باليت المدى: صديقي رسام الغابات

ستار كاووش 2020/05/17 06:17:06 م

باليت المدى: صديقي رسام الغابات

 ستار كاووش

ابتسمَ صديقي الرسام آري خودهارت وهو ينظر اليَّ بعد أن سمعني أقول (الكلام لا يسد الثقوب) أثناء خروجنا من معرض رسام بسيط، كان يتكلم أكثر مما يرسم.

ثم أوصلني الى المرسم بسيارته وقال لي بنبرة تحذيرية وهو يهز رأسه (لا تنسى موعدنا غداً)، وذلك لأننا اتفقنا على الذهاب الى مدينة هورن غربي هولندا قربَ حافة البحر، للقاء صاحب غاليري أعجبته أعمالي، لأطَّلِع على شكل الغاليري وتفاصيل العرض. جاء آري صباح اليوم التالي في الموعد، فقرع الجرس عدة مرّات، قبل أن أفتح له الباب متأخراً جداً، حيث تبدو آثار سهرة البارحة واضحة على هيئتي وكل ملامحي، فنظر اليَّ وهو يحرك يده أمامه كَمَّن يطرد غباراً، ثم تراجعَ قليلاً الى الوراء قائلاً (ألم نتفق على الذهاب الى الغاليري؟ يبدو إنك قد دفعت سهرتك البارحة الى أقصاها) قال ذلك وهو يحاول أن يسترق النظر داخل البيت، علَّهُ يكتشف من كان بصحبتي تلك الليلة، ليقول في النهاية وهو يعدل وضع قبعته ضاحكاً ( فلنؤجل الذهاب الى يوم آخر). 

رغم أن آري يكبرني بعشرين سنة، لكن العلاقة بيننا توطدت كثيراً وأصبحنا صديقين مقربين، ولا يعود السبب لكوننا رسامين فقط، بل لأننا نفهم بعضنا كثيراً، حيث كنا نجوب بسيارته هذا الجانب من هولندا لننتقل الى الجانب الآخر، ندور بين المقاطعات شمالاً وجنوباً، نزور غاليري هنا ومتحف هناك، ولم تتعدَ زياراتنا هولندا فقط، بل خارجها أيضاً، كما فعلنا بذهابنا في باص اتحاد التشكيليين الهولنديين صحبة مجموعة كبيرة من الفنانات والفنانين الى ألمانيا لإفتتاح أحد المعارض، حيث مازال آري يتذكر النقاش الحاد الذي نشب بيني وبين أحد العاملين في المتحف حول ماهية الفن ونوعية الأعمال التي يعرضونها. إبتدأتُ مع آري ومجموعة من فناني المدينة بتأسيس فعالية المرسم المفتوح التي استمرت سنوات عديدة قبل إنتقالي الى مكان آخر، وقبلها قمنا أيضاً صحبة مجموعة من الفنانين بتأسيس رابطة صغيرة لفناني مقاطعة درينته حيث نلتقي في مرسم إحدنا كل يوم أربعاء، نتحدث بآخر المستجدات ونأكل ونشرب ونتفق على بعض المشاريع. 

أثناء افتتاح أحد معارضه الذي صادف ميلاده الخامس والستين، فاجأته ببورتريت رسمته له كهدية وتعبير عن صداقتنا، وسط إستحسان الحاضرين، فرح كثيراً وعانقني سعيداً بهذه اللوحة، بعد ذلك بأيام زارني في المرسم لإحتساء القهوة والاطلاع على بعض اللوحات غير المكتملة لمعرضي الجديد، فإنتبه الى أن حامل اللوحات الذي ارسم عليه قد إنكسر، عندها فاجئتي صديقي القديم بقوله (لاتهتم أيها الولد الجميل، عندي لك مسند رسم رائع في العليّة -ويقصد مرسمه-) ليمضي ويجلبه بسرعة الى مرسمي. 

يمكن اعتبار آري خودهارت رسام مقاطعة درينته بإمتياز، ذلك لأنه لا يرسم سوى المواضيع والطبيعة التي تتعلق بهذه المقاطعة التي تُعَد من حيث طبيعتها وغاباتها ومزارعها، أجمل مقاطعات هولندا الأثنتي عشرة. يخرج آري كل يوم بسيارته، ويوقفها على طرف إحدى الغابات ويمضي الى الداخل مع عدة الرسم، بين الاشجار التي تصاعدت على سيقانها الطحالب الخضراء وأحاطتها السواقي الصغيرة والأحراش، فيختار مكاناً مناسباً يقضي فيه ساعات طويلة، قبل أن يعود الى مرسمه حيث تنتظره زوجته خوكا وهو يحمل رسومه ودراساته التي اعدها لأعمال قادمه، فيصعد الى عليَّة البيت حيث مرسمه الواسع ويبدأ من جديد بالرسم على أمل أن ينهي ما بدأ به في الغابة. يعشق آري الخطوط السود الناعمة وهي تستقر على السطح الأبيض، لذا فأن كل لوحاته تقريباً قد رسمها بالحبر الأسود على الورق، والنتائج تكون دائماً باهرة وجميلة وتُمتع النظر لحنو ايقاعها وإنسجام خطوطها التي تمنح الهدوء لمن يشاهدها لأنها ببساطة تحمل هويتها الخاصة وهي تتدثر بالسكينة التي تعم طبيعة وغابات درينتة. 

يتمتع آري -إضافة الى لوحاته الجميلة- بروح الدعابة والسخرية، فذات مرة كان المرسم مليئاً بالأصدقاء، وبما أني أعرف أنه ثقيل السمع ويضع جهاز صغير في اذنه يساعده على سماع الأحاديث، لذا سألته إن كان قد سمع حديث الأصدقاء، فأجابني ( هذه مزايا أن تكون أطرشاً، لأن هذا يجنبك سماع الكثير من الأحاديث). 

كان لقائي الأخير به في معرضي الذي أقيم في متحف فينندال بمدينة هوخفين، حيث كان ينتظرني في مقهى المتحف، ولحظة دخولي عانقني سعيداً، ثم وضع قبعته على رأسه، قبل أن يمرر أصابعه على حمالة بنطاله وندخل المعرض ونتوارى بين الحاضرين. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top