كورونا والبحث عن مجتمعات أكثر عدالة

آراء وأفكار 2020/06/16 05:49:04 م

كورونا والبحث عن مجتمعات أكثر عدالة

 علي حسين

تصفه الصحافة بأنه أقرب إلى نجم من نجوم موسيقى الروك أكثر من كونه عالم اقتصاد ،قال بعد أن حصل على الشهرة والمال :"لدي الوقت الكافي لكي اعتاد على وضعي الجديد. لكن في كل الأحوال مازلت نجماً صغيراً"، الشاب الذي ولد في إحدى ضواحي باريس يوم السابع من أيار عام 1971 ، تأثر بوالده الذي ينتمي إلى عائلة برجوازية غنية ، لكنه تمرد عليها ، وتزوج من فتاة عاملة ،

حيث سينضم الأب والأمّ الى منظمة تروتسكية غادراها بعد مدة حين اكتشفا أنها" تحرّف "أفكار كارل ماركس الذي عشقته هذه العائلة الصغيرة ، فكانت تعلق صورته على جدار غرفة الجلوس ، والمثير أن توماس بيكيتي عندما أكمل كتابه " رأس المال في القرن العشرين" ، أعطى المخطوطة لوالدته لكي تعطي رأيها في الكتاب قبل طباعته ، وبعد أسابيع اكملت الأمّ الكتاب وأبدت سعادتها به قال بيكيتي إن أمّه :

" لا تقرأ الكتب الأكاديمية الكبيرة ، لكنها قرأت كتابي ، وأعتقد أنها فهمت كل شيء ... من غير الصحيح أن قضايا الدخل والثروة وعدم المساواة ورأس المال تكون معقدة للغاية. أعتقد أن الاقتصاديين يحاولون التظاهر بأنها معقدة للغاية ، ويستخدمون نماذج رياضياتية معقدة للغاية لمجرد البحث العلمي ومحاولة إقناع الآخرين " ، وعن استقبل القراء لكتابه قال بيكيتي :" إنه كتاب قابل للقراءة ، صحيح إنه يستغرق وقتاً للقراءة ، لكنني أعتقد أنه من المفيد قراءة الكتب ، لا يوجد شيء يمكنني القيام به للأشخاص الذين لا يقرأون الكتب ، وهذا يتجاوز قوتي " .

يعترف بيكيتي بتأثير عائلته عليه ، يتذكر في صباه كيف أن أباه كان ينصحه بقراءة الروايات الثورية ، يتحدث عن ذكرياته مع رواية " ما العمل ؟ " لنيكولاي تشيرنيشيفسكي والتي كانت بمثابة الكتاب المقدس للتروتسكيين ، وهي الرواية التي عنون لينين اول عمل سياسي رائد له بـ " ما العمل؟ " نشره عام 1902 ، وهناك بلزاك وشخصياته التي تبحث عن الثروة حتى وإن كان بطرق غير مشروعة ، ولايزال بيكيتي يتذكر تأثير رواية الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتيس " قدر ورغبة " التي وجدها مليئة بالأفكار الاقتصادية حول انتقال الثروة ، إضافة الى الكتب يعشق بيكيتي السينما التي يذهب إليها أكثر من مرة في الأسبوع . يلاحظ أن العقد الاجتماعي التي رسّخته فرنسا منذ عقود مهدد بسبب معاناة الطبقات الفقيرة ، ويعتقد أن العالم سيواجه الكثير من الصدمات التاريخية ، لكنه يؤمن أن المناقشة الديمقراطية والاستفادة من التاريخ يمكن أن تجعلنا نفعل ما هو أفضل .

