الذكاء الاصطناعي والأدب.. الوحيُ في الآلة

الذكاء الاصطناعي والأدب.. الوحيُ في الآلة

ترجمة : لطفية الدليمي

القسم الأوّل

القسم الأوّل من الترجمة الكاملة للمقالة المعنونة (الذكاء الإصطناعي والأدب : الوحي في الآلة)

التي كتبها المحرّر العلمي والتقني في صحيفة الفاينانشيال تايمز Financial Times العالمية (جون ثورنهِل John Thornhill) ونُشرت بتأريخ 9 آب (أغسطس) 2019 .

المترجمة

 

لو شئنا إقتراح ترسيمة بطولية مختصرة فيمكننا القول إنّ التأريخ الكلي للأدب العالمي إنما يمكن إجمالهُ في الصيغة التالية : الكتابةُ عن الآلهة ، ومن ثمّ عن الملوك والملكات ، وبعدها عن عوام الناس ، ثمّ عن ذواتنا في خاتمة المطاف ؛ لكن في الوقت الذي نبدو فيه وقد إستنفدنا كلّ المكتشفات الممكنة بشأن مايختصّ بالآلهة ، وفعلنا الأمر ذاته – وإن بدرجة أقلّ – مع كلّ بعدٍ إنساني يخصنا كبشر فإننا لانزالُ نغورُ في طبقات عميقة من حقبة جديدة في التأريخ الأدبي – تلك هي الكتابةُ عن الآلات ، وقد يبرهنُ هذا الأمر على أنه الطورُ الأكثر إدهاشاً في كلّ السلسلة التطوّرية التي نعرف : أن تكتب الآلاتُ عن الوضع البشري ، بل وربما قد تكتبُ الآلات عن الآلات يوماً ما ! .

الأدبُ ، الذي يوصفُ أحياناً بأنّه مشاعرُ مجسّدةٌ في كينونات جذابة كما البلورات النقية ، يضمُّ الجوهر العميق للتجربة البشرية ؛ لذا ماالذي يمكن أن يعنيه ولوج الذكاء الآلاتي (الإصطناعي ، المترجمة) داخل حدود المنطقة البشرية ؟ هل سيفتحُ هذا الأمرُ مغاليق آفاق لم تزل موصدة حتى اليوم أمام الكائنات البشرية على صعيد الفهم والبصيرة ؟ أم أنّ الأمر لن يكون أكثر من تركيز القناعة بشأن تضاؤلنا وتصاغر شأننا كبشر في سياق المخطّط الكوني للتطوّر ؟ 

لايكادُ ينقضي يومٌ من غير أن يجلب لنا تطوّراً مذهلاً غير مسبوق في حقل الذكاء الإصطناعي (AI) الذي بات يبدو وكأنه التقنية السحرية متعدّدة الأغراض في زماننا هذا . ذهلَ العالمُ عام 1997 عندما تمكّن الحاسوب المسمّى Deep Blue الذي صنّعته شركة IBM الأميركية ذائعة الصيت من تحقيق الغلبة على أعظم لاعب شطرنج في كلّ الأزمان ، غاري كاسباروف Garry Kasparov ؛ ومع أنّ الحاسوب هذا أظهر نمطاً رائعاً من السلوك في اللعب لكنه في واقع الأمر لم يكن سوى آلة حسابية فائقة القوة تتبع أحكاماً مسبقة (مايسمّى في العادة خوارزميات algorithms في حقل الحاسوب والبرمجة ، المترجمة) ، أو أنه كان " ساعة منبّهة بقيمة عشرة ملايين دولار " إذا ماشئنا إعتماد عبارة كاسباروف التي تنمّ عن وضع سايكولوجي طافح بالغضب والإنفعال . 

