مغادرة  الكبسولة  في زمن العزلة

مغادرة الكبسولة في زمن العزلة

لندن- فيصل عبدالله

التردّد من مغادرة البيت صار هاجساَ للكثيرين. ليس حباً بالعزلة إنما درءاً لهجمة قاتل مجهول يختار ضحاياه بمنتهى الأريحية.

التردد والعزلة اقتضيا التأقلم مع شروط وإلزامات قلبت ما اعتدناه وألفناه في حياتنا اليومية قبل الجائحة، وصار الاستمتاع بمفردات الفضاء العام يتطلب أخذ احتياطات لا حصر لها وفي جو مشحون بمخاوف وداع أخير. الحلول المقترحة لتجنب الإصابة بهذا الفيروس تطلبت البقاء في البيت واللإلتزام بتعليمات سلطات البلد، أو ما عرف "خليك بالبيت". ملاذ آمن بانتظار ما ستفضي اليه تجارب المخابر الطبية من نتائج، من غير المتوقع ان تكون قريبة، لإنتاج علاج لجرثومة مهلكة شلت حركة العالم وأوصدت الأبواب بوجه ما اعتدناه من شروط الاجتماع. إلا أن البيت/الملاذ تحول بفعل الزمن وغياب مؤشرات الإنفراج القريبة الى ما يشبه "الكبسولة" الفضائية والمجهزة بكل ما تجود به وسائل الحياة الحديثة في زمننا المعولم والجامع بين عالمين؛ الواقعي منه وإفتراضي في آن. لذا وبعد شهرين بالتمام والكمال قررت وضع التردد في خانة المنسيات ومغادرة المنزل لا لشيء بل لما أفتقدته من ممارسة هواية رياضة المشي اليومية. ذلك فقد تكفل الجيران بتأمين ما احتاجه من المواد الغذائية والطبية طيلة الفترة الماضية وفي منطقة سكنية تسمى "بيضاء" نسبة لسكانيها من مواطني هذا البلد. تصور أن تجد سلة المشتريات أمام باب منزلك مع باقة ورد ربيعي أو بيضة "عيد القيامة" دون أن يضاف ثمن هذه الهدايا الصغيرة الى الفاتورة الواجب دفعها. ففي زمن الأزمات، وما تفرضه من عزلة، أقل وطأة عما نعيشه، يتنادى البشر الى بعضهم، فيكون الجار أقرب إليك من شقيق بعيد وقت الحاجة. ما بدا لي أن الحياة الطبيعية وحالة الاستقرار التي تنعم بها المجتمعات تفرض قوانينها ومنها أن البشر، أقله جيراني وما لمسته منهم، يفضلون حالة العزلة، بفعل ضغوطات العمل والعائلة وما يترتب على ذلك من مشاغل داخل أسوار المنزل/القلعة. أو بلغة أخرى يصبح الفرد أميل الى الإنسان الباطني، إن أردت، ذلك القابع على أسراره. لكن في أوقات الأزمات/الكوارث ومواجهة بلوى غير مسبوقة مثل الذي نعيش تفاصيلها ينفتح الأفراد/الجماعات السكانية على أنفسهم، وعبر إسترجاع حس الإرتباط بالجماعة المفتقد بعد طول غياب. أو ما يطلق عليه استرجاع حس "التكافل الاجتماعي".

