بعد عام على رحيله..فــوزي كــريــم كـمــا عــرفــتــه

بعد عام على رحيله..فــوزي كــريــم كـمــا عــرفــتــه

زهير الجزائري

في يوم شتوي صاخب ١-٢-١٩٦٩ في بار (سرجون) في مدخل شارع أبي نواس تعرفت على فوزي للمرة الأولى . كان البار مزدحماً فوق العادة قريباً من رأس الشهر.

في الطابق الأعلى وفي وسط البار حزمة من أصدقائي الستينيين تلفهم سحابة من دخان وفوقهم قليلاً غيمة مكهربة من أفكار متقاطعة. شربوا الكأس الثالث أو الرابع قبل دخولي. وجوههم محمرة وابتلت الشفاه بماء الخمرة. تعلو أصوات النقاش وتتقاطع الأحاديث وتذوب حواف الكلمات. كنت في هذه المجموعة نبتة نشاز لأني الأكثر صحواً بسبب قدومي المتأخر من حفلة في السفارة الألمانية. اخنتقت بالعواطف الحادة التي تريد أن تحتويني أو تطردني قبل أن أجلس. من النظرات العدائية قدّرت أن أحداً سيهاجمني بسبب أناقتي أو صحوي.

نزلت للطابق الأسفل بحثاً عن أصدقاء أهدأ فوجدت مجموعة أخرى أعرفهم بالوجوه، بينهم فوزي كريم، متكئ باسترخاء وقد مدّ قدماً حافية خارج الطاولة. حين سلمت قاطعت دون أن أدري شابًا نحيلاً متوتر الوجه متوتر الصوت والمزاج وهو يقرأ قصيدة للجواهري بصوت عال موجهاً نظرته وإصبعه للجميع كأنه واقف على نفس السلم الذي وقف عليه الجواهري وهو يخاطب جماهير الوثبة. حين سلمت وجلست وجّه (كاظم عويًد) إصبعه وعينيه محدقا بي: 

ويكفيك أن الضمير يقول من القلب أني هنا نظر فوزي إليّ وابتسم بخفوت (لا تهتم، هذه حالة سكر). يعرف فوزي مزاج مجموعته واحدًا واحدًا مطمئنًا و سيداً بينهم، ووضع بينه وبين جيل الستينيات حاجزاً من الوهم، خائفاً من الاندفاعات الحادة. شريف الربيعي عرفه على مجايليه، لكن فوزي احتفظ بحاجز من الوهم وفضل صحبة المحلة على صحبة الجيل. انتظرني فوزي حتى استرخي ليحثني على الحديث، لكن هناك من يقاطعني بفظاظة كلما فتحت فمي .

بقيت أتتبع هذه الزمرة وهم يأتون من الكرخ. يجرجرون أقدامهم على جسر الجمهورية وقد ارتسم ضجر التكرار على وجوههم لأن كل ما سيحدث واضح لهم . يقطعون الجسر من دون أن يتوقفوا قليلاً لينظروا للنهر الذي يجري تحتهم فقد ولدوا وكبروا على ضفته. يأتون معًا وأمامهم فوزي يسحسل بنعال إسفنجي، ثم ينزلون السلم الحجري إلى المكان الذي لن يسمّوه، إلى بار سركون أو كاردينيا. من المكانين يمكنهم رؤية محلتهم (العباسية) على الجانب الثاني من النهر ( الكرخ) .. بين نخلات وجرف عليه شجيرات مائلة نحو الماء مثل سراب يتحقق تدريجياً كلما واصلت النظر إليه وواصلت التذكّر: هناك بيتي الآمن.

حيث تبدأ الأشياء 

في المرة الثانية تعرفت على فوزي من خلال ديوانه الأول (حيث تبدأ الأشياء). كان إبراهيم زاير قد انتهى تواً من الديوان ومازال الانفعال به يخرج مثل البخار من منخريه. رماه على طاولتي مع فعل أمر من كلمة واحدة: إقرأه!

