إمبراطورية الوباء وهندسة العالم الجديد 2-2

آراء وأفكار 2020/05/09 08:54:26 م

إمبراطورية الوباء وهندسة العالم الجديد 2-2

 د. ياسر عبد الحسين

الأمن القومي الصحي: 

في حقبة رخاء واستقرار التاريخ تتغير الستراتيجيات الأمنية للدول، كانت المعادلة السابقة (من اجل المحافظة على السلام يجب ان تستعد للحرب)

وهذه الصيغة التقليدية للأمن القومي، وكذلك ثمة معادلة أخرى طرحت في عصر الحرب على الارهاب (ايهما الأهم: الديمقراطية أم الامن؟)، لكن في معادلة الوباء الجديدة، سيكون للأمن الصحي الأسبقية على الأمن العسكري، وسوف يتعين على الحكومات تخفيض الإنفاق الدفاعي لصالح الإنفاق على القطاع الصحي. 

وستفاليا الجديدة: 

إذا كانت محطة وستفاليا عام 1648 ارست معالم النظام الدولي المعاصر بحسب ادبيات العلاقات الدولية، فان الوباء يفرض وستفاليا جديدة، ربما ترتكز على التعاون الدولي والنظام الجديد، وغير معلوم حتى الان، هل سيكون العام 2020 محطة الانطلاق لوستفاليا الجديدة ام علينا الانتظار، وربما ستعود التعددية كمعيار لهذا النظام الجديد، ولكن لن يغير ذلك كثيرا من التوازنات الجيوستراتيجية بين القوى الكبرى في العالم.

الدبلوماسية الصحية: 

في عالم اليوم كل شيء يخضع للسياسة، ولهذا سيبرز نوع من الدبلوماسية الخاصة مثل الدبلوماسية الصحية كنوع من أنواع الدبلوماسية الإنسانية كأداة مهمة في السياسة الخارجية، وسيدخل في هذا الإطار الفاعلون والمانحون فضلا عن الافراد الذين يساهمون في تقدم المساعدات الخاصة بالمجال الطبي، وسوف تكون لهذه الدبلوماسية آثار كبيرة بعد انحسار الوباء وما قبله وليس بالجديد تسييس المساعدات في تاريخ العلاقات بين الدول، وربما الدور الصيني أفضل من يعمل في هذا الإطار، مع تفعيل نمط جديد من القيادة المتعلقة بإدارة الأزمات. 

التحالفات الصحية: 

بعيدا عن مفهوم دول التحالف الصحي كما اسماها المنظر الروسي ألكسندر دوغين Aleksandra Dugin، تبرز رغبة كبيرة مع تغير موازين القوى الى قيام تحالفات جديدة خصوصا مع تأثير الوباء على القارة العجوز، حيث ان غريزة البقاء تحمل البشر على التعاون، وكما كتب ثوسيديديس Thucydides (ان الخوف المتبادل هو الضمان الوحيد للتحالف الصادق، وذلك لأنه من يحاول التسلية بشروط التحالف لا يقاوم هذه المحاولة الا بالخشية من ان لا يكون من هو الأقوى في حال هاجم عدوه).

بنوك العولمة: 

السوق العالمي التنافسي الذي كان يرفع شعار (التحق بالعالم او تصبح غير مهم) تغير في عالم اليوم، وان كانت البداية للتغير ليس من الوباء بل بعد تنامي التيار الشعبوي، فالكل يبحث عن الفلسفة الاقتصادية للوفرة، ولكن لا أحد يمكن ان يؤكد انها البوابة لتحقيق الأمن والازدهار الاقتصادي، لذلك مع بروز مشاكل اقتصادية كبرى على النظام العالمي من احتمالية الركود والبطالة وانماط جديدة من الانكفاء الذاتي سوف تنعكس جميعها على النظام الاقتصادي للعالم الحالي.

تبقى العودة الى الذات أبرز ما يتم البحث عنه في هندسة العالم الجديد، كما يقول عالم الفلك البارز كارل ساجان Carl Sagan (هل من الممكن ان نكون نحن البشر قد اقتربنا أخيرا الى مشاعرنا واقتربنا من العمل معا نيابة عن الكائنات والكوكب؟).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top