هكذا مرّت الأيام.. بلقيس شرارة تروي خفايا معلنة

هكذا مرّت الأيام.. بلقيس شرارة تروي خفايا معلنة

موج يوسف

حين تمرّ السنون ترافقها محطات تقف عندها الذاكرة عندما تصبح شجرة معمّرة تساقط منها الذكريات تقلبُ أوراقها في فصول مختلفة بين التاريخ والسياسية والأدب الفن ، فتروي لنا بلقيس شرارة في كتابها (هكذا مرّت الأيام) الصادر عن دار المدى في بغداد .

رحلتها العميقة بسطورٍ تحملُ مشاهد من شريط سينما الذاكرة العراقية وكان أوّل شريط الذكريات في الفصل الافتتاحي ( حي العمارة النجف) واصفة هذا الحي بأنه ( كتلة متماسكة من الناس في إقامة الافراح والأحزان ) ص 12 . بينما طفولتها فيه وهي بنت الستة شهور لم تكن هادئة كشقيقتها مريم ، صراخها الطفولي ومحاولات إسكاتها لم تنفع مع تمرد الطفلة لتكون شابة مؤمنة بالحرية ، كانت ولادتها في يوم حافل عالمياً بتقلد هتلر قيادة الحزب النازي عام 1933وهو نفسه العام الذي توفي فيه الملك فيصل الأول في العراق وأدت وفاته إلى هيمنة نوري سعيد وترى بلقيس أن الأخير منه انطلقت الصراعات الدموية في المجتمع العراقي (ص23) في ظل تقلبات محلية كانت نشأة بلقيس وانتقال عائلتها إلى الناصرية عندما انخرط والدها في السلك التدريسي في ثانوية الناصرية الأمر الذي جعله يسجلها مع اختها في المدرسة ممّا اضطره إلى تكبير عمرها في دفتر النفوس وترى أن هذا الشيء طبيعي ( في عالمنا الإسلامي ولم أكن وحيدة في الصف بل كانت رفيقات كثر مثلي) ص 36 .وينتقل قطار الرحلة إلى الحلة لكنها ناقصة العدد لأن والدة بلقيس لم تكن معهم وجاءت عمتها خديجة شرارة من بيروت لتعتني بهم وكانت نكسة في طفولتها عند غياب الأم وتذكر بلقيس أن أصعب مشكلة واجهتها هي الآيات القرآنية عن ظهر قلب وهذا اشعل النار في العائلة لأن محمد شرارة أستاذ اللغة العربية يرى التقصير في هذه الأمور انتقاص بحقه . وتهبط رحال الرحلة في بغداد في الفصل الثاني ( الانتقال إلى بغداد) وقد قضت دراستها في الرستمية في بغداد وكانت العاصمة وختام مرحلة الابتدائية بنجاح ذات تحول عميق في حياتها ( ولكنني شعرتُ أنني انتقلت من مرحلة إلى أخرى غيرت الساعة أنغام النهار وأوقاته أنظر إليها بين الفنية والفنية أصبح الوقت فجأة مهماً) ص 67 . وبهذا تدخل بلقيس مع الزمان والمكان إلى عالم السينما والقراءة لكونها عاشت في جو يهيمن عليه الكتاب فتقول( فتحتْ قراءة الأساطير اليونانية وملحمتي الأوديسة والإلياذة أمامي أبواباً جديدة فعشتُ صراع الأبطال وتقلب حظوظهم بين الخير والشر) ص79 . بدأت رحلة بلقيس السياسية من معاهدة بوتسموث عام 1948 والتي ألزمت العراق بالوقوف الى جانب بريطانيا ومنها انطلقت مظاهرة كبيرة مناهضة لهذه الاتفاقية وازدادت حدّتها بعد مقتل شقيق الشاعر الجواهري خرجت الثانويات كلها متظاهرة وتأزم الوضع الذي جعل السلطة تتراجع عن إبرام المعاهدة وتذكر بلقيس أنها انخرطت في قضايا المجتمع إذ بدأت بحضور اجتماعات رابطة المرأة وكان أول اجتماع لها عام 1950 في دار د. نزيهة الدليمي ومنه خرجتْ متحمسة للنضال وتلبية نداء المقاومة والثورة ولم تخلُ بلقيس من خيبات الأمل ولاسيما عندما اوقفت وزارة المعارف البعثات الجامعية عام 1951 فضاع حلمها في الدراسة بانكلترا متخصصة في الأدب الانكليزي ممّا حدا بها الالتحاق في جامعة بغداد كلية الآداب قسم الانكليزي واتاح لها اللقاء لأول مرة بالكاتب جبرا ابراهيم جبرا ودزمند ستيوارت أثناء المقابلة الدراسية . كما تذكر أن الكلية كانت تعقد اجتماعاً أسبوعياً كلّ يوم اثنين بتجمع الطلبة والاساتذة وكان الشاعر مظفر النواب في قسم اللغة العربية وقد ألقى قصيدته الشعبية (مروكي) ممّا جعل العميد الدوري يلغي الاجتماع بشكل مفاجئ . الفصل الثالث من الكتاب كان رحلة بقليس نحو الحبّ ولقاءها مع شريكها الأبدي رفعة الجادرجي فكان أن ذاك والد بلقيس في السجن وكانت