سيناريوهات أميركية عن إلغاء الاتفاقية الستراتيجية: منع وصول الدولار وعقوبات تصل لتجميد أرصدة قادة عراقيين وملاحقتهم

سيناريوهات أميركية عن إلغاء الاتفاقية الستراتيجية: منع وصول الدولار وعقوبات تصل لتجميد أرصدة قادة عراقيين وملاحقتهم

 ترجمة / حامد احمد 

في منتصف حزيران، ستشرع كل من الولايات المتحدة والعراق بحوار ستراتيجي من المفترض ان تتم فيه مناقشة جميع القضايا المتعلقة بعلاقتهما الثنائية، ويشتمل ذلك على تواجد القوات الاميركية. 

وكون العراق يمثل الان مركز تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة وايران، فانه من المتعذر عدم الشعور بان العلاقة الاميركية – العراقية قد تصل لنقطة حاسمة. هذا شيء جيد، وان على ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب ان تضمن فعل ذلك .

تقييم واشنطن لسياستها تجاه العراق جاء متأخرا. ازداد اضطراب العلاقة عبر السنة الماضية من منطلق المصالح الاميركية. اقدمت القوات الامنية العراقية على قتل مئات من متظاهرين مدنيين ابرياء يحتجون سلميا ضد اخفاقات حكومية كثيرة. وايران استغلت الاقتصاد العراقي بشكل منهجي للالتفاف على العقوبات الاميركية. والاسوأ من كل ذلك، ان مجاميع مسلحة مؤيدة لايران نفذت عدة هجمات صاروخية ضد قوات ودبلوماسيين ومتعاقدين اميركان، في وقت لم تتخذ الحكومة العراقية اي اجراء لمحاسبة الفاعلين .

سنة بعد اخرى قامت الولايات المتحدة بتزويد العراق بمساعدات اقتصادية وعسكرية بمئات الملايين من الدولارات، فضلا عن دعم دبلوماسي حيوي. هذا الدعم كان مستندا على افتراض أن يبرز العراق عبر الوقت كشريك اساسي بالحفاظ على الاستقرار والامن في الشرق الاوسط. 

ولكن بدلا من ذلك، فان الحكومة العراقية تتجه اليوم أكثر نحو الاتجاه المعاكس، تمارس معدلات مهولة من العنف ضد شعبها، في حين تغض النظر عن قيام ايران التي تعتبر اخطر عدو للولايات المتحدة في المنطقة، بزعزعة الاستقرار في ارضها وتقويضها لمؤسساتها واقتصادها .

قد يوفر الحوار الستراتيجي القادم ما يمكن اعتباره الفرصة الاخيرة لعكس هذا المسار الهدام وانقاذ شراكة حيوية أميركية طويلة الاجل مع العراق. هذه الفرصة يجب ان لا تهدر .

يجب ان يكون هناك في قلب نهج ادارة ترامب توجها نحو ادخال شروط اكثر صرامة بخصوص الدعم الاميركي. انها مسألة ضرورة بقدر ما هي خيار. ازمة كورونا وعواقبها ستسبب تقييدات غير مسبوقة على ميزانية الولايات المتحدة لعدة سنوات قادمة. هذا يعني انه سوف لن يكون هناك تساهلا في برامج معونات خارجية ليس لها مردود منظور يخدم المصالح الاميركية، فما بالك بمعونات تبدو وكأنها تعزز قوة اعداء مثل ايران؟. لقد حان الوقت لتكون بعض خيارات صعبة مطروحة امام الحكومة العراقية. يجب ان يؤدي ذلك لادراك حجم الخسارة في حال عدم ابداء اي تصميم ولو الحد الادنى منه على اقل تقدير لمقاومة هيمنة ايرانية والسعي من اجل سيادة عراقية. الحوار الستراتيجي القادم يوفر ما قد يكون الفرصة الاخيرة لانقاذ شراكة حيوية قابلة للتطبيق بين الولايات المتحدة والعراق .

تسعى ادارة ترامب لتخصيص اكثر من 600 مليون دولار من ميزانيتها السنوية لهذا العام للمساعدة بتدريب وتجهيز القوات العراقية في معركتها المستمرة ضد بقايا تنظيم داعش. ويأتي ذلك في مقدمة مساهمات حيوية يقدمها الجيش الاميركي لعمليات مكافحة الارهاب على شكل دعم لوجستي واستخباري واسناد جوي قتالي. وتطالب الادارة الاميركية ايضا بتخصيص اكثر من 120 مليون دولار لدعم الاقتصاد العراقي وبرامج اخرى، بضمنها ازالة الالغام الارضية. هذا بالاضافة الى مساندة الولايات المتحدة للعراق في تسهيل حصوله على ملايين الدولارات من مساعدات اقتصادية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وربما الاهم من ذلك هو بنك نيويورك للاحتياط الدولي الذي يحافظ على حساب احتياطيات العراق من العملة الصعبة ويشحن سنويا للبلاد مليارات الدولارات من فئة المئة الدولار للحفاظ على بقاء اقتصادها الذي يعتمد على النقد محافظا على قوته.

