وداعاً.. رفعة الجادرحي!

وداعاً.. رفعة الجادرحي!

د. خالد السلطاني - معمار وأكاديمي

توفي بلندن في العاشر من نيسان الحالي المعمار العراقي الشهير "رفعة الجادرجي" (1926 – 2020) عن عمر ناهز 94 عاماً .

ويعتبر الجادرجي احد اهم المعماريين العرب الحداثيين، وهو اضافة لمنجزه المعماري المرموق الذي اضاف الكثير الى كنوز المشهد المعماري المحلي والاقليمي فانه ايضا منظر مهم في الشأن المعماري والثقافي. وله كتب عديدة الفها ضمن مسيرته المهنية الحافلة بالانجازات.
ولد "رفعة كامل رفعة الجادرجي" في 6 كانون الاول (ديسمبر) 1926 في بغداد / العراق. ودرس العمارة في مدرسة العمارة والحرف في "هامرسميث" بانكلترة ما بين 1946 -1952. مارس العمارة بالعراق، حالما انهى تعليمه المعماري منذ ايلول 1952 ولغاية 1978، عندما اودع التوقيف في دائرة المخابرات العامة ببغداد ابان الحكم الديكتاتوري الشمولي السابق . اسس مع عبد الله احسان كامل واحسان شيرزاد مكتب "الاستشاري العراقي" في عام 1953. كما شغل مناصب ادارية في الدولة العراقية بفترات زمنية متعددة. التحق بجامعة هارفرد سنة 1982 لاجراء بحوث في التنظير المعماري، كما انضم الى معهد "ام. اي. تي" بامريكا و"يونفرستي كولج" بلندن / انكلترة. حائز على جائزة الاغا خان "جائزة الرئيس" سنة 1986، كما حاز على جائزة زايد للكتاب عام 2008. حاز على جائزة "تميز للانجاز المعماري مدى الحياة" من جائزة "تميز للعمارة" في بداية عام 1915. منح شهادة دكتوراه فخرية من "جامعة كوفنتري" البريطانية في اكتوبر 2015. كما الف عدة كتب تتعاطى مع الشأن المعماري والانثروبولوجي، مارس التصوير الفوتوغرافي واجرى مسحا تصويريا للعمارة والتطور الاجتماعي بالعراق وفي بعض الدول العربية.
في احدى دراساتي العديدة الى كتبتها بحق هذا المعمار المتنور، اشرت، مرة، الى بعض محطات الجادرجي، التي توقف عندها الجادرجي وأثمر ذلك التوقف، او المراجعة عن انطلاقات جديدة، مهدت في تخليق تنويعات اسلوبية، ادت في النهاية لظهور تصاميم معبرة ذات لغة معمارية مميزة، او ذكر احداث لظهور كتب مؤلفة من قبله، ساهمت في القاء الضوء على نوعية المنتج المعماري العام او الخاص به، أو اثارت قضايا مهنية معينة اغنت بمحتواها ومضامينها الممارسة التصميمية في بلادنا وفي بلدان الاقليم الذي ننتمي اليه. وقد لفت نظري الى بعض الاحداث الخاصة والقضايا المهنة التى تعاطى معها المعمار الجادرجي، وكيفية تناولها من وجهة نظر المصمم، وهي اشكالية مهمة جدا لجهة "الاصغاء" الى قول المعمار، وهو يحاول ان يرينا كيفية الوصول والبحث عن مرجعيات اساليبه المعمارية التى ابدعت تلك العمارة الفريدة، والمميزة جدا، هي التى وسمت مقاربته المعمارية بطابع خاص.
