سنوات التحدي والتألق والخيبة في مسيرة الفنان الكبير صلاح جياد المسعودي

سنوات التحدي والتألق والخيبة في مسيرة الفنان الكبير صلاح جياد المسعودي

فيصل لعيبي صاحي

أن تكتب عن صديق جد قريب واكثر من أخ لك وبعد رحيله، يعني ان تفتح ملفات قديمة وصور سابقة وأياماً اصبحت ماضية. لكن هل كل ما كان ماضياً غير قابل للحضور؟ 

منذ عام 1954 إرتبطنا صلاح وانا في صداقة متينة ومليئة بالمسرّات والأتراح والجهد المتواصل لتطعيم افكارنا ومشاريعنا ببعضها ولكن كل حسب إمكانيته وتصوره ومسعاه.

كنت أزوره في بيت الخدم، خدم والده الذين كانوا في الأصل من عبيد والد الشيخ جياد كروز المسعودي. شيخ فرع عشائر المسعود في الناصرية والعمارة والبصرة والفريضة الذي تلجأ إليه تلك العشائر لحل النزاعات والخلافات المختلفة، لكنه لم يستطع حل مشكلة ولده الجميل صلاح مع زيجاته المتعددات، إلا بعد ان بلغ صلاح العام الثالث أو الرابع عشر من عمره. فقد تطلقت والدته وهو لم يتجاوز الخامسة من العمر، فحرم من حنان الأم، التي كانت بعد انفصالها عن والده، تقف في باب المدرسة منتظرة إبنها صلاح بعد نهاية الدوام لتحتضنه وتضمه الى صدرها. كنت أشاهد هذا المنظر اكثر من مرة بعد ان منعها الأب من الاحتفاظ بوليدها الأول والوحيد وقتها.

عاش صلاح مع هؤلاء "الخدم" الناس الطيبين والذين كانوا يفضلونه على أولادهم، فكان أبو باسم محمد، كلما يتذكر صلاح تغيم ملامحه وتغرورق عيناه بالدموع، بسبب الظلم الذي لحق بهذا الصبي الجميل الذي يشاركهم حياتهم في منزلهم المتواضع، بينما يقع قصر أبيه المنيف على بعد امتار منهم. 

هكذا فقد صلاح حنان الأم وعاش قساوة وعدم اكتراث الأب في فترة حساسة جدا لنموه، فترة تكونه الأساسية وتبلور شخصيته المستقبلية، فنشأ وحيداً ومعزولاً لكنه كان عصامياً معتمداً على ذاته في مواجهة أيامه القادمات بشجاعة ملفتة. كان صلاح لا يظهر احزانه لأحد ويكتم مشاعره وعواطفه عن الآخرين، لكني كنت أشعر بها بسبب علاقتي وقربي منه. وبتكرار حضوره معي الى بيتنا، كانت امي، عندما اعود وحيداً تسأل عن صلاح، وعندما تعرف ان هناك شيئا من الزعل فيما بيننا لا تدخلني البيت إلا وصلاح معي. فالأم تعرف معنى فقدان الأم لولدها وما يعتمل في صدرها وكذلك حاجة الإبن لأمه وأهمية وجودها معه.

يذكرني وضع صلاح هذا بوضع ليوناردو دا فنشي، الذي فقد امه مبكراً وانفصل عنها وهو في الخامسة وظلت صورتها تلاحقه في كل الوجوه النسائية التي رسمها بعد ذلك وما الموناليزة إلا صورة الأم المفقودة والتي اخذها معه الى فرنسا واحتفظ بها حتى مماته. ومن يلاحظ وجوه النساء التي رسمهن ليوناردو سيجد العلاقة بينها وبين الموناليزة جد قوية وكذلك الحال مع صلاح الذي رسم العديد من الوجوه النسائية وتعلق بالعديد من النساء خلال حياته، والذي يعرف هذه النساء مثل ما عرفتهن سيتأكد مما ذهبت إليه، فمنذ علاقاته الأولى بالنساء وحتى زواجه برفيقة دربه وحياته التي فارق الحياة بين يديها كانت وجوه الجميع متشابهة بشكل عجيب، فكان صلاح يبحث عن امه فيهن. 

