العالم مزرعة

آراء وأفكار 2020/05/09 08:55:48 م

العالم مزرعة

 حيدر عبد المحسن

كل شيء في الوجود قائم على مبدأ الصراع والشجاعة ونبذ الخوف. من الأقوال المنقوشة على السيوف: "عبدٌ بلا سلاح كالطير بلا جناح" و "إذا لم يصل سيفك، فصله بإلقاء خوفك". العبد: هو الإنسان حرًا كان أم مملوكًا.

ولكن أين هي جراح الموتى؟ أين هي الثقوب التي نفذت منها أرواحهم، حتى وشلت. منْ سدّ ثقبًا أنقذ نفسًا، ومن أنقذها كأنما أحيا الناس جميعًا. ولكن أين هي جراح الأجساد ليراها الطبيب، ويشفيها؟ الأفواه، أو ما تبقى منها، مفتوحة. ثمة شيء تصلّب في الوجه من الخوف. هل هو العين، أم الوجنة؟ الصدور سكنت لأنها لا تقدر أن ترفع جميع جبال الأرض، وتتنفس. ولأنها لا تستطيع أن تزحزح جميع الهموم، وجميع الداء، وعلى رأسها (التاج)، (الكورونا)؟

مباركةٌ هي أفعال الإنسان الصابرة! في بلاد المغرب العربي يطلّ الناس من شرفات منازلهم في العاشرة مساء يرددون النشيد الوطني.طهنري دونان، مواطن سويسري ساقته الأقدار بغير اختيار منه ليكون شاهدًا على واحدة من كبريات معارك نابليون، وكانت ضد الجيش النمساوي الذي احتل إيطاليا. دارت رحى الحرب مدة يوم واحد، 24/ 25 من حزيران / 1859 في ضواحي بلدة سولفيرنو بشمالي إيطاليا، ولم يكن دونان مقاتلًا فيها، ولا مرافقًا لأحد الجيوش المتصارعة، ولا من أهالي المنطقة، لكنه كان ضيفًا غريبًا مرّ في الأرض التي سقط فيها أربعون ألف قتيل وجريح في يوم واحد، تُرك أغلبهم في ميدان القتال دون أية عناية. ألّف هنري دونان كتابًا عن المجزرة التي كان شاهدًا عليها، "تذكار سولفرينو": "هنا يجري التحام مباشر، رهيب ومروع، بين النمساويين والفرنسيين، يشتبكون فيه جسمًا لجسم، فيدوس بعضهم البعض بالأقدام، ويتقاتلون فوق الجثث الدامية". يقطع الرجل رحلته، ويتلبث في هذه البقعة من الأرض التي ستقلب حياته كلها رأسًا على عقب. وهو يرقب مجرى الأحداث، قال له أحد الضباط النمساويين: "لا تدهشك فظاظة وخشونة بعض قواتنا، فإن لدينا بعض المتوحشين من أقصى المناطق النائية في الامبراطورية وخلاصة القول إن لدينا همجيون حقيقيون في جيشنا". بدأت الحرب، ما يعني أن السهم قد انطلق، ولا أحد يستطيع أن يفعل شيئًا، غير أن يتطلع إلى المسرى، ويترقب: "وطلعت شمس يوم 25 على مشهد من أشد المشاهد التي يمكن أن نتصورها هولًا. فقد كانت ساحة القتال على اتساعها مغطاة بجثث الرجال والجياد".

ليست هذه هي المشاهد المؤلمة في الحرب، ولكن ما قام به الإيطاليون من أفعال شنيعة ضد الجنود عقب انسحاب القوات النمساوية، وما فعلوه بهم يمثل أقسى ما يمكن أن يتحمله قلب المرء من آلام تدلّ على وحشية الإنسان وقسوته. "كان بين النمساويين الذين تم أسرهم من استولى عليه الفزع، حتى أن بعضهم كان يسأل بجدية وهم يشاهدون الأشجار في متنزه المدينة عما إذا كانوا سيعلقون على تلك الأشجار".

هذا بالنسبة للأحياء، و"قام اللصوص في أماكن كثيرة بنهب الموتى، ولم يحترموا الجرحى التعساء الذين ما زالوا على قيد الحياة. كان فلاحو لومبارديا ولعين بوجه خاص بالأحذية التي انتزعوها بفظاظة من أقدام الجثث المتورمة". 

في غضون ساعات من نهاية المعركة، شكّل الرجل الضيف، دونان، فريقًا لتقديم العون مستعينًا في ذلك بالأهالي، وتحولت المدن كلها بفضل جهوده إلى ردهة مستشفى "غصت بالجرحى الذين تكدسوا ولم يتوفر لهم سوى القش ليناموا عليه. وفُرش القش أيضًا في الشوارع والمتنزهات والميادين...". يمضي الكاتب في سرد البطولات التي كان المتطوعون للخدمة، وبعضهم يلهم الآخر المزيد من التضحية والإيثار: "إنهم يقومون بتضميد جراحات الرجال في هدوء ووقار ديني، ويضجعونهم بحرص على المتكآت التي أعدت لهم، وقدمت سيدات المنطقة إليهم المشروبات..." كم اختلف المشهد هذا عن الذي سبقه. ما الذي حدث بين ليلة وأخرى؟ "وكانت كل عائلة تود أن تأوي تحت سقفها جرحى فرنسيين، وتحاول أن تعزيهم بكافة السبل". أيّ جهود عظيمة قام بها هذا الرجل الضيف كي يجعل "كثير من السيدات النبيلات ينسين عاداتهن الخاصة بالأناقة والراحة ويقضين شهورًا كاملة إلى جانب أسرّة الألم الخاصة بالمرضى الذين صرن لهم ملائكة حارسة".

إن ما قام به هذا الرجل الضيف شكّل فيما بعد اللبنة التي قامت عليها حركة الهلال الأحمر والصليب الأحمر، وأكثر من مئة وخمس وعشرين جمعية وطنية للإغاثة، تعمل جميعها في وقت السلم وكذلك في وقت الحرب.

"لقد وضعت إحدى السيدات العظيمات في ميلانو _ وتحمل إسمًا تاريخيًا _ أحد قصورها وبه مائة وخمسين سريرًا تحت تصرف الجرحى. وكان من بين المقيمين في ذلك القصر أحد رماة القنابل من الفرقة السبعين وقد أجريت له عملية بتر وكان في خطر الموت، وكانت هذه السيدة تحاول مواساة الجريح فتتحدث معه عن أسرته". يخبرها الجريح أنه يريد تقبيل والدته قبل أن يموت. أخذت السيدة القطار إلى موطن العائلة، "واصطحبت أم الجريح القروية معها عائدة إلى ميلانو، بعد أن تركت ألفي فرنك للوالد المسن المقعد. وبعد ستة أيام كان هذا الابن والأم يتعانقان بالبكاء مباركين فضل تلك السيدة". 

بعد قراءة الكتاب لا يبقى لديك شك في أن العالم هو مزرعة للحب والكره، أرض تتأرجح كل يوم، ومن أفق إلى أفق، بين سطوع الحقيقة ووهم العدم. هي الأرض، أرضنا، تظل تتأرجح، وتتأرجح، وما من مستقر.

تعليقات الزوار

  • محمود سعيد

    تلخيص جيد، اختار تولستوي في الحرب والسلم منظرا كهذا وكتب فيه 50- 100 صفحة، شكرا جزيلا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top