عندما أصدر كتابه " رأس المال في القرن العشرين " ملأ الصحافة بالتعليقات ، ووضعته صحيفة "الغارديان" ضمن قائمة أفضل مئة كتاب صدرت في القرن الحادي والعشرين ، وشغل الناس حتى الذين لا علاقة له بهذا العلم الجاف وأعني الاقتصاد ، فالموضوع الذي طرحه توماس بيكيتي هو " المساواة بين البشر " ، حيث يقدم لنا في كتابه إحصاءات تدل على أنه طوال مدة تزيد على أكثر من 200 عام اصبحت المجتمعات تبتعد أكثر فأكثر عن تحقيق المساواة ، والسبب يرجعه بيكيتي إلى : " أن العائد على رأس المال بكل مصادره وأنواعه - يميل تاريخياً إلى الزيادة بنسبة تفوق معدل النمو الاقتصادي في شكل عام " . وهذا يؤدي إلى حصر الثروات بيد فئة قليلة حيث تصبح هذه الثروات أعلى من معدل نمو الدخل القومي ، والدخل الذي تحصل عليه الفئات الأخرى.وإن هذا الفارق الهائل سيؤدي بالنتيجة إلى توسيع هوة اللامساواة بين المداخيل والثروة فينزلق العالم إلى بؤس وعنف وحروب.

ويستمد بيكيتي نظريته الاقتصادية من ملاحظته أن نمو الثروة في الدول الرأسمالية أصبح أسرع من الناتج الاقتصادي ، وهو يدعو الى تدخل الدولة لمنع الاقتصاد من العودة إلى ما اسماه ماركس "الرأسمالية الموروثة" ، من خلال تبني ضريبة عالمية على الثروة ، ويشير بيكيتي إلى خطورة النتائج السياسية لظاهرة اللامساواة كما شرحها لأن تَركز الثروة في أيدي فئة قليلة ، قد يؤدي إلى تدمير القيم الديموقراطية التي قامت على أساسها الرأسمالية ومن ثم العودة إلى مجتمع القلة الذي ينقسم فيه المواطنون إلى طبقتين: طبقة مالكي الثروة وطبقة العمال . ويحذر بيكيتي من أن ذلك سيؤدي بالمجتمع الرأسمالي إلى العودة إلى المجتمع " الريعي" وهو المجتمع الذي ربما تهدده عوامل الاحتجاجات والاضطرابات. ويرى أن الحل لمواجهة هذا الخطر يتمثل في الأخذ بسياسات تقلل من التفاوت في توزيع الدخل وتساعد على إتاحة الفرص لجميع الأفراد في مجالات التعليم والتدريب واكتساب المهارات التكنولوجية والعلاج والتأمين والمعاشات والرعاية الاجتماعية.

بيكيتي الذي يقول لمراسل مجلة نيويورك إنه يقضي فترة الحجر المنزلي في شقته الواسعة في باريس ، ولهذا فان عائلته لا تعاني من آثار الحجر ، وهو يشير الى معاناة العوائل التي تسكن شقق وبيوت صغيرة ، حيث يصف ما جرى في العالم بسبب فايروس كورونا بالأمر الغريب :" إن أول أثر واضح للأزمة هو أننا نرى عنف عدم المساواة الاجتماعية. لذا ، كما تعلمون ، الناس ليسوا متساوين فيما يتعلق بعمليات الإغلاق. فهي ليست متساوية فيما يتعلق بالبطالة وفقدان الدخل. لذا - كما تعلم - يمكنك رؤية الأشخاص الذين لديهم منزلاً صغيراً جدًا أو الأشخاص الذين ليس لديهم منزل ، والذين لا مأوى لهم ، في وضع مختلف تماماً عن الأشخاص المحبوسين في شقتهم الجميلة أو منزلهم الجميل "