مع الزمن ومرور الأيام، كانت الحاجات لدى صلاح تزداد وتتعقد ولكن الإمكانات المتاحة له لا تكفي لسد نصف ما هو في حاجة له. وبعد ثورة 14 تموز المجيدة عام 1958، تبدل الحال نسبياً إذ وافق الأب على عودة صلاح الى بيته المنيف والذي كان يحتل مساحة ثماني عرصات، تحول بعد ان ضاقت الحال بالوالد وبلغ من العمر ما يستوجب لملمة اموره. فاكتفى بجانب من البيت وأجر بقيته الى مديرية التربية في البصرة لتحوله الى مدرسة الصباح الابتدائية آنذاك.

عاد صلاح الى البيت وأصبحت له غرفة ينام فيها وحتى مرسم يضع فيه أدوات الرسم وكتبه المدرسية، كان رساما يشار له بالبنان وتقتنى اعماله من جامعي الأعمال الفنية بالبصرة منذ ذلك الوقت. وبرع براعة منقطعة النظير في رسم المواضيع والمناظر والشخصيات بمادة الألوان المائية وقلم الرصاص والفحم وبعدها بالألوان الزيتية، وظهرت ملامح تميز إسلوبه وهو لم يبلغ بعد الرابعة عشر من عمره.

مع ثورة تموز تنبه صلاح للموضوع السياسي ودوره، فبدأ برسم المواضيع الاجتماعية المنحازة للفقراء والمعوزين وكان الفنان القدير هادي الصكر قد سبقنا في رسومه عن السجناء والمواضيع الاجتماعية التي كان يرسلها الى المعارض السنوية وهو في المعتقل بتهمة الشيوعية. ولما كان المزاج آنذاك، مزاجاً تفاؤلياً وينبئ بمستقبل واعد، فقد ظهرت الرسوم الكبيرة والجداريات وصور الاحتفالات بالثورة وكان صلاح في القلب منها، فكم من مرة زين سور وجدران ثانوية البصرة المركزية المواجهة لمرقد عبد الله بن علي المجاور للثانوية وكم من مرة رسم صوراً ذات طابع حماسي أو احتفالي للمسيرات الجماهيرية والتي تتلخص بصور العمال والفلاحين والجنود الثوريين وجماهير الشعب وطبعا صورة قائد الثورة عبد الكريم قاسم. 

كانت خطوطه والوانه توحي بذلك القلق والهم وحتى الحزن الذي يخيم على صلاح، فالتوتر والسرعة والضربات القوية وحركية الفرشاة لايمكن عدم ملاحظتها للمتتبعين لأعمال صلاح، ويبدو للملاحظ العادي لأعماله، خلال تلك الفترة الغنية والمليئة بالنشاط، ان صلاح يعيش بدون هموم وللذين يعرفونه يعتقدون انه قد قلب صفحة الأيام الحزينة والمتعبة وجعلها خلف ظهره أما القريبون منه فيعرفون حجم التراجيديا الداخلية لهذا الإنسان المرهف، فصلاح قد تعرض في طفولته الى محاولتين للتخلص منه من خلال السم، من وضع له هذا السم؟، لا احد يجزم به حتى صلاح نفسه لا يفصح بشكل اكيد عن الفاعلين. رغم أن الأصابع تشير الى شخص أو اكثر من داخل البيت. فلوحاته التي عرف بها بعد ذلك وأسلوبه المميز الذي قد اتصف به كان يعكس ما مرَّ به من ظروف معقدة ومصاعب جمة، رغم ما يبدو عليه من رقة وشفافية وظرف وروح نكتة ظاهرة.

إن أسلوبه يذكرني بموسيقى بتهوفن وضربات الطبول والصنوج والآلات الهوائية في سيمفونياته. احتدام يشبه الـ(كونتر بوينت) في الموسيقى. هناك تلاطم وتدافع بين الأصوات والحركات وعزف الآلات وضجيجها المدوي. كان صلاح وهو يرسم يدخل محيطه الهائج والعارم وينغمر بلجة بحره المتناهي الأبعاد. يستحضر كل عباقرة الفن في لحظات ويذّوّب عصارة ما تعلمه منهم ويمزجه بفرشاته على الباليت ليستخرج منه مادته ولونه ويفرشها على قماشة اللوحة بطريقته التي عرف بها.