قرأته فوجدت ما سأنقله مباشرة من دفتر يومياتي ١٤-٥-١٩٦٩"أعجبتني القصائد الأولى لأنها تحمل فرحًا حزينًا وبدت الكلمات صقيلة نظيفة كأنها تستعمل للمرة الأولى. وفي قصائده غنائية صدى هامس. تبدو القصائد صلاة أمام عذاباتنا وآلامنا. وفيها يتحدث فوزي دائماً عن شخص آخر يعذبه ويحتقره. وهذا الشخص هو نحن الذين لا نشعر بوجود فوزي . في كل قصائده يقول فوزي: ليس لدي ما أقدمه لكم غير هذا. أنا الذي أخاف السياسة والمغامرات. أنا الذي نذرت نفسي للكلمات". نفس الغنائية التي ميّزت شعر السياب ونفس التأسي، لكن ما يميزه نزعة الاعتراف بالضعف. آنذاك كنت أقرأ الوجودية بانهماك، مع ذلك ما زالت شخصيات ديستويفسكي تسيطر على وجداني لأنها تكشف نفسها دون مواربة من خلال أفعالها وأحاديثها. كنت أفرغ اعترافاتي من خلال كتابة يوميات أحدث فيها نفسي بلغة المخاطب: أنت.. وكانت زوجتي الأولى سعاد تقرأها وتلومني والدمعة حبيسة عينيها: أنت تقسو على نفسك أكثر مما يجب. وجدت في اعترافات فوزي صدى لذاتي. فقررت أن أصادقه بعمق واعتقد أنه كان شغوفاً بمعرفة شخص من خارج الحلقة يصغي أكثر مما يتكلم. ما أعاقنا دائماً هو شلة العباسية التي تحيط به وتعزله عن الستينيين . كلما جلست مع لنتحدث أشعر أن دائرة من عيون باردة عدائية تخزني وتطردني لأني، أنا الغريب المتطفل. كلما بدأت الحديث مع فوزي وأصغى هو إلي تطوقني حزمة العيون والهمهمات الجزعة. 

كان مع شلة فوزي شاب نحيف متوتر مثل كل الستينيين، يفتح النقاش من أقصى نقطة فيه وهو يدخن بنهم، ثم يهدأ فجأة حين يطلق من منخريه ضحكة ساخرة . صالح كاظم اقترب مني وصرنا أصدقاء منذ اللقاء الأول وهو الذي قربني أكثر من فوزي . وكان حديثنا الأول عن اللغة. لغة فوزي ثرية مصدرها الأول هو التراث الذي بدأ به فوزي علاقته بالأدب، بينما تنتمي لغتي للوجودية وتأخذ قليلاً من الصوفيين مثل الحلاج والنفري. بقينا هكذا دائماً مفترقين .. أنا أبحث عن صور وتجارب حية و معاشة. ويهرب هو من المعاش وهو فيه وهارباً إلى اللغة. كلما أردنا أنا وصالح أن نفتح الأبواب على المرحلة ( الثورة الطلابية في أوروبا وأمريكا، حركات التحرر القريبة والبعيدة، وجيفارا الباحث عن أكثر من فيتنام واحدة) يغلق فوزي الأبواب ليحصرنا في اللحظة الوجودية الراهنة. كان أقلنا اهتمامًا بالسياسة، مرجعه التراث وليس الحاضر، وأقلنا إهتماماً بالثقافة الرائجة وبالتحديد كامو وسارتر وتجنب كليًا الدخول في النقاشات حول اليسار الجديد الذي تجدّد مضاعفاً بعد نكسة حزيران. بدا لي تهرب فوزي من السياسة فعلاً دفاعيًا مقابل السعي الفوقي لتبعيث الدولة وثقافة المجتمع ( البعد القومي)، ثم صار هذا الدفاع عقيدة لازمته. لم نتفق أبداً أنا وفوزي، لكن لم نفترق بل صرنا نتقارب أكثر كلما تضخمت الأنا البعثية بعد المؤتمر القطري الثامن وامتلاك البعث لأول مرة سياسة هيمنة ثقافية.

اعتقدت مثل فلاح رحيم أن التجربة التي نمر بها"أوسع من انشغال الفرد بذاته ( بحسيتها “العرق المتفصد من الجسد” ، و رؤاها الحالمة). تعود إشكالية التاريخ العراقي الملتهب على الدوام لتضع هموم الشاعر الوجودية في بوتقة فعل سياسي لا سبيل إلى إهماله."