بيكيتي يرى أن فايروس كورونا كشفت عن مساوئ عدم المساواة التي تسود العالم .. يكتب لصحيفة الغارديان أنه ربما تنبأ بالأزمة التي ستحدث في دول أوروبا وأميركا في كتابه " رأس المال والأيديولوجيا " الذي صدر في الشهر الاخير من عام 2019 ، ففي ثنايا الكتاب دق ناقوس الخطر باستحالة استمرار أنظمة ومجتمعات اللامساواة لأن مصيرها هو فناء الكوكب يكتب في الفصل الاخير من رأس المال والأيديولوجيا :" لابد من العمل على إحداث تحولات جذرية وبنيوية للنظام الاقتصادي اللامساواتي السائد والموروث قسرا في اتجاه العدالة الحقيقية للجميع دون تمييز. وإلا فإن البديل المتوقع هو التدمير الذاتي.. فلا مناص من إقامة المجتمع العادل " ، ومن جديد يستعرض لنا بيكيتي تاريخ البشرية من زاوية اللامساواة والتوزيع غير العادل للثروات والتبريرات التي تؤسس ما اطلق عليه تسمية الظلم الاجتماعي . يقول إن كتابه الأخير إعادة لقراءة ماركس من جديد وخصوصا في كتاب"الأيديولوجيا الألمانية" الذي كتبه بالاشتراك مع انجلز عام 1846 ، وفيه يشرح ماركس الوسائل الاجتماعية والسياسية التي حافظ بها الرأسماليون على السلطة . يطرح بيكيتي مفهوم جديد للعدالة الاجتماعية يسميه " اشتراكية تشاركية " يقوم على إشاعة المساواة والملكية المجتمعية والتعليم وتقاسم المعرفة والسلطة ، ويبين صاحب " رأس المال في القرن العشرين " إن عدم المساواة أمر غير مشروع، وأن توزيع الدخل والثروة والتعليم على نطاق أوسع يجعل المجتمعات أكثر ازدهاراً، وإن القضاء على الأيديولوجيات الرجعية شرط رئيس للتقدم الاقتصادي.

ويشرح بيكيتي في مقال بعنوان " ما العمل ؟ " كيف يمكن أن يؤدي التفاوت الشديد إلى إثارة مثل الصدمات في المجتمع ويضرب مثلاً بجائحة عام 1918 عندما تفشى وباء الانفلاونزا الاسبانية وكيف امتد تأثيره على قطاعات المجتمع الأكثر فقراً ، وأعداد الذين ماتوا بسبب عدم وصول إلى الرعاية الصحية لهم ، وهو ما يؤكد أن العديد من المجتمعات لم تكن تسعى للمساواة حتى في مواجهة الأوبئة .

هل يمكن لهذا الوباء أن يوجهنا نحو نوع مجتمع تشاركي ؟ يجيب :" من السابق لأوانه القول ، على وجه التحديد ، لأن الأوبئة يمكن أن يكون لها مثل هذه الآثار المتناقضة على التعبئة والتفكير السياسي. أعتقد على الأقل أنه سيعزز شرعية الاستثمار العام في مجال الرعاية الصحية. ولكن يمكن أن يكون لها أيضاً تأثير مختلف تماماً. تاريخياً ، على سبيل المثال ، تسببت الأوبئة في كراهية الأجانب وتحول الدول إلى الداخل. اليوم تقول الأحزاب اليمينية المتطرّفة أنه لا يجب أن نعود بسرعة كبيرة إلى حرية الحركة في الاتحاد الأوروبي. خاصة إذا كان العدد النهائي للقتلى مرتفعاً جداً في أوروبا ، فهناك خطر من أن الرواية المعادية للاتحاد الاوروبي يمكن أن تكتسب زخماً " .

ويحذر بيكيتي من العواقب الاقتصادية لازمة كورونا :" إذا كانت الخسائر البشرية الكارثية لوباء كورونا هي الموجة الأولى التي تضرب العالم هذا العام ، فإن عواقبها الاقتصادية الشديدة - بما في ذلك فقدان سبل العيش للفقراء عبر البلدان ، مما يؤدي إلى النزوح الداخلي الواسع النطاق والمجاعة في كثير من الحالات " .

كفيلسوف اقتصادي يرى بيكيتي أن على الحكومات أن تدرك أن ما بعد كورونا عليها العمل على تمكين كل قوة للمشاركة في الاقتصاد. وهو يحذر من أن العالم قبل كورونا كان يعيش من دون تكافؤ الفرص :" نعيش في عالم حيث لا يحصل 50 ٪ من السكان على أي ثروة موروثة من الدرجات العليا ، بينما يتلقى البعض الآخر الملايين أو المليارات " .

وبرأي بيكيتي ، تكمن المشكلة في عدم وجود طموح سياسي لتغيير النظام الاقتصادي ووضع نظام يقوم بالفعل على العدالة الاقتصادية :" نحن بحاجة إلى التفكير مرة أخرى في كيفية التوفيق بين الازدهار والمساواة" .

