العقيدة الوطنية أساس السلام الأهلي في روسيا

آراء وأفكار 2020/06/06 05:33:12 م

العقيدة الوطنية أساس السلام الأهلي في روسيا

 د. جاسم الصفار

للإسلام في روسيا أهمية خاصة، سواء من ناحية تنوعه العرقي والمذهبي وتاريخ تجذره في الجغرافية الروسية منذ 1300 عام وحتى يومنا هذا. والأهم من ذلك هو حجم تأثيره في صناعة القرار السياسي في روسيا الاتحادية.

الفرق الكبير في الإسلام بين روسيا، والدول الأوروبية الأخرى هو أن المجتمعات المسلمة في روسيا لم تتشكل من قبل المهاجرين الأجانب كما هو الحال في أوروبا وأمريكا، فسكان روسيا المسلمون، يعيشون فيها منذ قرون، وهم بمثابة السكان الأصليون في معظم مناطق الحكم الذاتي في الاتحاد الروسي، والأكثر إثارة للدهشة أن الإسلام كان قد ظهر في روسيا قبل أن تنتشر المسيحية فيها. 

فقد تغلغلت العقيدة الإسلامية في المساحة الجغرافية التي تكونت منها روسيا الاتحادية فيما بعد منذ منتصف القرن السابع (داغستان)، بينما اعتنق الروس المسيحية متأثرين بالحملات التبشيرية، في القرن التاسع للميلاد. وإن لم يجعل التاريخ من روسيا دولة إسلامية فانه جعلها دولة مسيحية أرثوذوكسية بثقل مجتمعي إسلامي لا يمكن تجاوزه. فمن مجموع 146 مليون نسمة، هو تعداد سكان الاتحاد الروسي، (15٪) منه، أو بما مجموعه 20-22 مليون نسمة يعتنقون الإسلام (حسب احصاءات مختلفة) .

المجتمعات الإسلامية في روسيا تتميز بانجذابها منذ القدم إلى التاريخ الإسلامي وتمسكها التقليدي بالشعائر والعادات الإسلامية. وهي تنتشر جغرافياً في عدة مناطق في الاتحاد الروسي، مثل شمال القوقاز والأورال ومنطقة الفولغا) وهناك ما يقرب من 10000 مسجد في روسيا، افتتح أكبر مسجد في أوروبا في عام 2015 في موسكو التي يتجاوز عدد المسلمين فيها المليون نسمة.

ومع أن للإسلام مكانته في المجتمع الروسي كديانة تقليدية، إلا أنه يعاني، كما هو حاله في جميع أنحاء العالم، من الفرقة الأثنية والمذهبية التي هي واحدة من أهم أسباب ضعف تأثيره في صناعة القرار السياسي للدولة الروسية. عدا ذلك فان للإسلام علاقات مضطربة وغامضة (غالبا تناحرية) مع السلطات الروسية على مدار التاريخ. ويبدو أن تاريخ العلاقة بين الدولة الروسية والإسلام ساهم، من بين أمور أخرى، في تشكيل الوعي الروسي وترسيخ مشاعر الحذر بين الدولة الروسية والمجتمعات الإسلامية فيها. 

في القرن الثامن عشر، تحت تأثير إصلاحات الإمبراطورة كاترين الثانية، خضع جزء من الإسلام في روسيا (الذي كان يمثله في المقام الأول التتار والبشكير) للتحول نحو الحداثة وتبني قوانين الدولة الروسية والاندماج النسبي بالمجتمع الروسي. لذا فمن نواحٍ عديدة، يعتبر نموذج "كازان" (عاصمة تتارستان) نموذجاً للإسلام الحديث الليبرالي المستنير. علما بأن التتار والبشكير يعتبرون أنفسهم أحد الركائز التاريخية للدولة الروسية منذ روسيا القيصرية.

المسلمون الروس هم، على العموم، من الطوائف السنّية. يعيش معظمهم في أربعة مناطق رئيسة: تتار ستان، باشكورتوستان وجمهوريات شمال القوقاز (الشيشان، إنغوشيا، داغستان ...)، أما منطقة الانتشار الرابعة للمسلمين في روسيا فهي مدن وقرى روسيا الاوروبية (موسكو وبيتربورغ ويروسلافل وغيرها) .

من ناحية الانتماء المذهبي، تلتزم تتارستان وباشكورتوستان بالمذهب الحنفي، وهي أكثر ليبرالية لأنها تسمح بتفسير منطقي معين للمسائل القانونية والعلاقات الاجتماعية. أما شمال القوقاز، فينتمي في الغالب إلى المذهب الشافعي، الذي يترك مساحة أقل للتفسير المنطقي العقلي للنص الديني بما من شأنه أن يوسع الفجوة بين الالتزام الديني والواقع الذي يفرضه التطور العلمي وانعكاساته على الوعي الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يحمل بصمة التقاليد الصوفية. أما الإسلام في المناطق الأوروبية من روسيا فانه متعدد الانتماءات للمذاهب الإسلامية المعروفة، بما فيها المذهب الشيعي، تبعا للانحدار القومي، وهم في تصرفاتهم وأنماط حياتهم لا يختلفون كثيراً عن حال أقرانهم من المسلمين الذين يعيشون في الدول الأوروبية الغربية وأميركا.