من منفاه ومتأخراً بحوالي النصف قرن ومن وعي مفارق حَكَمَ فوزي على الجيل الستيني "كان أبناء هذا الجيل الستيني مولعين بسارتر وكامو ، وكل ما يرد عبر منخل بيروت، هذه الموجة دفعتهم قليلاً خارج تيار الحياة اليومية . رفعتهم قليلا عن الأرض. وبإهمال المثقف المحترف صار واحدهم يعيش حياة لا تختلف عن الوهم، إلا بخلوها التام من متعة الوهم. حياة أفكار مترجمة،محاصرة من قبل الحياة:مراعي الصبار ص ١٠٣". لم نكن صانعي مصيرنا أقول لفوزي. نحن قبل ذلك أبناء مرحلة سياسية وحياتية ونتاجٌ لهذه المرحلة.هناك فرق بين ستينيات ما قبل الهزيمة وما بعدها. قبلها كانت الأنا الوجودية طاغية على وجداننا وأحاديثنا وبعدها كانت الأنا الجماعية التي ترنو لفعل جماعي شامل. ففي جلساتنا الهامسة كنا نناقش أعقد الأمور الحياتية. مع أننا كنا نشارك فوزي إحساسه الخانق بوطأة. البعث على ثقافتنا وحياتنا ، لكننا نفترق في التعميم. والقدرية فنحسب حسابًا لحركة الكفاح المسلح في أهوار الجنوب ونتمنى دون أن نقرر أن نكون هناك.

بعد منتصف الليل حين يفرغ البار من جلّاسه وتصعد القطط الضآلة فوق الموائد لتلعق ما تبقى ويدور العمال حولنا وقد أخذهم النعاس، نرفع أجسادنا بصعوبة وقد صعدت الحموضة كلماتنا وحركاتنا. عندما نغادر البار بعد منتصف الليل بقليل نشعر أننا طليقين ما أن يمسنا هواء الربيع. فوزي يدردش مع نفسه مرددًا قصيدة أو يغنيها بتلحينه الخاص. من أغانيه أحببت طريقته في غناء قصيدة عبد الوهاب البياني (قمري الحزين) :

أهكذا تمضي السنون 

ونحن من منفى إلى منفى ومن باب لباب

نذوي كمًا تذوي الزنابق في التراب

فقراء يا قمري نموت

و قطارنا أبداً يفوت 

من أنف فوزي وفمه، وقد استعصى عليهما الهواء، يخرج صوت حزين كصوت "الكونترباص" الرخيم في شوارع بغداد وقد خلت من المارة. بكيت مرتين كأني أرى قادم أيامي.

عيون وآذان 

شقتي في البتاويين تقع بين مقهى المعقدين و اتحاد الأدباء. فضلت دائماً رثاثة المقهى على رحابة حدائق الاتحاد. فالنقاشات في المقهى أكثر حرية وأكثر عمقًا. تنخفض أصواتنا وتتقارب وجوهنا حين أتشارك مع أبناء جيلي المؤسسين من البعث ومؤسساته و من مآل الجبهة الهشة بين الحزبين . في المرات القليلة التي أذهب لاتحاد الأدباء أشعر بأني مرصود بعيون وآذان أعرفها ولا أعرفها. عندما أذهب للاتحاد أجد فوزي هناك نصف مخمور ومحاط بشلة من الشباب( ستار ناصر،محمود جنداري، ميثم ، صالح رسول و أحمد خلف...). فوزي صار مسكوناً بالخوف من هيمنة البعث وتضخم الأنا البعثية بعد المؤتمر الثامن وسعي البعث للهيمنة الثقافية. روح الصعلكة الحرة تجذب إليه الشباب المترددين بين السلطة والحرية. الأدباء البعثيون يغتاضون كأنه يسرق من حصتهم، لذلك يترصدون سقطاته وهو يمشي على حبل دقيق من الوهم، لكنه لا يستطيع الحفاظ على توازنه خاصة بعد الكأس الرابعة حين يتراخى العقل الرقيب ويفلت اللسان. ذات يوم قال غاضباً " نعالي على الإذاعة والتلفزيون" فرفع عنه أحد البعثيين تقريراً يقول بأنه شتم الرئيس أحمد حسن البكر. ذهب فوزي ليعاتب صاحب التقرير فرد عليه ساخراً “ أنت قلت نعالي على مؤسسة رسمية. وتعرف تمامًا أن في كل غرفة من هذه المؤسسة صورة للرئيس، إذن أنت شتمت الرئيس في كل من هذه الغرف".

