الفلسفة حين تشاكس

الفلسفة حين تشاكس

كه يلان محمد

يُعزى الجمودُ العقلي وعدم إنتاجية الحقل المعرفي في الثقافة العربية إلى غياب الفلسفة وانسداد الطريق بوجه التيار الفلسفي وتهميش التراث الفلسفي العالمي في مناهج التعليم،

والتعتيم على الحلقات الفلسفية التي تنامت بعدما تنافذت الحضارة الإسلامية مع غيرها من الحضارات الهندية والإغريقية والبابلية وشطح سدنة الاتجاه الانغلاقي إلى وصم كل من يشتغل في المجال الفلسفي بالزنديق والمُرتدِ أكثر من ذلك فإن التفكيرُ الفلسفي لم يتحولْ إلى جزء من اهتمامات النخبة المُثقفة لذا كانت هذه المفردة مُعادلاً للتعقيد والعبث والفذلكة اللغوية، وراجت كلمة «التفلسف» تعبيراً عن النفور من التعمق للإلمام بقضايا مُختلفة.

بالنظر إلى هذه الخلفية غير المشجعة والنظرة العدائية، والفهم المغلوط ندركُ صعوبة كسر الحصار على مفهوم الفلسفة، وتحويله إلى مادة مُستساغة على صعيد النخبة والعامة، الأمر الذي يحتاجُ إلى تحديد آليةٍ مناسبة تُمكنُ من تطبيع العلاقة بين المُؤَلَفِ الفلسفي والقارئ وهذا ما يتوخاه الكاتبُ علي حسين من خلال كتابه «دعونا نتفلسفْ» 

يتناولُ هذا الكتاب أطروحةَ 25 فيلسوفاً يَتَصدرهُم الفيلسوفُ الإغريقي هيراقليط الذي يُعَدُ أولَ مُتفلسفٍ في تاريخ البشرية هذا فضلاً عن إدراكه لدور المُتناقضات بوصفها قوةً محركةً للكون كما أُشتُهِرَ بازدرائه لِمعتقدات العامة ووجهاء المدينة وخاطبهم بلهجة لاذعةٍ قائلاً: «إليكم عني أيها السُفهاء إنَّ مُخالطة الأطفال واللعب معهم لأحكم للمرءِ من سياستكم»، لم ينشئ فيلسوف الديالكتيك أي مدرسة فلسفية وكان يرددُ «أنا خرجتُ لأبحثَ عن نفسي».

ويذكرُ المؤلف آراء الفلاسفة المحدثين على رأسهم هيغل ونيتشه فالأخير رأى أن الفلسفة بأصولها وينابعها تعودُ إلى هيراقلطس صاحب النبرة المميزة، ويصفُ جيل دولوز هيراقلطس بأنَّه مأسوي ومشكلة العدالة حاضرة في كل مؤلفاته.

وتنفتحُ الحلقة الثانية على فيلسوف كان يجوب في شوارع أثينا مزحزحاً بأسئلته القناعات السائدة إذ لاتنفصلُ الفضيلةُ عن المعرفة لدي سقراط فبرأيه أن الفضيلة هي دعوى دؤوبة لإعمال العقل مع أنَّ سقراط وصف بأنَّه كان قبيح الشكل لكن أثار ضجةً في مدينته وتابعه عدد من شباب أثينا وجدوا في آرائه رؤية مُشذبة من الشعائر والطقوسات التي لاتُضيفُ شيئاً إلى فهم الإنسان ، أراد سقراط من تلامذته التدرُب على التفكير والشك لذلك بدأَ خصومه بتأليب السُلطة ضده بتهمة إفساد عقل الشباب ويشيرُ المؤلفُ في حيثيات الفصل المخصص لسقراط أن محكمة أثينا أعادت مُحاكمته سنة 2012 وأصدرت حكم براءته بعد 2500 عام على الحكم الأول الذي نص على إعدامه بالسم.

إلى هنا يتحولُ إلى فيلسوف آخر كان يلعب دوراً كبيراً في النهوض بالعقل الإنساني وينفضُ الغبارَ المتراكمَ عليه ،إذ تخلص رينيه ديكارت من رواسب الآراء السابقة وتخلى عن كل شيء في الحياة من أجل التوصل إلى علوم راسخة. ومن المعلوم أنَّ ديكارت بدأَ برسم المنهج الفلسفي مستنداً إلى المبادئ الرياضية. ويوردُ علي حسين القواعد التي حددها ديكارت في كتابه «مقال في المنهج» منها أن لا أقبل بشيء على أنَّه حق ما لم أعرف بالوضوح أنَّه كذلك ، يُذكر أن ديكارت يُفضل تحاشي الوقوع في الصراع مع السلطة الدينية ويتلف كتابه «العالم» عقب ما يتناهى إليه خبر إدانة غاليلو مبرراً موقفه بأنه "ليس من الحكمة أن يفقد المرءَ حياته عندما يكون بإمكانه إنقاذ حياته دون الخزي" .

