قناطر: الوطن في حانة الغرباء

طالب عبد العزيز 2020/06/16 06:07:17 م

قناطر: الوطن في حانة الغرباء

 طالب عبد العزيز

في المدن التي تتلطف بخصورنا على جسورها دائماً، في القرى النائيات، حيث يتهجى المهربون اسماء المخافر على آمادها، وحيث ينغلق الليل على شبكة صياد غريب، ولما يئن للقمر بعد مصارحة الموج..

في المدى الموقوف على التذكر والنسيان وترديد ما لانملك اسماءه، هناك، سنقف طويلاً، ننعم النظر في قوارب الآتين، قوراب الذين عبروا، وتركونا على امتداد القصب والأبقار الصاخبات، لا نعرف جهة في الصمت سوى ما ترسمه المجاذيف على الماء. هناك .. حيث أهملنا كل شيء، هل سيتسنى الوقت لنا لنقول كلمة تأخذها الريح التي تهب من الجهات كلها، هل يمنحنا العابر المتعجل فرصة أن نجلس على الجذوع الرطبة ذاتها، نمسك بما تحدثه الاقدامُ على العشب، وقد غادرهُ الذين نحبهم ؟

ظل صاحبي يهمس بي في الخندق الذي حفرناه معاً في غابة النخل المقابل لعبادان، حيث كانت القنابر تساقط في ما بيننا : لا اريد أن أموت في حرب على الحدود، لا أريد أن أموت، الموت هو الموت ذاته، بأسمائه كلها، سواء أكان على جبلٍ أو في مستنقع، في برية حفر الباطن أو في جوف الرمل . حتى الموت على الحدود لم يعد مشرفاً كما كان من قبل، هناك خلل ما في تركيبة الانتماء، في مادة المواطنة وفي كيمياء اللغة والجسد والرعدة بعد الفعل الجنسي، هناك من يعبث بفيزياء الروح، أنا لا أنتمي لأغنية باردة في المذياع.

وفي لحظة أزعم أنني اخترتها له، كان صاحبي يصيح بي: .. ولا اريد أن أقتل في نزاع عشائري/ كل الذين قتلوا هناك كانوا من عشائر محترمة، هو لم يذهب في فلسفة الاحترام بعيداً، لكنه قال، وهم محترمون بموتهم بالتاكيد، لكن، ماشأني بذلك؟ فأنا بلا عشيرة أصلاً، وأنا رجل من عامة الناس، أحب من النهار كل ما تشرق الشمس عليه، مثلما أحب من الليل ما يتعصفر في الأفق ساعة تغيب، فلا يشركني أحدٌ في ما خلف السدة من الموت، فقد عبرت القناطركلها الى بيتي في قطاع بالثورة أو بالمدينة .. مخموراً، ولا أريد أن يتخطفني أحد افراد المليشيات أنا لا انتمي لأي حزب، ثم من قال لكم إنني وطني، أبداً ، وأنني خرجت في تظاهرة؟ أنا بلا وطن منذ سنوات.

لا أريد أن أقتل في شجار على جاموسة أو على كلب حتى، من أنا كيما اقتل هكذا؟ خذوا الجواميس كلها وخذوا الكلب أيضاً، هذه بضاعتكم، ولا اريد أن ينتزع أحد مني حقي في الحياة أنا سأهبه ذلك طواعية. ثم من قال لكم إن لي حق في حياتكم هذه؟ لا أريد أن أسجن بسبب من قضية شريفة، أو غير شريفة. إذ كل سجين سيتقاضى راتباً. وهذا ما لا أريده. أنا لن أحرق إطاراً في شارع، ولن أقتحم مصرفاً، كل الذين قاموا بذلك استحقوا القتل وصاروا شهداء وتقاضوا الرتب والرواتب.. لذا أخشى أن أحسب سجيناً سياسياً. لا، لا .. أريد أن أموت في قضية شريفة واحدة ، مثل أن أسقط من نخلة، أو أقع في نهر، أو يعثر علي ميتاً، مخموراً في حانة للغرباء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top