لم يرسم احد مثل صلاح على مسرح حركة التشكيل العراقي قبل ظهوره. كان الجميع يحاول تقيلد ملك الرسم فائق حسن ويسعى للوصول الى تقنيته النادرة والمدهشة، لكن صلاح فارقهم بعدته المختلفة والتي اثارت إعجاب المعلم الاول والأب الروحي لسائر الفنانين العراقيين فائق حسن الفنان الجليل. 

في معهد الفنون الجميلة ظهر له اتباع ومريدون وحتى مقلدين وهو لا يزال في الصف الثاني معهد، وقد أشار بطريقة رسمه الى تقنية لم تستخدم سابقا، وحيوية جديدة في الرسم، كانت فرشاته تجول وتصول على قماش اللوحة دون خوف او وجل وحتى حجمها صار اكبر من لوحات الطلبة الآخرين ولا تبقى اللوحة لديه اكثر من يوم او يومين، إذا لم تشغله مشاغل اخرى عنها. 

فصلاح القادم من الجنوب العراقي ومن البصرة تحديداً قد احدث نقلة واضحة في الرسم العراقي من حيث التكنيك واللون ومعالجة الموضوع. وهو لا يرسم من موديل، بل ان ذاكرته تختزن مئات الصور والأشكال والحركات البشرية والمناظر الطبيعية والمواضيع الإجتماعية. وما ان تقول له إرسم لي حمّال او فلاح أو امرأة مثلاً حتى تجد امامك ما طلبته جاهزاً وبطريقة ملفتة في التعبير عن الموضوع المقصود. فهو يسير ويفكر بالرسم كما هو ينام ويحلم بالرسم. لا شيء يوقفه، كان في صراع مع العالم والواقع كي يذكرهم بذلك الطفل الذي أهملوه وتركوه يعاني فقدان الأم والأب مبكراً وكأنه يردد بيت الشعر العربي الذي مطلعه: "اضاعوني وأي فتىً أضاعوا...... " 

لقد احترم الفنان فائق حسن موهبة صلاح فكان الوحيد الذي يسمح له بالرسم في صفه الذي يدرس فيه طلبة معهد إعداد المدرسين في حين كنا وقتها من ضمن طلبة معهد الفنون الجميلة لإعداد المعلمين. وقد دخل مرة في مسابقة مع مجموعة من الفنانين من الأساتذة والتي أعلنتها امانة العاصمة عند إنشاء المتحف البغدادي . وكان الفنان فائق حسن والفنان صلاح قد رسما نفس الموضوع، وهو موضوع (الحفّافة) لكن اللجنة فضّلت لوحة صلاح على لوحة فائق، وقد كنت شاهداً على تهنئة فائق لصلاح لفوزه في المسابقة رغم ان الخاسر كان الأستاذ فائق نفسه.

هناك مسألة علي أن أشير لها، كانت قد ترددت اكثر من مرة لدى بعض أصحاب الكتابات في النقد التشكيلي العراقي المعاصر. حيث يعيبون فيها على الفنانين الذين يرسمون بطريقة واقعية او أكاديمية -وهي ليست اكاديمية بالمناسبة- وهذا بسبب جهل او غفلة العديد من كتاب هذه المقالات: لأن الرسم الأكاديمي هو الرسم المقصود منه دراسة الشكل وليس التعبير عنه بالأسلوب الواقعي وهناك فرق كبير بين ان تدرس الشيء كمادة مدرسية وبين ان تعبر عنه بطريقة واقعية - اما المسألة التي أرغب ان أعقب عليها فهي مقارنة هؤلاء الكتاب عمل الفنانين العراقيين بفناني اوروبا، الذين سبق وأن رسموا أعمالاً واقعية، والعقدة هنا هي فهم ما جرى عندنا بنفس طريقة ما جرى عند فناني اوروبا، والحال فإن هذا القياس لا يصح أبداً ففي الوقت الذي تجاوز فيه الفنان الغربي بمراحل ما نمر به، لا يمكن والحالة هذه ان نفهم ما يجري عندنا على انه شبيه بما جرى في اوروبا من حركات فنية، فإذا كانت الواقعية الأوروبية قد رفضت من قبل البعض هناك، فليس هذا معناه ان الواقعية لا تصلح عندنا. والمتتبع لموضوع الصراع الذي دارهناك، سيجد المشكلة ليست في الأسلوب، بل في الموضوع و تعنت اللجان ورفضها لأعمال الانطباعيين في الصالون الرسمي الذي يقام سنوياً عادة في القصر الكبير في باريس . مما دفع هؤلاء المرفوضين الى اتخاذ موقف مشابه لموقف اللجنة المعادي وبالتالي تمييز انفسهم بمعارض خاصة بهم، بعد ان سدت ابواب العرض في وجوههم بسبب تلك اللجان التي كانت تفضل نوعاً من الرسم القريب من الكلاسيكية الجديدة والمواضيع المثالية والأسطورية وشيء من واقعية الفن البرجوازي النقدي وأعمال الطبيعة والحياة الجامدة في حين جاء الانطباعيون بموضوع مختلف في الرسم وعادي ويومي وحتى ساخر لا يتناسب مع الإدعاء الفارغ بالنبل والرفعة والارستقراطية التي يتمتع بها أساطين الفن السابقين .