في مرات لاحقة يأتي فوزي قريباً مني، يسحب نفسًا عميقًا وتزوغ عيناه خوفاً من المترصدين. أهيء نفسي وأمد أذني لأسمع منه حديثاً هامساً بيني وبينه واحتفظ دائماً بمدخل للحديث عن مخاوفي، لكن فوزي يبلع سره مثل حبة مرة وهو يتلفت حوله. كلما التقينا على انفراد ينحني علي ويسألني بهمس عن الوضع وإلى أين هو آيل، يسألني وهو يعرف، لكنه يريد أن يتأكد من صحة هواجسه. على خلافه الواضح معهم كان معظم أصدقاء فوزي شيوعيين. في الكرادة سكن مع صادق الصايغ، وفي لبنان مع إبراهيم زاير. يعود من اتحاد الأدباء سكراناً برفقة جاسم الزبيدي أو سعدي يوسف أو يوسف الصايغ … يسكر برفقة منهل نعمة . أختاره الشيوعيون لحضور مؤتمر بوشكين في موسكو، وأهدى للشيوعيين قصيدته (حين يعز الكلام). كان يأمنهم كضحايا قادمين في حين يخترق صداقته مع البعثيين، وحتى الشعراء منهم ، سلك محمر من الخوف. 

مع كل التوتر والترصّد الذي يسود أجواء اتحاد الأدباء استمرت حفلات الرقص الشهرية. يأتي فوزي وحيداً بأناقة متحفظة كعادته إلى هذه الحفلات باحثاً دوما عن امرأة . مرة جلس وسط شلتنا أمامي تمامًا إلى جانب فتاة كانت إلى ما قبل قليل وحيدة مثله. غبت عن محدثتي ورحت أراقبه خلسة. يتنفس كان بصعوبة ويتلمس كأسه بحرص قبل أن يفتح معها حديثاً لم أسمعه. فجأة خرجت الفتاة عن صمتها ومالت وبتحفظ وبدت كأنها ترد على سؤال طرحه عليها. خلال حديثها مدّ أصبعاً مرتجف ليعدل خصلة نافرة من شعرها. بعد قليل رأيته يرقص معها بجسد متخشب. غير مندمج في الرقص. نزل وأخذ جرعة أخرى من كأسه وعاد للحلبة على عجل. مع ذلك لم يندمج، ما زال يرى نفسه وهو يرقص ويطرح على نفسه أسئلة بلا جواب. سيذهب للبيت وحيداً وينام وحيداً على فراشه متوسداً عزلته الآمنة. 

كنت أعرف برغبة فوزي الملحة للهجرة والخوف من الفشل. جربها مرة إلى بيروت ثم عاد من وطأة الإفلاس، لكن في نهاية السبعينيات صارت هجرة المثقفين وباء. في هذه الفترة كان فوزي يسكن مع صادق الصايغ في بيت مريع، أخاف الآن وأنا أتذكره من هنا في لندن وبعد كل هذه السنوات من التدقيق في موقعه والطريق إليه. يقع البيت على مرأى من القصر الجمهوري وفي الطريق الذي يرتاده السيد النائب كل يوم محاطاً بحماياته. زرت هذا البيت مرّات. وفي كل مرة كنت أسير جنب الحيطان مسبلاً يدي دليلًا على براءتي وأنا أتخيل حراسًا يروني من برج بعيد. اقترب منهم و أتهجس مثل فوزي خطوات كتيمة لحارس يسير خلفي وأكاد أتحسس أنفاسه تلفح مؤخرة رقبتي. قبل أن يحسم فوزي موقفه بين البقاء أو الهجرة لابد أنه سمع قصة جاره ( موفق) الذي رأى وهو سكران حد الثمالة في البيت المجاور كلاباً متوحشة سوداء تنهش لحم أجساد آدمية عارية على مرأى من السيد النائب الذي جاء مع حماياته خصيصاً ليرى هذا الحفل الدموي. هذه الحكاية المرعبة غيّرت مجرى السؤال، من (أهاجر أم أبقى) إلى ( كيف ومتى أهاجر)؟

المنفى، الحرب 

أتذكر تمامًا اليوم الذي وقفت فيه أمام البيت في Kirchen Road في Ealing West قرعت الجرس ورجعت احترازًا خطوتين إلى الخلف. لحظات انتظاري لم تدم سوى ثوان، لكنها ازدحمت بالتوقعات. مضطرب خائف من الخطوة التالية في مدينة تنكرني و تسير عكس اتجاهي. بعد يوم من وصولي إلى لندن بدأت البحث عن صديق أليف أستند إليه. ذهبت إلى بيت فوزي حيث يجتمع أصدقائي القدامى مثل طيور مرعوبة. وقفت أمام الباب رقم ٨٢ أتنفس بتسارع حائراً بيدي وبالحركة التالية. هل هذا هو البيت الذي أبحث عنه، وماذا لو أخطأت؟ كيف سيبدو صديقي القديم الذي سبقني بسنوات إلى هذه المدينة؟ فتحت الباب زوجته (ليلى) وقد اتسعت عيناها من الدهشة : 

-يا إلهي، يشبهه تماماً! 

