فندق أوريان بالاس  بدمشق، عندما تكون العمارة رافعة الحداثة.. وحاضنتها

فندق أوريان بالاس بدمشق، عندما تكون العمارة رافعة الحداثة.. وحاضنتها

د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

* الى فخري كريم

نتحدث في هذه الحلقة من <عمارات> عن مبنى في مدينة عربية امتلك لغة معمارية استثنائية في حينها،

وعن معمار عربي اكتسب رؤى تصميمية، عدت وقتها، جدُ طليعية في مقاربتها التصميمية، وجد حداثية في طروحاتها المعمارية، وغير مسبوقة في تداعياتها ونتائجها البنائية. نحن نتحدث عن فترة زمنية هي بدء الثلاثينيات من القرن الماضي، وعن معمار شاب امتلك جميع الأدوات لأن يكون حداثياً ورائداً ومجدداً، نحن، بالطبع، نتحدث عن عمارة فندق "اوريان بالاس" <قصر الشرق> بدمشق / سوريا (1934)، وعن معمار هذا المبنى اللبناني: "انطوان تابت" (1905 – 1964). ولهذا فبالامكان ، أيضاً، قراءة عنوان هذه الحلقة <... عندما يكون "المعمار" رافعاً للحداثة ..وخالقاً لها>؛ ذلك لأن دور "العمارة" و"المعمار" هنا، في هذه الحالة تحديداً، يكادان أن يدمجا معاً في مهمة فريدة: يكمل الواحد الآخر ويتممه.

عندما كلف المعمار الشاب "انطوان تابت"، (هو الراجع قبل فترة قصيرة من باريس، حيث حصل من مدرستها المشهورة عالمياً "البوزار" شهادته العليا في العمارة سنة 1928 وقبلها كان قد حاز على شهادة المعهد العالي للهندسة في بيروت سنة 1926)، بتصميم فندق جديد في "منطقة الحجاز" بوسط دمشق، كان مكتب ذلك الشاب في حينه أيضاً مشغولاً في تصميم فندق آخر (بالمشاركة مع معماريين فرنسيين آخرين) ولكن في بيروت مطل على البحر بمنطقة خليج سان جورج. وبهذين العملين استطاع المعمار اللبناني أن يسهم في إرساء أسس الحداثة المعمارية في المشهد المعماري لعموم بلاد الشام وحتى لاقليمه، وأن يظهر قيم تلك الحداثة بوضوح للجمهور الواسع بضمنهم جميع مستخدمي مبنييه الاثنين ولمشاهديهما عن قرب ..وعن بعد أيضاً. وسنتناول الحديث، هنا، في حلقتنا هذه، عن عمارة الفندق الدمشقي، تاركين الكلام عن عمارة الفندق البيروتي العتيد لوقت آخر. والأخير يستحق منا بالطبع اهتماماً خاصاً لجهة عمارته الحداثية الرائدة، ولناحية قضايا مستقبله "الوجودي" الجديرة بالاهتمام، التي يخوضها بجرأة نادرة ضد "تغول" محاولات محو الذاكرة البنائية التعسفي المبتلية بها بيئتنا المبنية المحلية والإقليمية على حدِ سواء. وهو في صراعه مع قوى قوية ومتنفذة جعل من "بقايا" أنقاض مبناه الأصيل بمثابة "لافتة" ضخمة تشير الى محنته ومعاناته التي وجد نفسه محاطاً بها، كاتباً في أعلى "هيكل" مبناه المخرب مايلي: "يبقى هذا المعلم السياحي العريق، شاهد حرب دمرته، وضحية تعسف يستهدفه"، رافعا علامة حمراء في وجه "سلودير" الشركة المستحوذة على المكان!

لم تكن "الحداثة" (الحداثة في كل تجلياتها المواضيعية!) غريبة عن أفكار "انطون تابت" وتطلعاته الفنية. فقد كان مولعاً بمعرفة كل جديد وغريب في الوسط الثقافي المحلي والعالمي وتواقاً لتبني تلك "الموجات الأسلوبية الفنية الحداثية" التي بدأت تظهر بصورة متسارعة في الخطاب الفني والثقافي وقتذاك. وقد استفاد كثيراً من معرفته للغة الفرنسية والتحدّث بها بطلاقة، بغية إكتساب مزيدِ من التعرف عن كثب وحول ما كان يجرى من أحداث ثقافية في الأجواء الباريسية ومتابعة أخبارها المتنوعة وطروحاتها الفنية. يذكر المعمار "جاد تابت" نقيب المهندسين اللبنانين الحالي (وهو، بالمناسبة، ابن انطوان تابت)، بأن والده مع أربعة أصدقاء آخرين "شكلوا" في العشرينيات مجموعة سمّت نفسها بـ <الفرسان الخمسة> (على غرار اسم رواية الكسندر دوما الكبير "الفرسان الثلاثة")، تتبنى "الحركة السوريالية"، كمقاربة طليعية جديدة تتساوق مع طموحاتهم وآمالهم في التجديد والرديكالية. ويكتب "إنها قصة خمسة شبّان في بيروت خلال حقبة الانتداب الفرنسي ومواجهتهم غير المعقولة مع الطليعة الحديثة" ويضيف ".. إنّها قصّة منسيّة، شكلت جزءاً من الانتفاضات الثقافيّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة الراديكاليّة التي عمّت هذه المنطقة خلال النّصف الأوّل من القرن العشرين، منذ سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة حتى صعود الحركات القوميّة في الخمسينيّات.... في هذا الجوّ بالذّات كان «الفرسان» الخمسة، كما كانوا يسمّون أنفسهم يتجوّلون بين بيروت ودمشق والمنتجعات الصيفيّة المجاورة في جبال لبنان.." (مجلة <بدايات> بيروت، العدد 20 - 21 /2018، ص. 139 - 140).