فإذا كان الرسم الواقعي قد اصبح هناك أسلوباً قديماً كما يدعي البعض وهذا أيضاً غير صحيح، فتاريخ الفن عندنا لم يتجاوز المئة عام حتى هذه اللحظة. فلماذا نستنكر الأعمال الواقعية مع انها تشكل نقلة لما قبلها من رسم مما كان سائدا عندنا، ولماذا نعتبرا أسلوبها قديماً ونحن لم نمارسه مسبقاً؟، أو أجنبياً مع أن فن النحت الأكدي قبل اكثر من أربعة آلاف سنة كان أكبر مصدر للواقعية في العالم الى جانب الفن الفرعوني، خاصة رأس سرجون الأكدي او القناع العاجي السومري لفتاة من أور ورأس نفرتيتي الجميل .

نحن هنا امام معضلة منهجية، لأن ليس كل ما هو قديم في منطقة ما يعتبر قديما في منطقة اخرى او زمن آخر. ففنانو عصر النهضة الإيطالية استعاروا من الفن اليوناني والروماني الكثير من المميزات المختلفة لفن القرون الوسطى، فالرسم الواقعي بالنسبة للفن العراقي، يعتبر نقلة مهمة قياساً لما هو سائد من أساليب رسم في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. والحال ان الفن الواقعي عمره لم يختفِ من التاريخ على امتداده ولا يزال يشكل الـ 90% من تاريخ الفن العام وفن العصر الحديث. وان كتّاب المقالات الفنية عندنا حالياً يقعون في خطأ منهجي آخر عندما يقارنون فن الرسم ويقررون عدم صلاحيته قياساً لوسائل تعبير مختلفة وليس لها علاقة بفن الرسم او النحت أصلاً، مثل فن الفيديو والفن المفاهيمي وفن الأرض والإنستليشن وغيرها من التعابير الحديثة التي تتعامل مع وسائل اخرى للتعبير عن أفكار المنتمين لها ويعتبرون هذه الوسائل التعبيرية بديلاً عن فن الرسم، وخاصة الواقعي منه، فيقررون، هكذا بكل بساطة، عدم صلاحيته لعصرنا الحالي. ومع ان تلك الحركات والفعاليات ماتزال لم تأخذ مكانها الطبيعي في تاريخ الفن وقد لا تعتبر فنا اصلاً لدى البعض بل وسائل تعبير معينة عند مجموعة من المشتغلين في الفنون، والمسألة هنا كمن يقارن المسرح مثلاً بالتلفزيون. مع ان هناك فرقا شاسعا بين فن المسرح وبين هذه الوسيلة التي تنقل الفعاليات الفنية. وترافق هذه الكتابات، أيضاً موضوعة البحث عن مرجعية معينة من الخارج للعمل الفني المحلي، فحصان نصب الحرية له علاقة بحصان الجورنيكا وهكذا تعتبر الجورنيكا المصدر الاكثر تأثيراً على فناني سبعينيات القرن الماضي لدى الصديق خالد خضير الصالحي الذي كتب عن تجربة الفنان صلاح جياد والذي نعت فيها فناني تلك الحقبة بالشيزوفرينيا، هكذا دفعة واحدة، لأنهم يبحثون في البيئة المحلية ويستعيرون رؤاهم من مصادر خارجية كالجورنيكا مثلاً. لكنه لم يفكر بمصدر محلي معروف وموجود واكثر شهرة من الجورنيكا نفسها والذي استمد منه بيكاسو معظم الصرخات التي نجدها في اعماله ألا وهي قطعة " اللبوءة الجريحة" وكذلك الخيول الآشورية المذهلة في جداريات صيد الأسود والخيول الموجودة في المتحف البريطاني حالياً والتي استشهد بها الخالد جواد سليم اكثر من مرة، ولا ننسى منمنمات الواسطي وبالذات منمنة الجمال المدهشة في مقامات الحريري الذائعة الصيت والتي استشهد بها جواد كذلك في خطبته الارتجالية عند افتتاح المعرض الأول لجماعة بغداد للفن الحديث. ألا يمكن اعتبار صرخات فناني السبعينيات امتداداً لصرخة اللبوءة أقرب الى الحقيقة من علاقتها بجورنيكا بيكاسو وان الشيزوفرينا الفنية التي نعتوهم بها يجب ان توجه الى غيرهم؟. 

