بمناسبة الذكرى الـ75 للنصر فـي الحرب الوطنية العظمى

بمناسبة الذكرى الـ75 للنصر فـي الحرب الوطنية العظمى

في يوم التاسع من أيار عام 2020 تحتفل روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابقة بالذكرى الخامسة والسبعين ليوم الانتصار في الحرب الوطنية العظمى. عانى بلدنا على مدى مئات السنين منذ وجوده الحروب والصراعات الدموية العديدة، وكذلك الازمات السياسية العميقة والثورات.

 ولكن لا يوجد مثيل في تاريخ البشرية للحرب الوطنية العظمى من حيث مقاييسها ودمارها والضحايا الانسانية التي قدمتها. دامت الحرب 1418 يوما ابتداء من عام 1941 وحتى عام 1945، لمست هذه المأساة كل العوائل السوفيتية.

ولقي أكثر من 27 مليون من مواطني الاتحاد السوفيتي السابق مصرعهم اثناء المعارك ضد الماكنة العسكرية الفاشية من بينهم الروس والاوكرانيين والقزاخيين والأوزبكيين والأذربيجانيين والقرغيز والجورجيين وممثلو الشعوب الكثيرة الأخرى. وكان الجنود والناس العاديون والاطفال في تلك السنين القاسية يقومون بأعمال بطولية وينقذون ارواح الآخرين ويضحون بأنفسهم من أجل الاقتراب من النصر.

من المعروف ان النازيين قد نقلوا ثلاثة ارباع جميع قواتهم الى الجبهة الشرقية، ان الجمهورية السوفييتية الفتية لم تكن جاهزة لتلك الحرب، لانها كانت ما تزال مشغولة بإنعاش اقتصادها الوطني بعد عشرات السنين من عدم الاستقرار الناجم عن الثورة والحربين الوطنية والعالمية الأولى. شهد بلدنا بعد الغزو الغادر عليه الهزائم والتراجع والخسائر الكبيرة، لكن ذلك لم يسحق روسيا. في أوائل تموز 1941 انضم الى الجيش السوفييتي أكثر من خمسة ملايين مقاتل وعشرات آلاف المتطوعين دخلوا الفصائل الشعبية الطوعية.

انصهر هذا النصر بفضل جهود الشعب كله. اول مكان على الأراضي السوفيتية الذي تعرض للهجوم الفاشي كان قلعة بريست المتواجدة قرب الحدود السوفيتية البولندية. وكانت حامية قلعة بريست دافعت دفاعا مستميتا وترك المدافعون للأحفاد على جدران القلعة الشعارات يختنق النفس عند القاء النظر عليها. الكلمات التي تقول "أموت ولا أستسلم" يلزمنا الحفاظ عليها اليوم كالقسم والوصية. تدل مآثر الجنود الروس التي قاموا بها في الايام الحالية على انهم لم ينسوا هذه الوصية. ويتعهد الجيل الحاضر للمدافعين عن الوطن بهذا القسم.

هكذا بالضبط فكر وتصرف ملايين الناس في سنوات الحرب الوطنية العظمى المدافعين عن وطنهم واثناء المعارك المصيرية دفاعا عن موسكو (30 أيلول 1941 – 20 نيسان 1942) العملية الخاصة بالدفاع عن عاصمة الاتحاد السوفييتي) ومدينة ستالينغراد (17 تموز 1942 – 2 شباط 1943، أصبح الانتصار في معركة ستالينغراد نقطة الانعطاف سواء في سير الحرب الوطنية العظمى، والحرب العالمية الثانية كلها)، وفي قاطع "كورسك" (هي أكبر معركة دبابات في التاريخ، شاركت في المعركة في يوم 12 تموز 1943 اكثر من 1200 دبابة) وكذلك في المعركة لأجل نهر الدنيبر (كانت عبارة عن احدى أطول الجبهات العسكرية امتدت على 750 كم. وقد شارك في المعركة أكثر من أربعة ملايين شخص). وتبلور الانتصار بفضل شجاعة مشاركي الدفاع عن العواصم الروسية العريقة – كييف ونوفغورود الاعظم، وايضا بفضل بطولة المدافعين عن سمولينسك، أوديسا، سيفاستوبول، وصمود قاهر لسكان لينينغراد المحاصرة (استمر الحصار 872 يومًا – من 8 أيلول 1941 والى 27 كانون أول 1944، كان اجمالي الخسائر أكثر من مليون إنسان، وبينهم حوالي 630 ألف ماتوا من الجوع).

لكن يجب الإشارة الى ان الانتصارات التي حصلت ليست بفضل جهود الاتحاد السوفييتي فقط وانما بفضل الجهود للكثير من البلدان الأخرى التي أبدت بطريقة وأخرى تعاونها، وعلى سبيل المثال العراق الذي أعلن في 16 كانون الثاني 1943 الحرب على كل من المانيا وإيطاليا واليابان، بالطبع لم تقع على الأراضي العراقية معارك شرسة مثلما اجتاحت ساحات شرقي أوروبا، من جهة اخرى اقيم في هذا البلد الممر الترابطي الهام والذي تم من خلاله امداد الاتحاد السوفييتي بالمساعدة الامريكية الفنية الغذائية في اطار البرنامج "ليند – ليز" (“Lend-Lease”) الموضوع يخص ثلث الحجم الكلي للأحمال المماثلة.

وضع النصر العظيم أسس النظام العالمي لما بعد الحرب ومنظومة العلاقات بين الدول. اعطي اهتمام خاص للجهود لوضع أسس بناء الامن العادل لما بعد الحرب التي توجت بتأسيس منظمة الأمم المتحدة. يحتفل بالذكرى 75 لتأسيس المنظمة بشكل واسع في العام الحالي.

لكن نلاحظ خلال السنوات العشر الاخيرة اكثر فاكثر اهمال وتجاهل المبادئ الاساسية للتعاون الدولي، المبادئ التي كانت تعافت فيها البشرية بعد التجربة العالمية للحرب. نحن رأينا محاولات خلق عالم مستقطب لجهة واحدة. ونرى تزايد التفكير فيما يخص استخدام القوة لحل المشاكل، نلاحظ انه تجري في بعض الدول، بما فيها التي تسعى لمصادرة الحق بكونها معيار الديمقراطية، الدعاية العلنية للأفكار والقيم النازية ويرفع المتطرفون الوطنيون رؤوسهم. يثير الغضب والاستنكار المحاولات الرامية الى تحريف التاريخ ومساواة جلادين مع ضحاياهم والترحيب وتشجيع النازيين وعملائهم. لكن ستواجه روسيا بحزم مثل هذه الخطط التي تهدد استقرار النظام العالمي ومبادئ الديمقراطية الاساسية وحقوق الانسان.

ان يوم النصر لنا هو رمز الوحدة والبطولة لملايين الناس السوفييت الذين قاتلوا متكاتفين في سني الحرب الوطنية العظمى. ان يوم 9 أيار ما زال يبقى العامل الذي يوحد شعوبنا. يبدو لا توجد عائلة في روسيا او في بلدان رابطة الدول المستقلة لم تلمسها الحرب ومهما كانت التغيرات في السياسة والاقتصاد والحياة العامة فإن يوم النصر لا ينسى. هذا العيد حقا يعتبر أعظم الأعياد بالنسبة لنا والمحاربون القدماء في الحرب الوطنية الذين مع الأسف يقل عددهم بعد كل سنة لكنهم لا يزالون يبقون الابطال الرئيسين لهذه الحقبة.

سفير روسيا الاتحادية في جمهورية العراق

سعادة السيد ماكسيم ماكسيموف

9 أيار 2020 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top