غير أنّ التطوّرات الأحدث في تقنيات التعلّم العميق والمقترنة بالتفجّر الهائل للبيانات المتحصّلة من هواتفنا الذكية وحواسيبنا فضلاً عن التعاظم الهائل في قدراتنا الإحتسابية قد مكّنت البرامج الخاصة بالتعلّم الآلاتي على تحقيق مجموعة كبرى من المهام بطريقة تكافئ عمل (إن لم تتفوّق على) أي كائن بشري ، ومن تلك المهام نذكر الآتي : تفسير الصور الشعاعية للمرضى وتحديد العلل التي تنبئ عنها ، توجيه الطائرات المحلّقة في الجو ، تشخيص الصور وتحديد الأوجه ، إدراك الكلام المنطوق (كما يحصل في تطبيق Siri) .

تمكّن الحاسوب المسمّى DeepMind الذي صنّعته شركة غوغل العملاقة عامي 2016 و 2017 من هزيمة اثنين من أعظم لاعبي اللعبة الصينية القديمة المسمّاة Go (وهذه لعبة شديدة التعقيد ، ويفوق تعقيدها التعقيد الشطرنجي بمراحل عدّة) ، وقد حاز هذا النصر الحاسوبي إهتمام كل الناس على نطاق العالم بأسره . إنبثق نجاح برنامج غوغل الحاسوبي المسمّى AlphaGo في هذه اللعبة إلى أنه إستخدم تقنية مختلفة تماماً عن برنامج حاسوب Deep Blue ، ويُعزى هذا النجاح إلى خاصية القدرة الحاسوبية على " التعلّم " بطريقة ذاتية ؛ الأمر الذي مكّن الحاسوب من هزيمة ألفين وخمسمائة سنة من الحكمة المتأصّلة والراسخة بشأن هذه اللعبة ، وقد بلغ الأمرُ حداً دفع الصينيين لأن يتملّكهم العجب والذهول من هذا الإنجاز ، وقد أطلق بعض الباحثين الصينيين على ماحصل توصيف (لحظة سبوتنِك) في إشارة إلى ماحصل للأميركيين عندما أطلق السوفييت عام 1957 القمر الإصطناعي البدائي سبوتنِك Sputnik إلى مدار حول الأرض ، وتسبّبت لحظة سبوتنك هذه في دفع الصينيين إلى تخصيص موارد بشرية ومالية عظمى في حقل الذكاء الإصطناعي وسط أحاديث لاتكادُ تهدأ عن سباق أسلحة تقنية جديدة .

قدحت هذه التطوّرات الحثيثة في حقل الذكاء الإصطناعي أيضاً خيال بعضٍ من روائيينا الأكثر إبداعاً، ومن هؤلاء جانيت وينترسون Jeanette Winterson و إيان ماكيوان Ian McEwan . الروبوتات المفكّرة ، التي كانت تختصّ بها روايات الخيال العلمي بطريقة حصرية ، دخلت اليوم ميدان الإنتاج الأدبي وصارت موضوعاً روائياً واسع النطاق ، ورواية ماكيوان الأحدث* لاتستمدُّ وحيها الدافع من أي مصدر سوى ديمس هاسابيس Demis Hassabis المبتدع العبقري لحاسوب غوغل المسمّى DeepMind . 

يكمنُ مصدرُ الدهشة الكبيرة في متابعة التطوّرات المذهلة للذكاء الإصطناعي في حقيقة أنّ هذا الحقل البحثي يعيدُ تشكيل جوهر مفهومنا (الذي لطالما خضنا بشأنه نقاشات حجاجية لاتنتهي) عن ماالذي يمكن أن يعنيه كوننا كائنات بشرية ، وهذا الحقل المتطوّرُ إذ يقفز قفزات تقنية كبرى فإنّه لاينفكّ يتحدّى مفاهيمنا بشأن الهوية Identity والإبداع Creativity والوعي Consciousness . يمثّلُ الذكاء الإصطناعي ذروة إعلاء شأن الفكر العلمي العقلاني الذي تحدّر إلينا من عصر التنوير ، وربما يكون في الوقت ذاته لعنة لهذا الفكر أيضاً . هل سنبلغُ يوماً ما ذلك المشهد اليوتوبي (وربما الديستوبي) الذي وصفه المؤرّخ يوفال نوح هراري Yuval Noah Harari عندما تساءل : هل ستعرفنا الحواسيبُ في يوم من الأيام القادمة بأفضل ممّا نعرفُ أنفسنا ؟

