العراق البحث عن هوية الدولة

آراء وأفكار 2020/05/17 06:20:18 م

العراق البحث عن هوية الدولة

 د. عدنان عودة الطائي

من الثابت بمكان أن لكل دولة قواعد وأسس تقوم عليها حتى تكسب صفة الهوية ومن هذه الأسس هي الأرض أي الأديم الذي يحدد بحدود تفصله عن كيان دولة أخرى مجاورة سواءً كانت مساحة هذه الأرض كبيرة كما روسيا وكندا أو صغيرة كما البحرين وهايتي

وثاني هذه الأسس هوالشعب أو الجمهور بغض النظر عن عدد هذا الشعب سواءً كان ضخماً كالصين والهند أم قليلاً كما هو حال قطر أو هولندا ونوعية ذلك الشعب هل هو هجين كما شعب البرازيل أو أصيل كما في اليابان ناهيك عن تنوعه ديموغرافياً من حيث القومية والدين والعرق ثم يأتي الأساس الثالث وهو مؤسسة الحكم بمختلف مسمياتها ملكي كما في السعودية وإسبانيا أو جمهوري كما في مصر أو تركيا أو غير ذلك من مسميات باختلاف نزعة الحكم عسكري أو برلماني أو رئاسي ثم الأساس الرابع وهو موارد تلك الدولة التي تؤهلها لتكون دولة غنية كما هي حال ألمانيا أو دولة فقيرة كما الصومال وهذا يعود طبعاً لنوعية تلك الموارد وأقيامها وخامس تلك القواعد هو أن تكون الدولة مستقلة وغير خاضعة لنفوذ دولة أخرى كما هو حال فرنسا...

هنا يمكن أن نطلق صفة الدولة على هذا الكيان أو ذاك وأي خلل في هذه القواعد يذهب بالدولة ويهد كيانها كما هو حال فلسطين يوم ضاعت أرضها فأصبحت هامش دولة وليبيا التي غابت قيادتها فصارت أشلاء دولة وسوريا التي هاجر وشرد ثلث شعبها فخارت قواها وبنغلادش الضعيفة لخلوها من الموارد فضلاً عن العراق المصادر قراره بنفوذ أكثر من دولة... علماً من أن الدولة لاتبقى على حالها من القوة فهي تمر بمراحل كما الإنسان فهي تولد ضعيفة بادئ الأمر كما هي إيطاليا عندما شرع غاريبالدي بتوحيدها نهاية القرن التاسع عشر لتقوى في فترة نضجها ويصير بمقدورها قضم أراضي دول لجوار كما أو ابتلاع تلك الدول بالمرة كما روسيا اربعينيات القرن الماضي لتشيخ ثم تتفكك كما يوغسلافيا السابقة وليس بالضرورة أن يكون عامل قيام الدولة وضعها وتلاشيها القوة العسكرية بل إن هناك العامل الاقتصادي والهزّات الاقتصادية التي تصيب الدول أو نزعة الحكم وسلوك الحاكم كما هو حال الإمارات التي أقامها الشيخ زايد من لاشيء أو انهيار تلك الدولة القوية لشطحات وأسلوب الحاكم كما هو حال أوغندا نهاية السبعينيات وأسلوب عيدي أمين في الحكم....

ومع كل ذلك حتى تكون الدولة قائمة بمفهومها الحديث وتكسب شرعيتها لابد من طرق أبواب المنظمات الدولية وأولها الأمم المتحدة للتعريف بأن كيان دولة قد قام هنا أو هناك لحصل الاعتراف بها وتكون خاضعة لمبادئ وأهداف هذه المنظمة... وبعد كل الذي ورد هل العراق دولة أم هامش دولة؟؟؟

قام العراق دولة في آب من العام 1921 ونصب فيصل الأول ملكاً عليه باعتراف عصبة الأمم آنذاك رغم خضوعه النفوذ البريطاني ومرّت السنين بما حملت من أحداث ساهمت بتغير نظام الحكم من ملكي دستوري إلى جمهوري عام 1958 وبعد ذلك توالت الأحداث والانقلابات فحصل انقلاب شباط 1963ومن بعده انقلاب 1968 حتى سقوط العراق دولة محتلة من قبل أمريكا وحلفائها ورافق هذه الأحداث والتطورات الكثير من حالات التمرد والحروب الخارجية والداخلية والانتفاضات وماتمخض عنها من نتائج ساهمت إلى حد بعيد من سقل مكانة العراق الدولية ...

لكن الذي حصل بعد العام 2003 من احتلال مباشر ومارافقه من انهيار لكل أسس الدولة ومازاد من تعقيد الموقف هو تصدع مؤسسات الدولة التي يقوم عليها نظام الحكم فإنهار الجيش وغاب القانون وتسيدت لغة السلاح على المنطق وقبلها النظام والقانون وانفلتت قوة الدولة الماسكة ليكون المشهد تحت رحمة الخارجين عن القانون ليتشرذم البناء القومي للدولة وهكذا صار للعراق أكثر من علم وراية تحاكي تنوعه القومي والديني وحتى القبلي بعد أن كان العراق كله ينحني تحت راية واحدة وهذا ماشرعه دستور ملغوم في بعض من مواده كتب على عجالة وبإياد غير وطنية فكانت المصيبة الكبرى وهي تشرذم الدولة قومياً ودينياً وحتى طائفياً ، بل أبعد من ذلك لما تفرق أبناء الطائفة الواحدة مما جعلها أي دولة العراق فريسة سهلة أمام طموحات دول الجوار والقوى النافذة في العالم حتى أمسى العراق مسرحاً لأكثر من نفوذ فاعل لهذه الدولة أوتلك ، بل الأدهى من ذلك هو مصادرة القرار العراقي لما كان لهذه الدول الكلمة الفصل في تعين حكومة العراق بعد إجراء فصول لمسرحية الانتخابات بدوراتها الأربعة الماضية ووصل الحال أن من يقوم بمهام رئيس الحكومة لم يدخل الانتخابات بل لم يُرشح أساساً... فأي انتكاسة هذه؟ بل أي نكبة حصلت في العراق ؟ ، ليصيب ذلك البناء السياسي للدولة ويصيبها بالشلل حتى صار العراق غير مرحب به في المحافل الدولية واقفلت العديد من الدول سفاراتها وقنصليتها بعد شيوع ظاهرة السلاح المنفلت وبروز ظاهرة الدولة العميقة وبات مصير العراق مرهوناً بيد أكثر من طرف داخلياً وخارجياً لينعكس ذلك على الواقع الاقتصادي الذي انحدر إلى أدنى مستوى له فضلاً عن تشظي دعائم القيم والمثل العليا التي يقوم عليها العامل الاجتماعي ووصل الأمر إلى الضرر بالوشائج الاجتماعية وتخريب أصالتها والتأثير على السلوك العام للناس وزيادة على ذلك أمسى شعب العراق أمام أفق مغلق ومستقبل لايبشر بالخير وبعد كل ذلك الذي حصل انهارت أسس ومقومات الدولة بعد أن كان العراق دولة رصينة لها تأثيرها في المنطقة بل كان ضلع المثلث الثالث في منطقة الشرق الأوسط مع إيران وتركيا وغيّبت هويته وصار دولة غير واضحة العنوان فهل بالإمكان العودة ولو لما كان عليه الحال قبل الذي حصل ونكون دولة تعاود الحياة مرة أخرى أم نحن ذاهبون إلى المجهول؟؟؟

هذا ماستحيب عليه الأيام القادمة ويقيناً مفتاح ذلك التحدي هو بيد الحكومة الأن بعد هذا التغير الهائل فلننتظر...

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top