ولئن أشرنا الى اهتمامات "انطوان تابت" الثقافية، وتبنيه النزعات الفنية الجديدة، فما هذا سوى توضيح لما جبلت عليه نفسية هذا المعمار الشاب، وتبيان نوعية ذائقته الجمالية، والتذكير بولعه الجارف نحو التجديد والتوق نحو كل ما هو حداثي (ورديكالي على وجه الخصوص!). وستأتي الفرصة السانحة ليكون كل ذلك بمثابة "خلفية" مواتية لفهم وإدراك مختلف الطُرز الحداثية في العمارة وتقبل طروحاتها. ونرى أن تلك السانحة حلت في "مصير" معمارنا، عندما تمكن بقدرته وآهليته على استيعاب مقاربة "أوغست بيريه" (1874 – 1954) Auguste Perret، المعمار الفرنسي الأشهر وقتذاك، ومن ثم التعرف عليه شخصياً، والعمل في مكتبه لاحقاً، واتخاذه قدوة مهنية له ولأسلوب عمارته. 

و"أغوست بيريه" المعمار الفرنسي الطليعي، كما هو معروف للكثير من المهنيين رائد توظيف مادة الخرسانة المسلحة في التصاميم المعمارية، وقد صمم ونفذ بتلك المادة الجديدة وقتها "شقق في شارع فرنكلين" بباريس في سنة 1903، والتب اعتبرت كإحدى الصفحات الناصعة في تاريخ الحداثة الأوروبية والعالمية على حد سواء. ثم أسس سنة 1905 مكتبه الاستشاري الخاص بمشاركه مع شقيقيه "غوستاف" و "كلود"، مركزاً فيه على استعمالات هذه المادة الجديدة وتبيان مزاياها المعمارية والإنشائية. معلوم أيضاً أن "لو كوربوزيه" عمل في ذلك المكتب عدة أشهر ما بين عامي 1908 و1909، وقد اعترف مرّة بأنه "تعلم في المكتب إياه معنى "الخرسانة" معمارياً. وعندما كان انطوان تابت في باريس عرفه صديقه الفرنسي الذي عمل في بيروت سابقاً على "بيريه"، وانضم للعمل في مكتبه لاحقاً، مكتسباً خبرة عميقة من اشتغالات المكتب بالقضايا الجديدة التي ارتبط بها اسم بيريه ومكتبه الاستشاري، وخصوصاً بما كان يشغل تطلعات أوغست بيريه لإيجاد حل كفء لمعضلة معمارية كبرى، أشرت إليها في كتابي <مائة عام من عمارة الحداثة، دمشق 2009> وهي "... ترابط التركيب الإنشائي مع <الفورم> المعماري، تلك المعضلة التي تصدت لها المدرسة الفرنسية بنجاح. وجعلت من تقصياتها المتنوعة مساراً مؤثراً في طروحاتها التصميمية. ولهذا فإن نشاط (أوغست بيريه)، يمكن إعتباره جزءاً من فعالية تصميمية كانت قد أفصحت عنها بجلاء كتابات "فيوليه لو ديوك" من أن..التقنية الإنشائية المتجلية شاعرياً، يمكن أن تتحول بسهولة الى ..عمارة"ّ! ويُعد مفهوم هذا التعبير والمختزل في آن، مفتاحاً لإدراك عمارة بيريه وتقصياته المهنية. ومرة أخرى، يتعين التذكير، بان أسلوب وكيفية استخدام الخرسانة المسلحة، في مبنى فرنكلين، هما جزء من نشاط مهني واسع، تمثل في مقاربة معمارية ساطعة، ..هي التي دعيت بتيار"الار نوفو"، الذي كان بيريه أحد انصاره، بل وعدّ من مؤسيسيه الأوائل".