هذا الشبه كان مفارقة علاقة غريبة، صداقة تتوطد كلما اتسعت الفجوة بين أفكارنا.

منذ أول الأيام اكتشفنا رابطة أخرى تجمعنا معًا هي حبنا للتجوال وزيارة المعارض والفعاليات الثقافية. لندن بدت لي أول الأمر مدينة جهمة شديدة الاعتداد تقهر الغريب دون أن تدله خاصة في مركزها السياحي حيث كنيسة آبي وساعة بيغ بن وبناية البرلمان الممتدة على طول الساحة. قيصر روسيا نيكولاي سماها "حلم من حجر".

-لندخل يقول فوزي وهو يجرني من يدي، هناك الآن جلسة كما يبدو من طريقة اصطفاف الحرس!

أتمنع متحججاً بمزاجي، لكن الخوف القديم من كل ما يمت للحكومة يلاحقني إلى منفاي تزيده الفخامة الغوطية للبناء تطردني. نعود من حلم الحجر الى الحياة الحاضرة وما تزال الخطوط الخارجية للعمارة الكثيرة التعاريج و الإلتواءات تحدد رؤيتي. نقف في نقطة وسط جسر وستمنستر. نتكئ على حديد الجسر تمامًا كما فوق دجلة فنرى لندن تحيطنا ككأس من الضباب والأسمنت والماء. المشهد أمامنا ينسحب تدريجياً. ليس للمنفي من ذاكرة عندنا نحن الذين اقتلعنا من المكان ولم نذهب إليه .الذاكرة تزيح المكان الحاضر كما ستارة من الوهم لتحيلنا إلى المكان الذي تركناه. النهر يقسم المدينة الى كرخ ورصافة. هناك يبدو المشهد أكثر ألفة مع أرواح المنبوذين. دون أن نتفق رحنا ندندن معًا أغنية فوزي المحببة:

ونحن من منفى إلى منفى ومن باب لباب

نذوي كمًا تذوي الزنابق في التراب

الحرب لم تبدأ بعدً، لكنها بدأت بأعصابنا نحن الشلة المهزومة مسبقاً. تعارضت أفكارنا حد القطيعة بين من يرى الحرب وسيلة للخلاص من الكابوس، وبين من يراها هي الكابوس. فوزي كان مع الرأي الأول وأنا مع الثاني. أقول له : هل تخيلت مرة ما تعنيه الحرب؟" يقول لي: بدونها لن يتغير شؤون، سيحكم أولاد الدكتاتور أولادنا. اختلاف الرأي لم يمنع ذهابنا معاً للتجمعات العراقية أيام الحرب. ففي داخل كلاً منّا النقيضين.

في أجواء الحرب وفي أعقابها تجمعت الأجيال الثقافية العراقية في لندن من بلند الحيدري، علي الشوك والفنان رمزي، مرورًا بسعدي يوسف وصادق الصايغ و ليس انتهاء بجيل الستينيات. فقد أضيف جيل خرج من الحرب هارباً من الحصار. لم نكن نحن الستينيين الأكثر عددًا، بل الأكثر تجمعاً. نهرب من كوابيس ذواتنا بالتجمع في الحديقة أو المقهى ونتناقش دون أن نلتقي، بل نحدّ أعصابنا ثم ننهي النقاشات بجمل حادة قصيرة، وفي كل جملة التباسات تفوق عدد كلماتها. 

في جلساتنا الدائبة في بيتي أو المقهى يبدأ فوزي أفكاره بصوت واهن تاركاً فراغات بين الجمل وبين الكلمات آخذاً في البداية دور الحكيم، ثم تتسارع الجمل مع انفعاله فأقول هذا فوزي الستينيات الذي يعارك نفسه و الآخرين وتتعارك فيه رغبتان، كما يقول الكاتب فلاح رحيم " الأولى هي الرغبة في البحث عن دلالة لكل ما حدث لإقناع النفس والآخرين بأن ما حدث ويحدث تفصيل في لوحة أكبر، لا قسوة عمياء ليس لعنفها دلالة. لكن رغبة الشاعر التي دأب عليها في معانقة تفاصيل التجربة وأرضيتها وتدفقها تجعله يخشى الوقوع في اختلالات التعميم والكليات". 