هنا قد يكون المقام مناسباً للإشارة إلى رأي هاشم صالح عن مهادنة ديكارت لسلطة الكنيسة إذ يرى صاحب «المدخل إلى التنوير الأوروبي» أنَّ «ديكارت في ذلك الوقت كان قد أكمل الـ 40، وبالتالي فإن اكتشافاته كانت لا تزال أمامه لا خلفه، ولو انه دخل في صراع مكشوف مع الكنيسة لسحقته بسهولة ولما استطاع إنضاج أفكاره على مهل». ويستشهدُ بعبارته الشهيرة أن «الفيلسوف يتقدمُ مُقَنَعَّاً عل مسرح العالم». طبعاً هنا تجد في شخصية ديكارت شخصية نقيضة لسقراط غير أن فلسفته لم تفقد نزوعات مشاكسة.

ومن ثُمَّ يتوقف الكاتب عند فيلسوف عُرف بآرائه السوداوية ويفتتحُ هذا القسم بجملة مقتبسة من مؤلف «الحياة إرادة وتمثلاً» يُعدُ آرثر شوبنهاور أحد أبرز أساتذة اليأس، إذ اعتبر الحياة سهواً وأن ما يجعل هذا الخطأَ مستمراً هو الميول الجنسية. مقابلَ هذا التشاؤم الحاد ترى كامو الذي طالب بالتمرد على الموت رداً على عبثية الحياة.

التنوير

يقولُ الفيلسوف الفرنسي المُعاصر لوك فيري عن إيمانويل كانت، أنهُ أكبر فلاسفة التنوير وأعظمهم شأناً مُقتنعاً بأنَّ ما عمله صاحب «نقد العقل الخالص» من الصعب الإتيان بمثله، وهو مدشن عصر التنوير حين دعا إلى ضرورة خروج العقل الإنساني من قصوره.

لذلك من الصعب أن تقفز أي دراسة فلسفية على كانت إذ يقتبسُ علي حسين ما يقوله شوبنهاور بعد مرور 50 عاماً على وفاة مبشر التنوير «أن الفلسفة الحقةَ إذا كانت بدأت مع إفلاطون فإنها اختتمت مع كانت»، ويؤكدُ غياب ما يؤشر إلى التقدم في المدة الزمنية التي تفصله من كانت في الطرح الفلسفي ينتقلُ إلى قطب فلسفي آخر وهو هيغل بعدما يذكرُ جانباً من حياة الفيلسوف الروماني سنيكا.

تتباين الآراء حول هيغل، هناك من يعتقد بأن رحابة فلسفته تضم كل من سبقه كأن الفلسفة متوجةٌ باللحظة الهيغلية... على نقيض هذا الرأي يعتبرُه البعض خطأً كبيراً في المسار الفلسفي بصرف النظر عن الآراء المؤيدة والمُعارضة لهيغل، فلا يمكن ما أحدثه في مضمار الفلسفة من التحولات وثورته على القشور التي تلهي الإنسان عن توظيف العقل في تفسير المعطيات رغم إعجابه الشديد بالثورة الفرنسية، لكن لم يرق له الجانب الغوغائي في الحراك الجماهيري.

هكذا يتسلسلُ الكتابُ في عرض آراء الفلاسفة ويهمُ المؤلف أن يجمعَ بين أطروحات متضادة في قسم واحد مثل إيراد آراء جون ديوي عن نهاية الفلسفة، وردود بتراند راسل في سياق واحد، كما تضمُ بعض الأقسام الفلاسفة الذين تتقاربُ رؤاهم أو تتداخل لحقاتهم الفكرية مثل: نيتشه وشبلنجر، عبدالرحمن بدوي، هيدغر، داروين وسبنسر ولاماركو أغوست كونت.

عطفاً على ما سلف فإنَّ ميزة هذا الكتاب تكمنُ في الربط بين آراء العلماء والفلاسفة وأنماط حياتهم كما تكتشفُ أن العلم لا ينفصلُ عن الاشتغال الفلسفي. فآنيشتاين وجد في سبينوزا مثاله النموذجي فضلاً عن ذلك تنعكسُ الفلسفة في الأعمال الأدبية إذ حاول مارسيل بروست تجسيد فلسفة برجسون للزمن في «البحث عن الزمن الضائع». وأودع سارتر كل آرائه الفلسفية في رواية «الغثيان»، فيما اعتمد كارل ماركس على روايات بلزاك لفهم التطور الاقتصادي.

عندما تنتهي من قراءة هذا الكتاب، يتضحُ لك أنَّ النقطة التي يشتركُ فيها كل هؤلاء الفلاسفة هي سيرهم بعكس التيار، وهذا كلفهم ثمناً باهظاً على كل المستويات، وإذا كان ماركس عانى الفقر المدقع والملاحقة من بلد إلى آخر فإن ديدرو أيضاً جرب عتمة السجن، كما صحب ميشال فوكو المجانين وفينغشتاين تخلى عن حياة البذخ، وطموح نيتشه كان أكبر من يتسع لها عصره ما اضطر لمناشدة الأجيال القادمة.

قبل أن نختم هذا المقال نُذكِرُ كل من يسعى الى الأجوبة القاطعة والوصفات الجاهزة من الفلسفة، برأي جان فرانسو ليوتار، "لتفهموا جيداً أنكم لا تحصلون من الفلسفة على جواب مطالبكم إذا طلبتم كل شيء كما أن الأمّ لا تتمكن من الأجوبة على كل ما يسأل عنه الطفل"...

هنا رب قائل يقول إذاً ما الفائدة من الفلسفة؟ تتمثل مهمة المشروع الفلسفي في إيقاظ العقل وتخلصه من سلسلة الحركات اليومية، على حد قول ألبير كامو.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top