ويتساءل بيكيتي في مقال آخر نشرته الغارديان بعنوان " عصر النقود الخضراء :" هل يمكن لأزمة كورونا أن تعجل باعتماد نموذج تنمية جديد أكثر إنصافاً واستدامة؟ ، ويجيب بنعم ، شريطة أن تعمل الحكومات لصالح

لصالح الاقتصاد الحقيقي وتستخدم موارد الدولة لخدمة الأهداف الاجتماعية والبيئية.

ما الذي يجب علينا إنجازه؟ يشير توماس بيكيتي إلى الكثير من التفاصيل الاقتصادية، التى يجب أن يتسم بها العالم بعد كورونا ، والتي تتعلق بنظم: الملكية، والدخل، والضرائب، وشفافية مسارات ومآلات الثروة فى المجتمعات، والأجور العادلة والعمل على إعادة بناء المنظومة التعليمية حول قيمة محورية هي قيمة العدالة.

يسمي بيكيتي موقفه " العدالة الاجتماعية " ويراه وكأنه وريث نظرية ماركس ولكنه يختلف عنه في مفهوم الأشكال النفعية للاقتصاد ويكتب أن العالم اليوم يقف عند مفترق طرق بسبب السياسات التي تتبناها الأحزاب اليمينية في أوروبا :" خلال جزء كبير من القرن العشرين كانت الدول الديمقراطية تحاول تقليل الهوة بين الأغنياء والفقراء، وليس بالضرورة ردمها. لكن، في القرن الحادي والعشرين، زادت هوة أخرى، بين الوطنيين المتطرفين والوطنيين المعتدلين. بين الذين يدعون إلى الانغلاق، والذين يدعون إلى الانفتاح ، حتى داخل الدولة الواحدة، زادت الهوة بين الذين يركزون على الوطن، والذين يركزون على العرق " .

ويوضح بيكيتي كيف يمكن للصدمات مثل الحروب والأوبئة أن تدفع الى تصحيح مسارات الدول التي يعاني المواطن فيها من التفاوت :" أن الحربين العالميتين كانتا إلى حد كبير نتيجة لعدم المساواة الشديدة التي كانت موجودة في المجتمعات الأوروبية مما ساعد على تفشي الوباء على قطاعات المجتمع الأكثر فقراً " .

وفي النهاية هل يمكن لوباء كورونا أن يوجهنا نحو مجتمع أكثر عدلاً ؟ يقول توماس بيكيتي لمراسل صحيفة الغارديان :" أعتقد أنه من السابق لأوانه أن نقول ما هي العواقب الكاملة طويلة المدى ، من حيث السياسة الاقتصادية والأيديولوجية السياسية لهذه الأزمة. هذا درس عام جديد من التاريخ ، وهو أن مستوى التفاوت الاجتماعي عبر المجتمعات يعتمد في المقام الأول على التعبئة السياسية والتغيير الأيديولوجي ، بدلاً من المحددات الاقتصادية أو التكنولوجية البحتة. لذا ، كما تعلمون ، يمكن أن تتغير الأشياء بشكل أسرع بكثير من الخطاب السياسي المهيمن الآن " .

ولهذا يجد بيكيتي أن الاستجابة الصحيحة لازمة كورونا هي في إحياء الدولة الاجتماعية وتسريع تطورها :" ستطالب هذه الدولة الاجتماعية الجديدة بنظام ضريبي عادل وإنشاء سجل مالي دولي يمكّنها من جلب أكبر وأغنى الشركات إلى هذا النظام. يشجع النظام الحالي للتداول الحر لرأس المال ، الذي تم إنشاؤه في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي تحت تأثير أغنى البلدان - وخاصة في أوروبا - على تهرب اصحاب الملايين والشركات المتعددة الجنسيات، يمنع الدول الفقيرة من تطوير نظام ضريبي عادل ، والذي يقوض بدوره قدرتها على بناء دولة اجتماعية " .

ويضيف أنه لم يعد سراً أن معظم الضحايا من الفقراء، غير أن وجود ضحايا أغنياء ومشاهير يمكن أن يكون واحداً من الدروس التي يدعو لها هذا الكتاب، وهو أن العائلة الإنسانية جسم واحد، إن اشتكى عضو، اشتكت معه سائر الأعضاء ، وإن علينا أن نفكر في الفرص التي قد يوفرها هذا الوباء لبناء مجتمعات أكثر عدالة وأكثر مساواة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top