"لا يستطيع" أقول لفلاح، لأنه يفتقد وينكر ثلاثة ركائز أساسية في إدراك التجربة، التاريخ والسياسة والاجتماع. الثلاثة تضع التجربة الحسية في إطارها الأوسع. فوزي ينكر الثلاثة ليبقي التجربة في لحظتها الوجودية. لم يكن فقط في المتاهة إنما لا يريد أن يعلو عليها ليراها من فوق، لا يريد الخروج منها، بل و يستمرئها، ففي بعدها الميتافيزيقي يكمن الشعر ويستبعد الفكر. 

في كتاباته النقدية تولّع فوزي بإيجاد ثنائيات متعارضة (المدرسة الشامية في الشعر مقابل المدرسة العراقية، المثقف مقابل السياسي، التراث...الحداثة، شاعر الراية مقابل شاعر المتاهة. وهو انتقائي يبحث في النصوص والقصائد بدأب ودقة عما يعزز شكوكه. نادراً ما كنت أردّه لأني أعرف توتره خلال النقاش، وفي هذا التوتر مقتله.. كنت أرى التداخل مندمجاً في التعارض. فشاعر المتاهة موجود في شاعر الراية، وأحيانا في نفس القصيدة. أنبه فوزي لهذا التداخل وأدلّه بإصبعي على قصيدة تكشف الاثنين، لكنه يتجاهلني ليتابع فكرته. هذا التعارض والتداخل ليس في الشاعر وحده، إنما أيضا في تاريخ بلد لا يستقر ولا يعطي من تجاربه حكمة. تجربة تبتر ما قبلها قبل أن تتحول الى رؤيا. كتب فوزي سبع مقالات في رواياتي وكتبي، ودائماً ينتهي بحيرة، كيف إن عقائدياً مثلي يستبطن أحداثه وشخصياته دون تدخل أو فكرة مسبقة. يستغرب غير مدرك كم إن الحياة الفعلية تشاكس الفكرة المسبقة وتقلبها خلال كتابة الرواية.

بعد الحرب بقليل وصل الجواهري إلى لندن هارباً من دمشق التي شارك رئيسها ضمن خمسة و ثلاثين دولة في الحرب (لتحرير الكويت). كنا فوزي وأنا برفقته في معظم الدعوات. خلافاتنا انطفأت بفعل الخيبة التي شملت الكل، فالحرب انتهت بخراب البلد وبقي الدكتاتور مثل غراب البين واقفاً مثل ديك الفجيعة فوق الركام والجثث. وجود الجواهري، الذي ولد قبل الدولة، اختصر راهننا الكارثي بجمل قليلة وسط تاريخ من الكوارث وامتداد عقود من الاستثناء السياسي وإعلان حالة الطوارئ. كنا نمشي معه وكل منا ينظر له من زاويته. فوزي يحفظ له القصائد التي تعبر عن حيرته بزمانه وأنا أنظر له كشهادة حية وشعرية على تاريخ بلد محير. الجواهري كان وسط الأجواء الحالية المشحونة حاد المزاج ينفجر لأبسط الأسباب، مثقل بإحساس أنه سيموت دونما أمل. يقول لنا كلما ذهبنا إليه بأن هناك (نذل) يلاحقه في منافيه ويدق عليه الباب ثم يهرب. أهمس في أذن فوزي في غفلة عن الجواهري "هذا هو الزمن..." يجيبني بصوت كالفحيح "بالأحرى نهايته...!" 

نبضات القلب 

في جولاتنا معاً أسير أمام فوزي خطوتين ثم أتوقف فجأة معه. التفت فأراه واقفاً على جنب يتلمس نبضات قلبه ويتنفس بعمق. (النذل) يدق عليه من داخله...…حين يهدأ يقول لي"لقد قسوت على هذا القلب الضعيف وحملته فوق طاقته.. شرب، تدخين، سهر... هاهو يعاقبني الآن ..."