تبقى عمارة مبنى فندق "أوريان بالاس"، موضوع حلقتنا هذه، بحضورها المميز، وبلغة عمارتها الفريدة تمثل نموذجاً واضحاً وبهياً لترجمة واعية لأفكار الحداثة المعمارية الأوروبية، وإمكانية "توطينها" محلياً. إنها تبدو بهيئتها التماثلية، وأسلوب شرفاتها المفتوحة المتدرجة، وفتحات نوافذها الواسعة غير المألوفة، وأسلوب معالجة وسطها الدال على مدخلها الواسع رمزاً لعمومية المنشأ، بالإضافة الى كشف إيقاع مفردات قوامها الإنشائي، تبدو وكأنها تضفي تميزاً وقيمة جمالية مضافة الى المكان الذي تقع فيه، ولكن الأهم أن أسلوب عمارتها الفريدة يدلل الى ذلك التساوق الكبير لتطلعات النخب المثقفة وآمالها في التجديد والحداثة. لم تكن غاية المعمار، مثلما نرى، مقتصرةً فقط في تمثيل الجانب الوظيفي البحت للمبنى، بقدرما كان يروم أيضاً الى توظيف عمارة المبنى لجهة تكريس قيم الحداثة في مشهد البيئة المبنية، وجعلها متاحة للجميع. بمعنى آخر، يستثمر المعمار موضوعة المبنى (فندق): كمبنى عام متاح للجميع دخوله واستخدام فضاءاته العديدة للترويج لنمط حياة جديدة وسلوك حديث ربما لم تعرفه أساليب تقاليد الحياة اليومية في تلك المدينة الشرقية. كما اتاحت "الخرسانة المسلحة" المادة الأساسية في منظومة التركيب الانشائي الحصول على "بحور" Spans واسعة، وبالتالي خلق أحياز فسيحة لم تشهد مثلها الممارسة البنائية المحلية من قبل. لقد ساهم ظهور عمارة "أوريان بالاس" الى "تخليق" سلوكيات جديدة عن طريق إتاحة "المكان" الملائم لاجراء لقاءات يومية بين نخب المدينة المثقفة وعموم سكانها، بالإضافة الى تنظيم اجتماعات مهنية متنوعة لتكريس الجديد في قيم المجتمع وتقبل أنماط الحياة الحديثة التي يسّرتها قاعات وفضاءات الفندق الرحيبة والعديدة. بتعبير آخر، عملت عمارة فندق "أوريان بالاس" وفضاءاتها المتنوعة، بمثابة <رافعة> للحداثة ..و<حاضنتها> في العاصمة السورية وقتذاك!

والمعمار "إنطوان تابت"، ولد بحمدون في 1905 (في بعض الوثائق يسجل ميلاده سنة 1907، وبهذا الخصوص يشير "جاد تابت" بأن ".. نادراً ما كانت تواريخ الولادة المُسجَّلة في الأوراق الرسميّة دقيقةً. إذا اعتاد الناس على الكذب بشأنها كي يساعدوا الفتيات على إيجاد أزواج، وكذلك من أجل تأجيل اللحظة التي يُرغَم فيها الشبّان على الالتحاق بالخدمة العسكريّة. وكمثال على هذا، فإنّ تاريخ ولادة أنطون تابت بحسب السجلّات الرسميّة هو 1907. ولكنّنا نعرف بأنّ تابت تخرّج من كليّة الهندسة عام 1926، بحيث يكون قد تخرج وهو في التاسعة عشرة، وهو عمر غير معقول، بخاصة ونحن نعلم أنّ معظم المدارس والكليّات كانت مغلقة لعدة سنوات خلال الحرب العالميّة الأولى"). عاد انطوان تابت الى بيروت بعد أن انهى تعليمه المعماري في البوزار بباريس/ فرنسا سنة 1928. صمم العديد من المباني في لبنان بضمنها وزارة العدلية، ومصنع للبيرة بضواحي بيروت، كما صمم المجموعة السكنية في الحازمية (قضاء بعبدا). معروف عن انطوان تابت نشاطه النقابي الواسع والممتد زمنياً، حيث أسس مع آخرين "جمعية المهندسين المعماريين". وانتُخب نقيباً للمهندسين في سنة 1961-1962، وترأس مراراً فرع المهندسين المعماريين. حاز على "جائزة لينين للسلام" عام 1961، توفي في موسكو سنة 1964، وأذكر شخصياً بأن جثمانه وضع في قاعة اتحاد المعماريين السوفيت للوداع، وكنت حاضراً هناك مع بعض الطلبة الدارسين وقتها في الاتحاد السوفياتي، كما أذكر بأن الكاتب العالمي الشهير "إيليا اهرنبورغ" (1891 – 1967) كان حاضراً معنا أيضاً في وداع صديقه الشخصية الاجتماعية المرموقة والمعمار اللبناني المعروف.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top