ما أفتقدته خلال الشهرين الماضيين ليس استعادة لياقة جسدية وتنشيط حالة الذهن فقط، بل للاعتذار من غياب عن مكان أحببته وصداقة عقدتها مع ما توفره عناصره الصامتة من صفاء لسبب عرفت سره اليوم. وعرفت أيضاً أن البراءة هي أفضل ملاذ في اللحظات الحرجة. مُطهر، حسب التعاليم المسرحية، للتخلص من لوثة ما يحيطنا من أخبار نصفها كاذب والنصف الآخر مشكوك بيقينته. كنت أسأل نفسي؛ كيف لي ان أتأكد من النهر ونواظمه المائية والأشجار والزوارق الراسية ووجوه مشاة كنت أتبادل التحايا معهم من التعرف عليّ بعد غياب، وفي مكان حجر لا يبعد عن هذا الفضاء سوى خمس دقائق مشياً على الأقدام. كانت لهفتي كبيرة لما كان ينتظرني من مفاجآت كي إلغي حالة إنتظار مربك. فإن تستعيد صلة ألفة مع مكان وتتقاسم ما تتيحه أجواؤه مع الآخرين هو في الحقيقية شطب على حس الإغتراب. كما تركته، فقد وجدت النهر غافلاً كعادته وساهماً في جريانه الأبدي، مجدداً مياهه بما تجود به سماء هذه الجزيرة من هبات تنتظرها الأرض بفرح. فيما بدت الأشجار غريبة من النظرات الأولى، فقد تبدلت أحجام أوراقها وازدهرت ورودها، وكأن أغصانها المتشابكة والمبتورة والصغيرة، هيكلها العظمي ان صحت التسمية، الذي عراه فصل الشتاء، غدا اليوم بفعل تبدل فصول السنة الى كرنفال حياة، حيث إكتست هذه الكائنات ألوان فصلي الربيع والصيف الباذخة في جمالها وبوعود شمس لا تأتي إلا لماما. الزمن يترك أثره على الأشياء، ما منح هذه الأشجار فرادة، وربما غرابة، أشكالها الخارجية ضمن طلق عروض مجانية. صارت لهذه الكائنات شخصيات تستطيع التعرف إليها من بعيد أن أستوقفتك واحدة منها وقرأت على جذعها أسماء محبين وتاريخ لقاء. ما بدا لي لوهلة، وهي حقيقة، إن عناصر الطبيعة غير معنية بشروط الحياة الجديدة في ظل أحكام الامبراطور كورونا المستجد-كوفيد-19 . فها هي جدّدت نفسها، وأحتفظت بصحتها من دون الإستئذان من البشر وبعيداً عن شرورهم الذي عانت منه طويلاً. فالتعامل مع الأشياء الصامتة بدا أسهل ومن دون عقد ومخاوف، في حين كان عليّ الإلتزام باحكام التباعد الاجتماعي وشروطه مع البشر، إبقاء مساحة أمان معقولة، مثلها مثل المسافة الفاصلة بين المتبارزين. التحايا عوضتها حركات الرأس والإشارات والكلام المتقطع من وراء الكمامات وعن بعد، لا تلامس ولا حميمية بمن تلتقيه. ومع ذلك فقد بدت حركات من يحتضنهم هذا المكان يومياً كوميدية، أقرب الى مثيلتها في الأفلام السينمائية الصامتة، ان تأملت الناس من بعيد. أستثناء الأطفال من أحكام الإمبراطور المجحفة أطلق العنان لأقدامهم في الجري واللهو وسط تقافز الكلاب البيتية او ركوب الدراجات الهوائية، لكن الملفت ان أجواء الرعب سرعان ما تسللت الى إحدى الشركات المصنعة لقلنسوة الآمان، توضع عادة فوق الرأس، ومنها اقتبست قلنسوة على شكل خلية فيروس كورونا بمجسات بارزة بدلاً من شكل الدعسوقة المتعارف عليه. وحده ذلك الشخص الجالس على مصطبة والذي يتوسل الحديث بمن يمرون به ونظراته تدعوهم للمشاركة في منولوغه الداخلي فقد غاب عن هذه المشاهدات، هل أطاحت به الجائحة؟ ربما غداً سيحضر أو بعد أيام، ذلك فقد شاغلني وضعه في المرة الأولى وتحدثت إليه في الثانية. وحين حضر الكلام ذكرني وقال؛ بان أقسى شيء في الحياة هو ان تعيش وحيداً في هذا العالم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top