مفصولة من الكلية بسبب مشاركتها في انتفاضة 1952 وتدهور الوضع الاقتصادي في بيتها ، كان لقاؤها الأول برفعة بيت د. سميرة بابان وكان عائداً لتوه من انكلترا لتفتح أبواب اللقاءات وتصل إلى لقاء بلقيس بعائلة الجادرجي ولا شك أن العائلة كانت متوجسة من تلك (الفتاة الغربية) وهذا التوجس جاء بإعلان خطوبتها من رفعة ممّا جعلهما ينبذان التقاليد وأولها عادة لبس الخاتم وحتى عقد القران كان بفستان أسود لبسته بلقيس ممّا جعل أم رفعة تقول ( عروس ولابسة أسود ) ص 130 كما استمر الخرق لهذه العادات بتولي العصمة بيد بلقيس عندما أعلن القاضي هذه الجملة على مسامع رفعة لمرتين ويجيب ب(نعم) وتمت الأمسية الاحتفالية في منزل الرسام جواد سليم ، ومراسيم الزفاف جاءت خالية من كل ما هو مألوف بلا فستان وبلا زفة سارا وفق عدم اتباع العادات. وتعود الثورات العراقية لتأخذ الفصل الرابع من الكتاب (ثورة 14 تموز) وما حملته من تجليات على المشهد العراقي ، كان رفعة في ذاك العام مديراً للإسكان العام وعضواً في مجلس أمانة العاصمة وقد وجهت له دعوة لزيارة موسكو وتقول في الاتحاد السوفيتي ( مازال بالنسبة لي حلماً مغلفاً بغلالة وردية)ص173 ، شهدت هذه المرحلة إعماراً واضحاً في بغداد حين طُلب من رفعة تصميم ثلاثة أنصبة الجندي المجهول ، نصب 14 تموز الحرية وكان للفنان جواد سليم دورٌ في ذلك الذي استبده الإرهاق والأرق أثناء إكمال النصب وتسبب له بأزمة قلبية خسر حياته وهو في قمة العطاء عام 1961 . الفصل الخامس تمثل في رحلة بلقيس بذكرها لانقلاب 8 شباط وتقول ( لقد أسقِط قاسم بإذاعة بيان وبضعة دبابات)ص201 . وعندها تعرض رفعة لمحاولة الاعتقال من قبل المقاومة الشعبية لولا احباطها من قبل محمد حديد ، وبلقيس تم تجميد عملها في الجامعة ثم عزلها عن العمل من دون مبرر لهذا القرار . استمرت رحلة رفعة في التصميم والبناء وصاحب هذه المرحلة وفاة كامل الجادرجي ، وسقوط هليكوبتر التي نقلت عبدالسلام عارف ليصبح أخوه عبدالرحمن رئيساً للجمهورية وتكمل سلسة الانقلابات في الفصل السادس انقلاب 1967 وقتل ناجي شوكت ابن خال رفعة الذي كان بعثياً يعتمد عليه ولكونه خالف تعليماتهم . تبدأ رحلة صدام حسين وفوضويته في الحكم الطاغي وكان منها الحكم بالسجن المؤبد على رفعة وما حدث من انتخابات 1980 وإشاعة الارهاب الفكري وقمع المعارضة أصدر أمراً بالإفراج عن رفعة ولم تكتمل فرحتهم بالإفراج فقد حلقت في سماء العراق طائرة الحرب بين العراق وإيران وكان الفصل السابع رحلة مضنية اتسمت بالفراق عندما وجهت جامعة هارفرد الدعوة لمدة عام . ثم يسدل الفراق أستاره على رفعة وبلقيس لتستقر رحالهما في أوروبا وتكون حافلة بالنجاحات ومنها في عام 1987 ليترشح رفعة من قبل الجمعية المعمارية AA ويصبح عضواً فخرياً فيها وقال له المعمار فنتوري ( لقد تأخروا في منحك عضوية الشرف فأنت تستحقها منذ أمد طويل)ص319 .ولا بد للمرض أن يأخذ دوره في الحياة فبلقيس عانت منه وأصبح الحالة الدائمة لها لتأتي حالة لازمت العراق وهي حرب الخليج عام 1991 عندما هجم العراق على الكويت ليصبح العراق المركز الرئيس في احتلال المساحة الإعلامية من أخبار العالم ، وتصرخ بلقيس ( رفعة بدأت قوات التحالف قصف بغداد)ص329 وفي محطة الاستقرار الأخير كانت في لندن في الفصل الثامن وجاءت هذه المحطة بموجات من فقد الأشخاص والأحباب أهمها انتحار حياة شرارة وابنتها مها ووفاة الشاعر بلند الحيدري والخسارات الاقتصادية لتختم الرحلة في الفصل التاسع الحرب الاميركية على العراق عام 2003 وتقول( لم يمر سوى أيام على فرحتنا التي انتظرناها لعقود طويلة في التخلص من النظام الجائر ..حتى أطلّ علينا التاريخ بظله القاسي يذكرنا بأيام هولاكو عام 1258 حيث كانت بغداد تعاني من حرق وتدمير تراثها تحت انظار الجيش الامريكي ).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top