ففي احد كتبه الصادرة في الثمانينيات يضع الجادرجي صوراً لمنابع الالهام، مستلة من الخزين التاريخي للعمارة في منطقتنا، ويضع الى جنبها صور تصاميمه المعمارية. وكلتا الصورتين (او الصور) المنشورة في الكتاب وهما: الصورة الملهمة، والصورة المصممة من قبله شخصياً يتركهما للقارئ لمعاينتهما، لكن بدون اي تعليق، عدا بعض المعلومات التوثيقية المقتضبة عنهما كالاسم، ومكان الموقع وذكر التاريخ الخ. وتعد هذه المقاربة، التي تلمح الى ردّ التصميم المنجز الى مرجعية محددة، مقاربة نادرة في التأليف المعماري. اذ، ان النقاد المهنيين، في العادة، هم الذين يشيرون الى مصادر التصاميم المعدة من قبل المعماريين في سعيهم وراء اضاءة المنتج المعماري وقراءته نقدياً. الا ان الامر يبدو غير مألوف، عندما يحدد المعمار نفسه ويربط نتاجه المعماري بتصاميم سابقة معروفة، ويجعل منها مصدراً للإيحاء، كما فعل الجادرجي في كتابه آنف الذكر، فهذا هو الامر المستجد وغير المسبوق الذي يمثله مضمون الكتاب اياه.
يثير الجادرجي في الكثير من مؤلفاته، اشكالية مهنية هامة، وهي كيف يمكن ان تكون عمارتنا منتمية الى مكانها، في الوقت الذي يمكن ان تكون لغتها التصميمية منسجمة مع السياق العام للغة العمارة المعاصرة. فتجاهل هذه الاشكالية او عدم الاكتراث بها يضع العملية التصميمية الشخصية خارج النجاحات التى احرزتها العمارة العالمية، وبالتالي ينعكس سلباً على المنتج المعماري الشخصي. مرة كتب الجادرجي ما يلي: "... هل بمقدور العولمة في العمارة، ان تكون متسقة مع الاقليمية في اي شكل من الاشكال؟ وهل الاقليمية تقدم حلا مناسباً؟ هل باستطاعة انتاج عمارة متميزة في عصر عندما يكون الاسلوب المهيمن للإنتاج هو انتاج الآلة، والذي في طبيعته متلازم مع النزعات العالمية والكونية. بكلمات اخرى، هل يمكن للإقليمية بصفتها مصدراً للإيحاء والالهام ان تتعارض مع منطق عملية الانتاج، في زمن يكون الاسلوب السائد للإنتاج مشغولا بواسطة الآلة؟ بل، هل بمقدور هذا الأسلوب ان يوفر نسقا لصيغة ما يعرف بالجمالية الآلية؟"، "لا اعتقد"، يقول الجادرجي، بوجود جواب بسيط لهذا السؤال العسير والمركب. ثمة تناقض واضح، من دون شك، موجود ما بين النزعة العامة لعولمة القضايا الثقافية، التي هي نتيجة تأثيرات مباشرة للانتاج الصناعي، والتي في طبيعتها تحمل نزعات العولمة، من جهة؛ ومن جهة أخرى، ثمة رغبة واضحة للحفاظ والاستمرارية للثقافة المحلية، التي هي، واقعاً، تقبل مبدأ التعايش في عملية الخلق المعماري. ثمة هدف، في رأيي، يؤكد الجادرجي، يمكن تحقيقه جزئياً، إذا سيطرنا وامتلكنا المعرفة النظرية لتعريف الخصائص العامة للتفاعل ما بين المسببين الاساسيين وهما الاحتياجات الاجتماعية، والتكنولوجيا الاجتماعية. وإذا قدر لنا في النتيجة، امتلاك قدر من المعرفة عن الخواص الاساسية لصيغة الانتاج المتولدة من هذا التفاعل، فان ثمة هدفاً مهماً يضحى في ايدينا، وهو يدرك عبر الوعي بأهمية الاقليمية، ليس بالمعنى الضيق، وانما بمعنى المفهوم الواسع المفتوح على الثقافة العالمية.
لقد فقدنا برحيل "رفعة الجادرجي" معمار متميزا ومنظرا مهما، اثرى بنتاجه المبني والمكتوب مشهد البيئة المبنية واغنى خطابها ايضاً باطروحات ما انفكت تثير جدلا واسعا في الاوساط المهنية والثقافية.
وداعا رفعة الجادرجي،
وداعا ايها المعمار والمعلم،
وداعا ايها الصديق!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top