضعف العالمي ترتبط بهشاشة أجزاء مهمة من النظام الامني - الصحي العالمي ومن ورائه النظم السياسية – الاقتصادية والاجتماعية ليس فقط في العراق بل في دول متقدمة على رأسها الولايات المتحدة الامريكية والصين ودول الاتحاد الاوروبي والمملكة المتحدة وأخرى سائرة بطريق النمو سابقة للعراق كثيرا في درجة تطوره. 

من منظور مكمل يمكننا أن نرجع نظام التجارة الحرة إلى منتصف القرن التاسع عشر تقريبا إذ ومن خلال منظور المنظر الايديولوجي المحافظ من الطائفة الانجيلية ريتشارد كوبدن Evangelist Richard Cobden نجد فكرته الرائجة لنظام السوق الحرة قد تبلورت مبكرا في خطاب جماهيري القي في قاعة التجارة الحرة في مانجستر في الـ15 من كانون الأول/يناير 1846: "ارى مبدأ التجارة الحرة القائم على اسس اخلاقية سيكون بمثابة مبدأ – مماثل- للجاذبية الكونية – من إختراع نيوتن- جامعا الرجال (الناس) معا وطاردا بقوة كراهية العنصر ، المعتقد واللغة متجها لتوحيدنا على مبدأ –السلام الدائم". بينما Patrick J. Buchanan باتريك بوكنن حدد من جهته طبيعة مرحلتي ماقبل وما بعد تسنم رونالد ترامب السلطة في الولايات المتحدة الامريكية. إذ في مرحلة الرئيس باراك اوباما اتجهت الامور عموما نحو تجمع الديمقراطيين الليبراليين مع الجمهوريين حول تقبل فكرة استقطاب منظمات نافتا NAFTA (منظمة امريكا الشمالية للتجارة الحرة) والجات GATT (الاتفاق العام للتجارة وللتعرفة الجمركية) و"منظمة التجارة العالمية" World Trade Organisation – WTO" نحو تضامن غربي أمريكي آسيوي التوجه وصل لحدود إضفاء صفة "الامة الاكثر تفضيلا للتجارة على الصين وفقا للمفهوم التالي: "most favoured nation". ما بعد ترامب تراوحت علاقات الولايات المتحدة الامريكية بين شد وجذب اعتمادا على كيفية بلورة وتطبيق مبدأ امريكا اولا من قبل رونالد ترامب الرئيس الامريكي مازجا ما يعرف بالمصلحة الامريكية اولا America First ومسألة الاستفادة الاكبر من ترجمة معادلة التجارة الحرة والانفتاح عالميا من خلال تطبيق مبدأ الصفقات Deal Making "بعدا جيوسياسيا – اقتصاديا متجددا على العلاقات الدولية" . نعم مصلحة الولايات المتحدة اولا ولكنها لابد أن تنتج نهايات وثمار تمكن ترامب- واشنطن من تحديد شكل ومضمون النظام العالمي الجديد مع منافسي واشنطن عالميا وعلى رأسهم الصين، روسيا والاتحاد الاوروبي حيث دخل ترامب معها جميعا وبدرجات متفاوتة مرحلة من نزاعات تجارية ليس فيه من رابح بل الجميع خاسرون.. المسألة إذن لم تعتمد على مجرد الحفاظ على مبدأ ايديولوجي - اقتصادي تطرحه واشنطن أو الصين أو غيرها من القوى الكبرى بقدر ما عد سياسة واقعية Realpolitik براغماتية جيوسياسية-اقتصادية يفترض أن تعطي مساحة معينة مهمة من التعاملات الاقتصادية المتبادلة موفرة في النهاية مكاسب متبادلة للصين وللولايات المتحدة وفقا لمعايير سياسة القوة power politics . برغم ذلك عقب أزمة الحرب التجارية مع الصين ومن ثم أزمة كورونا الخطرة على الجنس البشري يظل التساؤل قائما في بعض الاوساط المحافظة امريكيا حول ما ذا كان مجديا إعطاء الصين مساحة واسعة من حرية إنتاج الوسائل والاجهزة والمواد الطبية والصحية التي تعالج امراض القلب والسكري وامراض تنفسية خطيرة تهدد الصحة العامة للصين؟؟ مساحة تطرق فيها حاليا الصين ابواب دول العالم التي تخسر يوميا الكثير من ابنائها الاعزاء في ظل دبلوماسية ناعمة تحمل قفازات علاج جديد لمواجهة جدية للفيروس القاتل. لامجال إذن للمواربة او للمجاملة مع الصين التي تواجه اليوم بتكلفة تعويضية لسكان العالم تصل اكثر من 350 مليار دولار(رقم ابتدائي). كورونا وضعت الجميع امام مسؤولياتهم الوطنية - الانسانية الدولية في كيفية معالجة تداعيات احتواء الجائحة واولهم الصين ومن ثم الولايات المتحدة والقارة الاوروبية وايران وغيرها. السؤال هل العراق على قدر تحمل مسؤولية التعامل مع هذه المسؤولية للخروج بنا إلى بر الامان؟ الجواب ليس إيجابيا حتى الان نظرا لما نعرفه عن تنامي اعداد الاصابات سجلته وزارة الصحة العراقية والذي تعدى الـ800 إصابة وقد يصل الى الف في الايام القادمة رقم تعتقد وكالة رويتر في تقريرها ليوم الثاني من نيسان/ابريل 2020 انه بناء على معلومات طبية وسياسية يعد اكبر بكثير يصل إلى مابين 3000 و9000. تقول بغداد إن رويتر بالغت كثيرا بإحصاءاتها وبالتالي غرمت مالا وطلب الغاء تصريح عملها علما بأن وكالة رويتر لم تستلم طلب الغاء رسميا بعد. على اية حال سواء أبالغت أو جاوزت فعلا قيم المصداقية فإن ما لايستطيع أحد إنكاره رغم كل الاحتياطات وحظرالتجوال الكامل فإن عدد الاصابات مازال متصاعدا بل إن محافظات العراق في الوسط مثل النجف وكربلاء (مناطق شيعية مقدسة للكثير من سكان العالم) وفي الجنوب مثل البصرة وعددا من محافظات كردستان (السليمانية واربيل) لم تخرج بعد من دائرة الخطر كليا. الامر الذي يستوجب محاسبة المقصرين وبشدة كي يكون الردع عبرة لمن اعتبر. علما بأن الموضوع اعقد جيوسياسيا – إجتماعيا – اقتصاديا ، علميا – تقنيا وثقافيا من ذلك كون العراق يعد جزءا من منظومة الشرق الاوسط التي تعاني كلها تقريبا من صعوبة أداء مؤسساتها المختلفة وعلى رأسها الصحية حيث افتقدت للمهنية العالية، حيث لم تقم حكوماتها المتعاقبة بتقديم رؤية استراتيجية صحية –بيئية عملية يفترض أن تترافق مع مشروعات كبرى للدعم الصحي / البيئي الشافي من بنى تحتية و أجهزة بل ومن تخصيصات مناسبة للعمل على تقييد الوباء ومن ثم القضاء عليه او التخفيف من آثارة الخطيرة نسبيا . لعل من المهم التذكير بأن الكتلة الحرجة من اطبائنا ومختصي القطاع الصحي والبيئي مازالت تعمل في الخارج ولا تود العودة طالما لم تتوفر لها فرص آمنة واقتصادية مناسبة وهو أمر متوقع . أزمة كورونا مع ذلك تضع الجميع امام مسؤولياتهم الاستثنائية بمعنى انه لابد للحكومة ولغيرها من مؤسسات مجتمعية واقتصادية من دول وشركات ومنظمات غير حكومية أن تعمد إلى تشكيل رؤية جيو-صحية – استراتيجية – إقتصادية عملية تصاحب تشكل آليات جذب واستقطاب لأعداد ضخمة جدا من طاقمنا الطبي – الصحي ومن الامكانات المناسبة بسرعة لافتة كي توفر كل التطمينات الممكنة لهم تأمينا لحياتهم ومستقبلهم وظيفيا - اقتصاديا وماليا بصورة مستحقة . لايخفى من منظورمكمل أن الدولة العراقية تصادف اليوم تحديات إقتصادية خطيرة اضعفت من وضعها الاقتصادي – المالي والامني إلى حدود بعيدة خاصة مع إنخفاض اسعار النفط كثيرا (بين 22- 35 دولارا للبرميل الواحد) والنفط كما نعرف يشكل 95% من قيمة الناتج القومي الاجمالي . والامر يرجع ايضا لاستمرار تكتلات الفساد السياسي- الاقتصادي الحكومي متجذرا في مؤسسات الدولة ما اضعفها واضعف العراق بالتبعية .

إنطلاقا مما تقدم لابد من إقامة علائق مجدية جديدة على اسس متبادلة تلبي مصالح إنسانية متبادلة بعيدا عن نظرات ورؤى ضيقة الافق تحسب حسابات الربح والخسارة للطبقة السياسية بعيدا عن حسابات شعوبها.. المتطلب المسبق الدخول في عصر الاقتصاد الرقمي – المعرفي- التقني من جهة هو تنويع الاقتصادات إضافة لتنميتها في قطاعاتها الاصيلة والحيوية من زراعة وصناعة وخدمات بشكل يفي بحاجة شعوبها للاكتفاء الذاتي في المستلزمات المتنوعة من غذاء – ماء- بيئة خضراء وطاقة متجددة وبكل انواعها السلمية.. عالمنا الجديد يمكن أن يوفر فرصا افضل للتضامن الانساني – العالمي دون شروط محبطة مسبقة في كيفية تأسيس التحالفات وإدامتها. أزمة كورونا الخطيرة إذن وضعت امامنا خطوطا حمراء لكيفية مجابهة تحديات خطر فيروس صغير ولكنه غاية في التدمير مايجعل المسؤولية الدولية كبرى لكل مراكز صنع القرار العالمي الجديد دولا وغير دول ضمن البعد الشامل الجيو- إنساني بعيدا عن المعالجات الجزئية – الفئوية –الطبقية المصلحية ضيقة الافق نهجا ومنهجا. لامجال لنظرية المؤامرة اليوم في منهج التعاملات المستقبلية للدول أو للمؤسسات وللجماعات من غير الدول وإنما ضرورة اعتماد منهج علمي جديد للتغير الايجابي الجماعي وإعادة هيكلة مؤسسات النظام العالمي الجديد، عالم يتبنى طرقا محببة، مشجعة ومبتكرة في كيفية الخروج من أزمة بقاء خطيرة للجنس البشري برمته إلى آفاق السعادة المستقبلية ومن حالة الفوضى إلى حالة البناء الآمن المزدهر. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top