في أزمة الشعر

في أزمة الشعر

ميادة سفر

منذ زمن بعيد وأزمة تراجع الشعر أمام الفنون السردية تأخذ منحنيات درامية عدة، تتعدد الآراء والمواقف بشأن هذا الموضوع، ففي الوقت الذي شدّدت بعض دور النشر بعدم نشر دواوين الشعر والتخصص في السرديات والقضايا المعرفية ،

نجد المتلقي لا يتفاعل بالمستوى المطلوب مع الحراك الثقافي الشعري ، حتى أصبح مرتادو الأمسيات الشعرية يعدّون على الأصابع بعد أن كانت القاعات حتى وقت قريب تغص بالحضور المتلهف لسماع قصيدة، وكأنه اكتفى بالمعروض التاريخي والتراثي وأغلق الباب على كل التجارب الجديدة.

ما زالت بعض الصحف والمجلات تضع هامشاً صغيراً في صفحاتها للشعر، إلا أنّ هذا لم يعد يشكل المجد الذي يصبو إليه الشاعر اليوم، حتى ليبدو أنّ الجينات الثقافية اختلفت وما عاد الشعر يملك تلك الحظوة التي يتنافس عليها الجميع . هذا يدعونا للتساؤل عن الأسباب التي تكمن وراء ذلك، هل المشكلة في شخص الشاعر أم في القضايا التي يقدمها، أم هي فعلاً تغيرات في الذائقة الثقافية، وحلول السرديات من قصص وروايات محل الشعر الذي كان "ديوان العرب" ؟

كثيرون هم الشعراء الذين باتوا يجمعون بين الشعر والرواية أو غيرها من أشكال السرد الأخرى ، فكأننا بهم غير قادرين على التخلي عن الشعر كجانب وجداني أصدق في التعبير عن مشاعرهم الداخلية، وراغبين بالولوج في عالم الرواية الأكثر جذباً للقراء في الوقت الحالي ، فبقيت لمسات الشعر حاضرة في كتاباتهم ، أفلا نقول عن روائي ما إنه يكتب بأسلوب شعري، فما الضير إذاً من الجمع بين هذين النوعين من الأدب، ولما الإصرار على سطوة أحدهما على الآخر، وكأننا في معركة لابدّ من منتصر في ختامها.

والحديث عن هذا الجانب بالتحديد يحيلنا للبحث عن هذه الظاهرة التي لم تعد حكرا للعالم العربي فقط، بل نجد لها حضوراً واضحاً في الغرب، والأمثلة على ذلك كثيرة ولم تشكل أية مشكلة لديهم وقلما سمعنا بتلك الأزمة التي يتم الحديث عنها في الأوساط الثقافية العربية بكثير من الضجيج.

الكاتب الأرجنتيني "بورخيس" (1899-1986) بدأ حياته الإبداعية شاعراً وكانت أولى مجموعاته الشعرية بعنوان "حماس بوينس آيرس" صدرت عام 1923، ليتحول لاحقاً لكتابة القصص والمقالات، وقد صدر له مؤخراً ترجمة لكتاب بعنوان "صنعة الشعر" وهو مجموعة من ست محاضرات تمحورت حول الشعر لغزاً وصياغة واستعارة، صدرت بترجمة الراحل صالح علماني عام 2019 عن منشورات الجمل.

ومن أدباء الغرب الذي جمعوا بين الشعر وأنواع أخرى من السرد، الشاعر والروائي الفرنسي لويس أراغون (1897-1982) ومن أشهر مجموعاته الشعرية "عيون إلزا" وقد كتب أراغون العديد من المجموعات القصصية منها "سلسلة العالم الحقيقي"، كما ألف في مجال النقد والنظرية النقدية عدداً من الكتب والمؤلفات.

قد نجد أمثلة كثيرة لشعراء تحولوا من الشعر إلى الرواية أو القصة أو سواهما من الفنون السردية في الغرب دون أن يشكل ذلك انتقاصاً من الكاتب أو يخلق أزمة.

في التاريخ الثقافي العربي لم يتربع الشعر وحيداً على عرش الأجناس الأدبية، ولم يحتكر الساحة الثقافية، فقد وجدت السرديات إلى جانبه بدءاً من الحكايات إلى الأساطير والملاحم ووصولاً إلى الرواية والقصة وذلك حصل تبعاً للتطور الأسلوبي والحكائي السردي.

ربما كان ابتعاد الشعراء عن القضايا الكبرى سياسية كانت أم اجتماعية أثرّ إلى حدٍ ما في الجمهور وذائقته الفنية، حين ارتاح بعض الشعراء واستسهلوا كتابة القصيدة، ألم يقل الشاعر الدمشقي نزار قباني: "ماذا من الشعر يبقى حين يرتاح"، يوم كان الشعر العربي محرضاً على الثورة ومطالباً بالحقوق ومحركاً للشوارع، والساحة الأدبية زاخرة بأسماء شعراء تركوا بصماتهم الباقية إلى اليوم أمثال سميح القاسم وأمل دنقل وأحمد مطر ومظفر النواب صاحب قصيدة "القدس عروس عروبتكم" التي إلى اليوم تهز الضمائر العربية وفدوى طوقان ونازك الملائكة، أسماء كثيرة لا مجال لذكرها في هذا الحيز الضيق ممن أثروا التاريخ العربي الثقافي عموماً والشعري بشكل خاص.

قد يكون الشعر في أزمة لكن ليس للحد الذي ينعته البعض باحتضار أو موت الشعر، ولا هو سطوة الرواية والقصة وحجبهم للشعر والشعراء، عدة عوامل وأسباب أدت إلى الحال الذي هو عليه اليوم من بينها دور النشر، التي باتت تعزف عن نشر دواوين شعر أو احتكار أسماء محددة معروفة وعدم إعطاء فرصة للشعراء الشباب، فضلاً عن قلة الصحف والمجلات الأدبية المتخصصة التي تفرد صفحات أكبر للشعر ، ولا يخفى الصراع الذي دار طويلاً بين مؤيدي الشعر الموزون وشعراء ما سميَّ "قصيدة النثر"، كلها عوامل أثرت على التجارب الشعرية لكنها لم تقضِ عليها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top