73°C.. سِّفْرُ التَغْرِيبَة العِراقيّة

73°C.. سِّفْرُ التَغْرِيبَة العِراقيّة

علي الياسري

للفيلم الوثائقي حرية الوصول الى عمق الحقيقة. فهو مسار بصري يتمثل فيه الواقع بماضيه وحاضره بلا رتوش الدراما أو تزويق الخيال.

مع طبيعته الصورية يصبح الناس داخل الإطار يُحيط بهم عرض استفزازي لا يدخر جهداً في مُساءلة المَلمُوس على مسرح الحياة وكشف المخبوء. بهذا المنطق يدلف المخرج العراقي باز شمعون الى تعقيدات السردية العراقية. 73 درجة مئوية عنوان يختزل الكثير من تشظيات الوجع. فغليان العيش على أرض الرافدين لطالما ارتبط بالمعاناة ما بين مناخ جغرافيا وطقس شعوري متطرف يتطوح الفرد تحت سطوة حرارته دون أن تجد مقاومته إلا مرارة عبثية تسوقها الاقدار الى حفلات جنون عنيفة وثقها التاريخ، ومع تلاشيها يتبدى استفهام ازلي هل كُتب على إنسان هذه الارض رحلة التغريبة؟ 

تمنح قسوة تدلي الجذور عارية سوى من تربة الحنين في المنفى للمخرج باز شمعون فرصة وثائقية سينمائية يستثمر فيها قدرة وعيه على رصد احداث ما يقارب العقد من تقلبات الراهن الاجتماعي لمكونات الامة العراقية، على وقع مسعاه الشخصي في إكمال أوراق تسجيل الارض التي ستعيد الارتباط بالجذور وما يصطدم به من روتين وبيروقراطية المعاملات الادارية وما يرافقها من يوميات العيش. ميزة فيلم 73 درجة أنه ينظر الى الحاضر ومعه ترسبات الماضي بعين المستقبل المتمثل في ثلاثة أطفال يتوزعون أرض العراق من شماله لجنوبه سكناً. تتجسد من خلالهم طبائع الملل وطرق تفكيرها وموروثها. صورة تقطر بمظهر الألم الذي طوح بأجساد غضة تضررت أفكارها وأحاسيسها بفعل الصراع الوحشي فغدت أعضاؤها المفقودة رمز لمخلفات الإرهاب والاحتلال وندوباً مأزومة تحملها النفوس . 

إذا ما كان باز قد أولى لمحنة الأقليات التاريخية جُل وقت الفيلم فذلك لأن رسوخ كياناتها يرتبط بصفحات أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية. فالتعايش هو سمة وجود أطل على تضاريس العراق البشرية والجغرافية، ليمنحه فرادة إنسانية بغنى متنوع يتألف بتناغم رغم الشدائد. سنجد ذلك في تفصيلات صغيرة تتراكم على مدار زمن العرض وما حكاية دنخا شمعون والد المخرج، المسيحي الذي اختبأت والدته عند عائلة أيزيدية حين حلت مذبحة الآشوريين بثقلها على قرية سُميّل في ثلاثينيات القرن الماضي إلا شكلاً لطبيعة التأزر المعتادة في السلوك الجمعي العراقي. من عيون ريّان الكردي التي أعتمها طرد ملغوم سنرى كيف يمكن للمطر أن يغدو فرحة كبرى ترتبط بالانتماء للمكان المحتضن للجبل. قطرات ماء ستتحول الى نشيج دمع والد آسيا الأيزيدية التي تضررت ساقها بشدة في تفجيرات إرهابية وهو يدعو عند معبد لالش لشفاء ابنته. يجري الماء حتى يصل لشط العرب مع علي تتراشق وجهه صفحات النهر لتردّد مرثية حزنه وقنوط روحه الفتية بعد أن أعياه مصابه حين سحقت جسده الغض دبابات المحتل البريطاني للبصرة. يمتد خيط الألم من الشمال الى الجنوب وكأن من أراد زرع الفرقة ثبت بمفارقة داكنة وتد الوجع المشترك لسكان هذا الوطن. 

لا يقف باز عند حدود الألم الجسدي لهؤلاء الاطفال ولا لمساعي علاجهم في ألمانيا حيث يرافقهم بعينه الثالثة مسجلاً مقاربات سلوكية وانعكاسات نفسية وتأثيرات الغرس الإثني. غامزاً بقوة في أسباب الصراع كما بالمماحكات التي بين ريان وعلي، بل يتدفق من صورته توثيق نادر لطقوس المناسبات المختلفة في الديانة الأيزيدية. يلتقط بتناسق أيضاً التراث الاجتماعي المتنوع لكل منطقة وطائفة، يحوك من جماليات ألوان التقاليد سجادة الوحدة العراقية كمفهوم حضاري إنساني يتساوى فيه البشر بمميزات تكمل بعضها الآخر. نلمس ذلك بالمونتاج المتقاطع ضمن نسيج تتشابك به مسارات حياة الشخصيات. إنه الواقع الذي أفسدته السياسة ودعوات الطائفية والمناطقية والعنصرية والشوفينية التي حلت مثل وباء كان أول ضحاياه تلك الأقليات التي عاشت على مدى قرن تغريبة وجع يتكرر بلا هوادة. 

يقدم الفيلم ما يشبه البحث الانثربولوجي برصد الكاميرا لأنماط عيش تندلق على أفرادها تداعيات السياسة. يطوي السنين متتبعاً مصائر صورة الطفولة وهي تغادر زمنها سريعاً الى عالم الكبار لتتكشف عن تهجير وقتل وسبي كأن نافذة على قرون سحيقة فُتحت ليعبر منها أسوأ ما عرفته الإنسانية من سلوكيات همجية، عندها لن يكون غريباً أن تستمع لمرثيات الحزن توثق شروخ الرعب التي شطبت على الأرواح. تتزاحم في 73 درجة المنافي وتتكاثر حتى تضمحل على متاهاتها الأمنيات. فيصبح الأمان فعل ترف مستحيل. أبرز ما يسجله الفيلم هو دفقات الأحاسيس المضطربة والقلق اللامحدود المرافق لشخصياته والمفروضة عليها قسراً بحكم الظروف. من خلالها تبدو لمحات المستقبل غير مُبشرة مع تواصل الانحدار في نمط التعامل الحضاري وغياب العدالة واضمحلال القانون، ليبدو الاستقرار بأماكن قصية هو أفضل ما يمكن الحصول عليه. 

يسكب الفيلم بقعة حبر كبرى على أي جدل بيزنطي حول الهوية، فيقدم الإنسانية على سواها في أكثر من موضع، ساعياً الى إبراز الحاجة لعقد اجتماعي يحفظ الحقوق للجميع. يحاول خلق الألفة بإضفاء الوضوح على الأفكار والطبائع. من خلاله تستعيد صورة العراق شكلها الطبيعي والتي اكسبها التعدّد قيمة مضافة. وبه يمكن لتغريبة النفوس أن تُلقي أحمالها لتقف على أرض كينونتها راسخة مطمئنة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top