هذا الضعف في المنهج والتعنت بإصدار الأحكام السريعة والمجانية، ليس في صالح الحركة الفنية ولا الكتابات التي تنشر عنها. فالاتكاء على مصادر ليست لها علاقة حقيقية بأعمالنا الفنية لا ينم على مسؤولية او حرص في دراسة الانتاج الإبداعي إنما يعكس الاستسهال الذي يمارسه من يكتب بهذه الطريقة عن أعمال مهمة صُرف عليها جهد ووقت وتطلبت مشاعر وعواطف وأعصاب كي ترى النور، في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة.

لنعود لمنجز الكبير صلاح جياد وزملائه الفنانين وليد شيت طه ونعمان هادي وآخرين ودورهم في غربلة المشاريع المشوهة وغير الأصيلة التي كانت واسعة الانتشار في حركتنا الفنية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث يتحول طالب الرسم الذي لم يتخرج بعد وقبل ان يختم الدرس الأكاديمي الى طليعي بين ليلة وضحاها. ويا ويل من يتصدى له او يناقشه في عمله، لأنه سيتهم بالتقليدي او المتخلف وحتى الرجعي، وصار حتى الأساتذة يتجنبون الخوض في هذه المسائل، بينما يعتبرها بعضهم تجديداً ومحاولة للخروج من سجن الواقعية. ولو استعرضنا أعمال الذين كان البعض منهم يعيب على الواقعيين تقليدهم للفن الواقعي الغربي، يجد انها لا تتعدى هي الأخرى ما تم في أوروبا من حركات وتقليعات واتجاهات في الرسم والنحت هناك في عشرينيات القرن الماضي، أي انها هي الأخرى تعتبر فاقدة الصلاحية منذ عقود ولكنهم يصرّون على انها كشف جديد .

كانت مهمة صلاح جياد وزملائه هي ترسيخ التقليد الضروري والأساسي في أي مدرسة للفنون الجميلة تعتمد المنهج العلمي والفني في دروسها الخاصة بالفن عموماً. فطالب الموسيقى مثلاً لا يمكنه إدعاء التلحين فقط لأنه يمرر أصابعه على اوتار العود او أصابع البيانو ويصدر أصواتاً كيف ما اتفق ولا الممثل الذي لم يتقن فن التمثيل ولا يعرف تاريخ المسرح او المدارس المسرحية ولا جماليات أو فلسفة الفن باستطاعته مزاولة التمثيل ناهيك عن إبداع طريقة خاصة به.