أواسط العام دخل فوزي St.George Hospital بعد أزمة قلبية حادة تطلبت زرع جهاز لتنظيم دقات القلب. آنذاك كانت مثل هذه الأزمات في جسم الكائن جديدة علينا. نعرف أزمات تصيب قلب الوطن، أما قلب المواطن القريب منا ستبدو آنذاك مجرد صدفة. كنا نتجمع حول سريره ننتظر النكتة من شريف الربيعي الذي يقول "أراهنكم جميعاً إنه سيدفننا واحداً واحداً ويبقى شاهداً علينا". نضحك ونضحك كأننا نهرب من هذا الإنذار لجيلنا وقد تجاوزنا الخمسين ومعها سلسلة من خيبات لا تترك فسحة للأمل. بيننا وهو ممدد يضحك فوزي بوهن وخوف ممسكاً قلبه براحة يده. 

بعد خمس سنوات وفي نهاية صيف عام ١٩٩٧ دخل شريف الربيعي Ealing Hospital مصاباً بسرطان المعدة وفي مرحلة شبه ميئوس منها. أنا وفوزي كلانا عائدان من سفر وقد استقبلتنا هذه المفاجأة. لم يكن الخبر واحدة من نكات شريف، إنما نكتة القدر. قبل ليلة نهضت من نومتي مبللاً بالعرق متعباً حد انقطاع النفس لأنني خلال نومتي كنت أدفع جداراً من بناية انهارت فوقي. هذا هو الجدار! دخلت المستشفى وأنا مخطوف وقلبي يدق بتسارع أدور بين الممرات وأنا التقي الخارجين من زيارته . كلهم يهزون رؤوسهم ثم يطرقون" ما من أمل"! التقيت فوزي في نهاية الممر ورأيت في وجهه شحوب وجهي "ما من أمل" قال و هو يتحاشى النظر إلي. لابد إنه جاء هارباً من القشعريرة التي "دبّت كالنمل تحت ثيابي: مزارع الصبار". كان فوزي أكثر مني فزعاً، فقد أضاف "خبرة المستشفى اللصيقة بجسدي وروحي...خبرة الإطلالة الصامتة على الأبدية". كلانا عرف شريف منذ أكثر من ثلاثين عاماً. (عرف) كلمة لا تفي بعلاقتنا به. شريف ملح الأحاديث في مقاهينا ببغداد، وهو الذي يوقظني من النوم للفطور الذي أعده لنا كل صباح أيام كنّا معاً في مجلة (إلى الأمام) ببيروت. وهو لافتة المقهى الذي نتجمع فيه بلندن. عندما نرى شعره المنفوش في نهاية السلم نقول لأنفسنا"بدأت حكايات الحياة اليومية". كنا نتسابق مؤيد الراوي وفوزي وأنا بمعارفنا عن شخصية شريف ونكاته. هذا الصديق القديم الذي نتحدث بحضوره عن أفظع الأمور بحذر خائفين من أن ينتهك أكبر الفواجع بخياله الساخر ويحوله الى نكتة. الآن ونحن نراه غائباً عنا مطلاً على نهايته تأكدنا كم هو هش موشك على الانكسار. قناع الأوكسجين يمنعه من الكلام فسحب ورقة من دفتر الى جانبه ليكتب لي ما أراد أن يقوله، ثم دفع الورقة مبقياً البياض لحاله" ما من أمل، ما من فائدة". صرنا نلتقي كل يوم تقريباً عند رأس شريف نتابع مسار حياته من خلال الأنابيب التي تدخل وتخرج من جسده و تزداد باضطراد كل يوم لتقطر الحياة فيه أو منه. سوائل مشوبة بخيوط من دمه. 

سرطان شريف كان فاتحة الوحش الذي التهم خيرة أصدقاء العمر (تحرير السماوي، أحمد مهنا، محمود البياتي، دلال المفتي، مؤيد الراوي، سركون بولص ، عدنان حسين...) إلتهمهم من داخلهم. صرنا نلتقي باصدقاء افتقدناهم منذ زمن في المقبرة. نسمع هبدات التراب على خشب التابوت وقد أطرقنا معاً وشبكنا أيدينا استسلاماً ونحن نصغي لخبطات جيل ينقرض واحداً بعد آخر.

في آخر أيامه كان فوزي قد عاد تواً من المستشفى حين زرناه حسن ناظم وأنا. نحيفاً كان موشكاً على التلاشي، بشرته جافة وبقعتان من احمرار مزرق تجمعت في خديه بصوت واهن قال لنا" لن أفلت هذه المرّة"... 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top