آي. جَي. غود I. J. Good ، الرياضياتي الذي عمل برفقة آلان تورنغ Alan Turing على كسر الشفرة الحربية الألمانية في بليتشلي بارك خلال الحرب العالمية الثانية ، كان أحد الرواد الطلائعيين في حقل الذكاء الإصطناعي ، وفي الوقت ذاته كان أحد أوائل الذين أدركوا الدلالة الكاملة التي يمكن أن ينطوي عليها " تفجّر الذكاء " . كتب غود : " ماإنْ يجتاز الذكاء الفائق للآلات مستوى الذكاء المتاح للكائنات البشرية حتى تكون الآلات ذاتها قادرة على تخليق آلات أفضل منها ، وهي إذ تفعل هذا ستتركنا بعيداً نلهثُ وراءها غير قادرين على اللحاق بها ؛ وعلى هذا فإنّ الآلة الأولى فائقة الذكاء هي الإختراع الأخير الذي (قد) يحتاجه أي كائن بشري شريطة أن تبقى تلك الآلة منصاعة لرغباتنا البشرية وأن تخبرنا هي ذاتها عن الكيفية التي تكفلُ لنا إبقاءها تحت سيطرتنا " . كان هذا جزءاً ممّا كتبه غود عام 1965 ! . 

تلك اللحظة من التفرّدية Singularity التقنية (إشارة إلى تفوّق الذكاء الإصطناعي على الذكاء البشري ، المترجمة) – فيما لو تحقّقت يوماً ما – جرى تشبيهها مع تخليق شكل جديد من الحياة الكفيلة برفع الكائن البشري العاقل Homo Sapiens إلى مصاف الآلهة ، وممّا لاشكّ فيه أن تلك الحادثة لو تحقّقت ستكون الواقعة الأعظم دلالة عبر 300,000 سنة من التأريخ البشري ، وبالنسبة للكاتب العلمي جيمس لفلوك James Lovelock ستؤشّرُ تلك الواقعة نهاية ثلاثمائة عامٍ من العصر الأنثروبوسيني Anthropocene الذي وظّف فيه الإنسان العاقل تقنيات عديدة غيّرت طبيعة كوكب الأرض ، وفي الوقت ذاته ستؤشّرُ تلك الواقعة حلول العصر النوفاسيني Novacene الذي ستسود فيه الآلات فائقة الذكاء . سننزلق بموجب هذه الرؤية المستقبلية في دوّامة هائلة من الخوارزميات التي ستقودُنا نحو مستقبل بعد-إنساني Post-human لانزالُ نملك بشأنه القليل من الفهم الخاص بأنماط من الحياة الألكترونية ، ويبدو مقدار فهمنا له في يومنا هذا مماثلاً للفهم الذي تملكه الدببة القطبية عن الجرّافات الجليدية . 

لطالما أعجِب البشر حتى قبل وقت طويل من مقدم بواكير عصر الذكاء الإصطناعي بالمُخلّقات الإصطناعية التي تجسّدت واقعاً مرئياً على الأرض : خلق بيغماليون (وفقاً للميثولوجيا الإغريقية القديمة) غالاتيا – ذلك النصب العاجي الجميل الذي بعثت فيه الآلهة أفروديت الحياة وصيّرته زوجة لبيغماليون . الغوليم Golem في الفلكلور اليهودي كان كتلة غير ذات شكل من الطين ، وقد بعثت الكائنات البشرية فيه الحياة . 