صحيح جدا أيضا، ظهورملامح اللوحة العراقية التي تستمد شرعيتها مما تركه لنا الرواد الكبار آنذاك مثل: فائق حسن، جواد سليم، محمود صبري وشاكر حسن آل سعيد، وتبلور تصورات ذات ملامح متميزة وخصوصية محلية معتبرة، عند العديد من فنانينا الجادين مثل كاظم حيدر، محمد غني حكمت، ضياء العزاوي، إسماعيل فتاح الترك، رافع الناصري وطارق مظلوم ومن سار في خطاهم ممن شكلوا النقلة المرتبطة والأكثر استمرارية لتجربة الرواد مع مميزات جديدة مستمدة مما حدث في الفن الأوروبي المعاصر بشكل خاص ولكن تأخر ظهورها عندنا قياساً لظهورها في الحركة الفنية الأوروبية والأمريكية. جعل موضوعة المحلي وما يطلق عليه بالعالمي تحت المجهر وأن ما يجري عندنا شيء آخر. وأنا هنا لا أدافع عن الواقعية باعتباري واقعيا، لأن الواقعية كتيار تخضع للنقد كأي تيار فني آخر، لكني أشير الى الخلل الذي وقع فيه كتاب المقالات الفنية عندنا. 

أكمل صلاح دراسته في المعهد والأكاديمية وكان خلال هذه الفترة رساماً اول في مجلة ألف باء، بعدها سافر الى فرنسا واكمل دراسته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس، ثم حصل على ماجستير تاريخ الفن من السوربون. لكن ما عرقل استمرارية تدفق هذا الفنان العبقري مع الأسف الشديد هو انغماره في رسم البورتريت في ساحة الفنانين (بلاس دي تيتر) في المونمارتر. طلباً للعيش، حيث كان يدرس على حسابه الخاص. فصرف الكثير من الوقت والجهد فيها على حساب الانتاج الفني الخاص والمختلف عما يقوم به في الساحة. وقد بذلت أكثر من محاولة معه، مثل القيام بمعارض مشتركة في المنطقة العربية، لكنه كان قليل الاهتمام بذلك ودائماً ما يجد التبريرات لعدم تنفيذ ما نتفق عليه، ويبدو لي ان صلاح خاصة في العقد الأخير من حياته، قد توقف تقريباً عن إنتاج اعمال فنية بمستوى ما نعرفه عنه من مقدرة وإمكانية فريدة ومدهشة، واصبح يقوم برسم بعض الأعمال متى ما توفر له الوقت بعد فترة الساحة التي يعود منها منهكاً وقد اخبرتني زوجته الفاضلة الفنانة مليكة حاتم المسعودي بتوقفه عن الرسم الجاد كما عهدناه منذ فترة ليست قصيرة.

وقد غلبت على إنتاج صلاح الأخير التعبيرية الحادة والتجريبية مع شيء من القلق والسرعة واستخدام المواد المختلفة، وكأنه يريد تعويض ما فاته من أيامٍ قضى معظمها ملازماً لساحة الرسامين في المونمارتر، ومع انه كان يتندر على عمله فيها لكنه لم يجد الشجاعة للتخلص منه وكان قادراً على ذلك، فلو جرب أن يعرض أعماله ولو لمرة واحدة في إحدى الدول الخليجية مثلاً، لصعد نجمه صعود الصاروخ ولتربع على مكانه الذي يليق به، خاصة، ان كل فناني العالم يعرضون هناك والمشاهير منهم بشكل خاص .

ظلَّ موضوعه الأثير هو تراجيديا الإنسان الأزلية وعذاباته الخاصة التي لم يبرأ منها وقد ازدادت بعد مرضه الأخيرالذي اودى بحياته ومما يلاحظ انه كان يتحاشى الفحص والذهاب الى الدكتور ويتهرب من المواعيد الطبية كما وجد في الخمرة ملاذا وحيدا للهروب الى امام بدلاً من عرض نفسه على الدكاترة في وقت مبكر. وقد ذكر لي الصديق العزيز الفنان غسان فيضي، انه كان يعاني جداً من الآلام التي تنتابه في بعض الحالات، لكنه يرفض فكرة مراجعة الاختصاصيين الى ان غلبه المرض وجعله حبيس غرفته في بيته حتى رحيله عن هذه الدنيا بظروف لم يستطع فيها اقرب الناس له توديعه باستثناء زوجته وإبنته يمامة وثلاثة أصدقاء هم: أندريه صالح (أبو نور) وزوجته الكريمة والأخ عدنان احمد من منظمة الحزب الشيوعي العراقي في فرنسا.. 