من الواضح جدا، ان اغلب هذه المساعدات لا يمكن استبدالها. وبالتأكيد ايران ليست بموقف يمكن ان توفرها. بغياب دعم اميركي، فان اقتصاد العراق ووضعه الامني الهش، سيكون اكثر قربا من اي فترة سابقا نحو الكارثة. بالأخص ضمن سياق الانهيار الحالي بأسعار سوق النفط الدولية. ان آخر شيء يمكن للعراق ان يتحمل فقدانه هو الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري من اقوى شريك دولي له .

يشكل هذا زخما قويا للولايات المتحدة وهي تستعد لخوض نقاشاتها في حزيران. هذا الزخم سيكون حتى اقوى اذا ما اوضحت واشنطن لبغداد بان اذعانها المتزايد للهيمنة الايرانية قد يعرض العراق اكثر لمزيد من اجراءات عقابية اميركية، تتراوح تلك العقوبات بين منع وتجميد ارصدة قادة سياسيين كبار وضربات جوية تستهدف قادة فصائل مسلحة معاقبين وتصل حتى لتقييدات على قدرة العراق على بيع نفطه، كما هو الحال مع العقوبات على ايران، خصوصا في وقت يوجد فيه فائض ضخم مفرط باسواق النفط العالمية يصل الى حدود 20 مليون برميل باليوم .

مقابل دعمها المستمر، على الولايات المتحدة ان تحرص على ان تكون مطالبها من الحكومة العراقية محدودة وواقعية. مهما يكن من ضغط قد تمارسه واشنطن، فهذا لا يعني ان العراق سيدخل حربا مع ايران، ولا انه سيعمل على حل الفصائل المسلحة في ليلة وضحاها. ولكن يمكن للادارة الاميركية ان تصر بشكل قانوني على ان تبدأ الحكومة العراقية باتخاذ خطوات مهمة واقعية، تخدم قبل كل شيء سيادة العراق بينما تراعي في الوقت نفسه عدة اهتمامات اميركية جوهرية . سياسيا، يجب ان تكون هناك نهاية للقمع العنيف ضد المحتجين السلميين، ومحاسبة المتورطين من اجهزة امنية ومسلحين وفق اجراءات تحقيقية موثوقة. ويجب التأسيس لحوار وطني جدي مع حركة الاحتجاج .

اقتصاديا، يتوجب على الحكومة التشارك مع الولايات المتحدة لمنع اساليب ايران الواضحة في العراق للتملص من العقوبات، بالاخص صادرات النفط الايراني وسهولة وصول ايران للدولار الاميركي عبر العراق، وهذه انشطة من شأنها ان تعرض الاقتصاد العراقي نفسه لخطر جسيم يتمثل بعقوبات ثانوية اميركية .

عسكريا، تحتاج الولايات المتحدة الى ان ترى دليلا على ان الحكومة العراقية تقوم باتخاذ جهد مدروس لوضع حد للهجمات ضد قوات ودبلوماسيين اميركان، حتى لو لم يتم انهاؤها بشكل كامل. هذا لا يعني قيام الحكومة باستنكار هذه الافعال فقط كأفعال خارجة عن القانون، بل ان تقوم بنشر عناصر مخابراتية وامنية لردع وابطال هذه الهجمات ومعاقبتها، وبينما لن تمتنع الولايات المتحدة ابدا عن حقها في التصرف من جانبها للدفاع عن منتسبيها، فان الشيء نفسه ينطبق على العراق بانه كل ما يتحرك بجد تجاه هذا الموضوع كلما ابتعدت اميركا عن استخدام القوة من جانبها .

المداومة على دعم العراق ستكون مهمة عسيرة في افضل الظروف. ولكنها ستكون مستحيلة ضمن بيئة تبدو فيها الحكومة العراقية كتابع لايران اكثر مما هي شريك للولايات المتحدة. الوقت ينفد سريعا بالنسبة للحكومة العراقية لكي تغير من هذه الملاحظة وذلك بان تظهر بانها متعهدة على الاقل بالدفاع عن سيادة العراق كما كانت الولايات المتحدة مستعدة لذلك على مدى 17 عاما .

هذه هي الحقيقة الكاملة التي يتوجب على ادارة ترامب نقلها للقادة العراقيين خلال الحوار الستراتيجي القادم. على كل حال، ان هذه العلاقة الصعبة بل المهمة تندفع بكل تأكيد الان نحو نقطة تصريف مصيرية. بينما تكون هذه الامور الداعمة مهمة بدون شك لمصالح الولايات المتحدة، فانها قد تكون وجودية بالنسبة للعراق. على الحكومة في بغداد ان تكون متحررة من اي أوهام عكس ذلك .

عن: مجلة فورين بوليسي الاميركية

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top