على الرغم من هذا التنوع في الانتماءات المذهبية والعرقية لمسلمي روسيا فإن القيادة الروسية منذ العهد القيصري فضلت أن تتعامل مع مركز واحد للمسلمين بكل ترتيباته الهرمية وممثلياته المحلية، مهمته إدارة دور العبادة وتهيئة وتعيين الائمة. وليس من شك بأن مراكز دراسة وإعداد الائمة وأداء دور العبادة تراقب عن كثب من قبل السلطات سواء في الحقبة القيصرية أو السوفيتية وحتى وقتنا الحاضر لكي يكون الخطاب الديني منسجماً مع الانتماء الوطني للمسلمين في روسيا. 

ولابد من الإشارة هنا الى أن الاتحاد الروسي تبنى سياسة سيادية بشأن الإسلام في روسيا وطرد الأئمة الأجانب في أوائل التسعينيات من أراضيه، كما حظر أي تمويل خارجي، ولا سيما من دول الخليج. بالإضافة إلى ذلك، فإن الوهابية وأنشطة الإخوان المسلمين محظورة في البلاد. ويتم تدريب الأئمة الروس في الجامعات المحلية (قازان وموسكو ...). أي أن الأئمة الذين يدرسون في الشرق الأوسط، وخاصة في المملكة العربية السعودية، غير مرحب بهم لتولي إدارة مساجد المسلمين في روسيا، إلا بعد فترة إعادة تأهيل طويلة تحت إشراف يقظ. وفي نهاية المطاف، فإن مثل هذا الإجراءات غير المتساهلة مع الائمة والدعاة الدارسين خارج روسيا يجعل الأغلبية من الراغبين في الدراسة في المعاهد الدينية الأجنبية، تتخلى عن هذه الفكرة وتفضل التسهيلات الممنوحة لها في الدراسة داخل روسيا.

ورغم ذلك، لم تنج روسيا من تصاعد المشاعر الانفصالية التي اختلفت حدتها من مكان الى اخر في الدولة الروسية التي عانت من حالة ضعف بنيوية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. كان خطر الإرهاب الإسلامي موجوداً دائماً على الأراضي الروسية، وقد فهم الكرملين منذ فترة طويلة حجم المشكلة التي تطورت الى حرب دموية قاسية في جمهورية الشيشان، تمكنت روسيا في النهاية من إخمادها وتحقيق الانتصار فيها، مقدمة لقاء ذلك الآلاف من الضحايا والدمار الشامل.

إلا أن تجربة حرب الشيشان لم تكن كافية، على قساوتها، لتردع المشاعر الراديكالية السلفية عند مسلمي روسيا، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية، فترة ما يسمى بالربيع العربي، التي وضعت الدولة الروسية أمام اختبار آخر لكبح مشاعر التطرّف الديني بعد تجربتها القاسية في مواجهة الانفصال الشيشاني القوقازي المستند الى العامل الديني إضافة الى العوامل الأثنية. 

حاولت سلطات موسكو في البداية ان تقلل من تأثير ما جرى في المنطقة العربية على الشباب من المسلمين الروس، وقد نجحت جزئياً عندما كانت الاضطرابات في المنطقة العربية متجلية في بداياتها كحراك شعبي ضد حكومات بعض البلدان العربية، قبل أن تتحول الى إرهاب منظم تقوده قوى مسلحة دينية ومذهبية مموّلة من دول عربية رجعية ومدعومة من دوائر غربية، كما هو الحال في سوريا. 

عندها غيرت السلطات الروسية من سياستها الأولى بمنع مشاركة المسلمين الروس في الأحداث العربية الى أن أصبحت تغض النظر عن هجرة الشباب الروس المسلمين للمشاركة في الأحداث الدموية في سوريا. وكانت النتيجة انضمام أكثر من 5000 مسلم روسي إلى صفوف الجهاديين في سوريا. وتبين فيما بعد أن السلطات الروسية اعتمدت هذه السياسة لإبعاد التهديد عن البلاد والحصول على فرصة للتعامل مع الإرهابيين من المسلمين الروس في منطقة أخرى.

في الوقت الحاضر، في روسيا، يشارك الأئمة والمفتون واللاهوتيون والعلماء والمؤسسات الدينية مثل جامعة موسكو الإسلامية على أعلى مستوى في مكافحة التطرف الديني وانتشار الإسلام السلفي بين الشباب المسلمين الروس. بالتوازي مع هذا، تعمل السلطات والمنظمات الدينية معاً للجمع بين الإسلام والوطنية. في عام 2015، أصدر مجلس الافتاء للمسلمين الروس، وثيقة وطنية تشير إلى مكان ودور المسلمين في حياة روسيا، يحدد العلاقة بين مصادر الشريعة الإسلامية والقانون الروسي. مؤكدة على أن من يحكم على التزام المسلمين بعقيدتهم الدينية هو الله في اليوم الآخر أما من يحكم على تصرفاتهم في وطنهم فهو القانون الروسي والعقد الاجتماعي (الدستور) المقر من قبل أغلبية سكان روسيا على اختلاف أعراقهم ودياناتهم. 

وعلى العموم، يبدو أن روسيا أفضل حالاً في مواجهتها لتهديدات التطرف الإسلامي من الديمقراطيات الغربية. وربما يكون العامل الأهم في نجاح روسيا هو تمسك الدولة بالعقيدة السياسية الوطنية منذ بداية القرن الحالي، وما تضمين الدستور الجديد (ألمهيأ للاستفتاء العام) مفردات هذه العقيدة السياسية إلا دليلاً على نجاحها في تحقيق السلام الاجتماعي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top