ومما يميز صلاح أيضاً هو إهماله لأعماله وعدم الاهتمام بها والحفاظ عليها وقد تعرضت معظم أعماله الى التلف والضرر فالكثير منها على الورق أو الكارتون غير الجيد ولا يضعها في اماكن آمنة كما كان كريم جداً مع اصحابه الراغبين باقتناء اعماله إذ كان يعطيها لهم بكل أريحية، فأي شخص يستطيع ان يأخذ منه أي عمل فني بسهولة وهو لا يقيم وزناً لموضوع أرشفة الأعمال او تصويرها وحتى طبعها في كراس او كتاب وكان بمقدوره فعل ذلك، وقد تحدثت شخصياً مع الصديق العزيز هيثم عزيزة صاحب مطبعة الأديب العراقية في عمّان حول طبع كتاب له وأبدى استعداده بل سعادته في القيام بطبع كتاب له، لكن مشكلة تصوير الأعمال والمعلومات الضرورية عنها والتي كنت الح عليه في كل مهاتفة معه ومنذ فترة طويلة على اتمامها حتى نشرع في طبع الكتاب ظل يماطل فيها ويرجئ البدء فيها بمختلف الأعذار. كنت أعرف ان صلاح يشعر بغبن في داخله وعدم تقدير لموهبته النادرة وخيبة عامة لما يجري حوله وما يمر به العراق من تراجع وتدهور مريع، ولكنه كعادته يكتم ذلك عن الآخرين ومع مرضه أصبح اكثر يأساً واقل إيماناً بالقادم من الأيام، وفي سفرته الأخيرة الى العراق عام 2013 بمناسبة الاحتفال ببغداد كعاصمة للثقافة العربية، كان يتوقع أن يتم تكليفه بعمل كبير او نصب مهم في بغداد او البصرة، لكنه لم يعط مثل هذه الفرصة وذهبت الى غيره الكثير من المشاريع دون أي اعتبار لقيمته وأهميته، مما زاد في انطوائه وابتعاده شيئاً فشيئاً عن التفكير في معاودة النشاط الفني بصورة خاصة.

أخبرتني رفيقة دربه التي عاشت آلامه وعرفت معاناته في الثلاث سنين الأخيرة والتي كانت، خلالها، هي أيضاً عليلة وغير قادرة أحياناً حتى على السير او الحركة، عن اليوم الأخير من عمر هذا المبدع النادر قائلة: "كنت قد دثرته جيداً ليلاً، وذهبت للنوم، ولكني في حوالي الخامسة أو السادسة صباحاً استيقظت وزرته في غرفته، فوجدته قد استيقظ تاركاً فراشه وجالساً على كرسيه وبيده كتاب يقلب فيه، ففرحت لهذه الحيوية التي تبدو عليه، وطمأنتني على وضعه فقررت العودة الى الفراش لكني عندما صحوت مرة أخرى وذهبت لإعداد الفطور ذهبت إليه لأخبره بذلك فوجدته قد غفى كما ظننت، ولما حاولت إيقاظه لم يتحرك وكانت يده على الكتاب الذي في حضنه، فقد مات جالساً وعينه تنظر في العدم. 

ترى بماذا كان يفكر هذا النبيل في آخر لحظة من لحظات عمره المليء بالأشواك والمرارات والخيبة وأي الصور تذكرها؟ هل مرت صورة امه من امامه ام صورة زوجته وابنته يمامة التي أخذت منه الكثير من الصفات أم واحدة من الأغنيات التي كان يرددها بصوته الشجي أو ربما تلك اللوحة التي تلخص كل تجربته ويطمح برسمها ولم يمهله القدر خلال مسيرته الممتدة على مدار 75 عاماً مضت؟؟

لاروش بوزيه – فرنسا 21 \ 04 \ 2020

تعليقات الزوار

  • Nora al Hashemite /

    الاستاذ الفنان التشكيلي البصري صلاح جياد في ذمة الخلو والله يرحمه انهك قواه المرض كان مبدعاً خلاقاً في كل شي (إبن منطقتي الجمهوريه )مع الاستاذ فيصل لعيبي واخته عفيفه لعيبي عمالقة الفن التشكيلي في البصره والعراق

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top