تناول الكاتب المسرحي التشيكي كارل تشابك Karel Čapek في أحد نصوصه توصيفاً لمصنعٍ ينتجُ عمّالاً إصطناعيين في بلدٍ أسماه R. U. R. ، وهو أولُ من أشاع مفردة " الروبوت " بعد أن مُثّلت مسرحيته هذه في أمريكا عام 1922 ، وربما يكون المثال الأكثر شهرة من سواه هو ذلك الذي تناولته الروائية ماري شيلي Marry Shelley عندما كتبت عام 1816 عن الرعب الفظيع الذي يمكن أن ينشأ عن عالمٍ شاب لامع (هو فيكتور فرانكشتاين) بعد أن خلق وحشاً شريراً أفلتت السيطرة عليه من بقايا بشرية تمّ تجميعها من " ردهات التشريح والمسالخ " . 

كانت الرائعة الأدبية التي كتبتها شيلي هي التي ألهمت وينترسون لكتابة روايتها الأخيرة المسمّاة فران – كس – شتاين Fran-kiss-stein (المنشورة مطلع عام 2020 ، المترجمة) ، وفي هذه الرواية تعمل وينترسون على إجتراح مداخلة ذكية عن طريق توليف تجارب شيلي مع قصّة حب تجري وقائعها في بريطانيا عقب البريكست (خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي) . في هذه الرواية ثمّة طبيب شاب عابر للهوية الجندرية يدعى Ry (يوصف في الرواية بامتعاض على أنه " باكورة المستقبل ") يتولّه في حبّ بروفسور غامض يدعى فكتور شتاين ، وهو خبير في الذكاء الإصطناعي كما يفترضه السياق المتوقّع للرواية . " هذه الحكاية هي قصّة تحكي عن إختراع ماكث في قلب إختراع آخر " : هذا ماتكتبه وينترسون وصفاً لروايتها هذه ، وفي مقابلة لها مع ال BBC وصفت وينترسون الحكاية الأصلية للروائية ماري شيلي بأنها " رسالةٌ مخبوءة في قنينة " لايمكن فهمها بالكامل إلا في أيامنا هذه بعد مائتي سنة من كتابتها ، وكما كتبت الرياضياتية المرموقة آدا لوفلاس Ada Lovelace في القرن التاسع عشر شفرة لتشغيل حاسوب لم يتمّ تخليقه بعدُ فإنّ شيلي كانت تحكي عن عالمٍ لم يتمّ تخليقه كذلك بعدُ ، وتقول وينترسون في سياق حديثها عن هاتين الإمرأتين الخلّاقتين : " كانت هاتان المرأتان تنظران عبر حاضرهما قافزتين نحو مستقبلٍ لم يوجد بعدُ " .

إستكشفت وينترسون طبيعة فردانيتها الشخصية وكذلك طبيعة جنسانيتها في مذكراتها الموسومة (Why Be Happy When ?You Could Be Normal) (المنشورة عام 2012 ، المترجمة) ، وبقدر مايختصُّ الأمر بها فهي ترى أنّ فجر عصر الذكاء الإصطناعي هو شيء ينبغي الترحيب به بل وحتى الإعتزاز به وتوقيره : " الأمر العظيم بشأن الذكاء الإصطناعي (هذا لو حققناه يوماً ما) هو الكيفية التي يمكن لك بها أن تتعامل مع طبيعتك الجندرية . تقول وينترسون في مقابلة لها مع BBC : " هل ستحبّين رجلاً إذا كنتِ إمرأة ، وهل ستحبُّ إمرأة إذا كنتَ رجلاً عندما نبلغ عصر مشاركة تجربة العيش على كوكبنا الأرضي مع أشكال من الكائنات مخلقة ذاتياً وذات طبيعة غير بيولوجية (إشارة إلى الآلات ، المترجمة) وليس لها هوية جندرية محدّدة ؟ يمكن لهذه التجربة أن تغيّر كلّ شيء نعرفه . أنا أحبّ هذا " ؛ غير أنّ العديد من الكُتّاب الآخرين (منهم ماكيوان ذاته) يمتلكون رؤية مناقضة وأكثر قتامة بشأن إنبثاق الروبوتات الإنسانوية Humanoid Robots التي تعدُّ التجسيد المرئي للذكاء الإصطناعي .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top