مهدي الجيلاني.. دفء البرد   وسيل العسل

مهدي الجيلاني.. دفء البرد وسيل العسل

ناجح المعموري

تجربة شعرية جديدة، باتساعها وتنوعات مروياتها، التي تهيكلت حول سردية كبرى على الرغم من توقف اشتغال السرديات الكبرى حسب مصطلح لوتار،

لكني واثق من أن سردية العشق التي فاض عنها الديوان هي من المرويات غير المعطلة وستظل ذات حضور قادر على إزاحة الزمن بدلالة الماضي وتجعل من تكرارها حاضراً ،

محكوماً بالسيرورة باتجاه المستقبل لأن المحكي في كل النصوص يتسامى شعراً متجاوراً مع السرد الذي لا يتوقف عن حديثه مع المعشوقة ، حتى وإن هدأت طاقة السرد فإن الشاعر يلتقط صوت الأنثى المعشوقة ويزاول محكياته بواسطتها، وهذه التجربة فريدة من نوعها ، لأنها معلنة غير متكتمة عن محكيات الجنون الذي تباهى به العاشق الذي لم يترك نوعاً فنياً أو محكياً إلا ووظفه في سردياته الشعرية ،القوية والضاغطة، المتنوعة والمعروفة للعاشق والمعشوقة .

ولم يتهيب العاشق والمعشوقة من البوح والكشوف ، لأنهما تعاملا مع سردية عشق سري /وعلني أجمل مافيه معروف ومكشوف حتى يدنو منه كل الذي عرفه واقترب منه ، ولعل هذا النوع من الحب المجنون مشغل دائماً له بروق ورعود يراه الجيلاني ويومئ لحبة البرد وهي بعيدة جداً .

نوع من العشق من خلال التباعد والدنو ، عاشق يستعيد لحظة البرق الأولى وكأنه يعيشها ، الآن يعطيها زمن الحضور ويدفع بها نحو الآتي،

لتكون مستقبلاً يتباهى به العاشقون ، فما دامت الأنثى حاضرة هي بوابة الحياة ، فإنها تستدعي العشق الذي يجعل من الحياة لحظة ابتكار جديدة ، غير معلومة بالطريقة التي يعرف عنها العاشق ، ومغايرة عن هواجس الإناث التي ارتجفت بها المعشوقة .

الشاعر عاقل تماماً ومجنون ، يكتمل شعره بالجنون زاول كل وسائل تعبيراته ليقول عنه ما تستحقه الأنثى التي رصف لها أجمل موزاييك الأوصاف وقدم لنفسه أكثر المفردات تعبيراً عنها كي تكون مجاورة له ، وهو متجاور لها، يرددها وتصمت له ، ينادي الغائب الأنثوي وكأنه يوظف الكلمة الأولى التي عرفتها ملاحم الخلق والتكوين وكتب الديانات الموحدة ، عندما كانت وما زالت الكلمة ممتلكة لطاقة سحرية ، قادرة على فعل المستحيل ، وأية عودة للكلام في كل الأساطير والموحدات ، ستعثر على أن علوان مهدي هو أحد عارفي سحرية الكلمة ، حاز عليها وجعل منها آية عاشق أول ،عرفته بدئيات الكون الأول الذي تورط به أول اثنين عبر مروية جنون كانت وما زالت ، وارتضى علوان أن يكون الثاني بالتاريخ الطويل ، الثاني بعد من تورط بالعشق أو التوهم الذي أخذته إليه الأنثى الأولى .

شاعر ساحر ، وحتى يتمكن الشعر من إنجاز مرويته ، عليه أن يحتكم إلى روح السري ، أو مملكة التخفي وهذا أهم ما يثير في روح الشاعر من مواجد واشتعالات ، ويدنو إليها ، يروح هادئاً ، ليس في مخفياته غير الشعر والمعشوقة التي منحت الجنون والوله وتحفيز الذاكرة لإيقاظ محكيات كانت قبلاً وكأنها في محكيات الشاعر منذ لحظة وليس زمن بعيد.

علوان الجيلاني يزاول لحظة العاشق البدئي الذي تراكمت إشاراته التي هي لغته وقال عبرها إن الكينونة تزدهي بما يدل عليها ، العاشق المعشوقة هما أهم الأسرار وإرادة الذاكرة المعنية بهما سحريات وشعائر وأساطير

وكأنه – هكذا تبدى لي – استعاد لحظة مجد الأنثى وعظمة مطاردتها لمن يستكمل الحضور ، وجعل الشاعر من الاثنين شريكين ممجدين للحياة والتواصل معها ، أعني السماء والأرض والأول يغادر أحد الآلهة وأعني به الشاعر العاشق ،مكانه السماوي متماثلاً مع/ آنو، /آنكي / زيوس وينزل درجة درجة حتى يتصل مواجها الأنثى / الأرض وينزو عليها عسلاً لأنه لم يرد التماثل مع الإله آنو رب الأرباب فالبانثيون العراقي القديم الذي يقذف ماء قلبه وهو في سمائه، وعلوان كان للعاشق التسامي والمتعالي لأن التعرف على الحب يجب أن يكون معطراً برائحة التراب أو الطين وكأن الشاعر يستحضر عتبة الخلق الأول وقد أشار لذلك مرّات كثيرة ، وأدرك بأن البيوت مساكن لم يكتبها غير الشعر ومحكيات الأنثى الملتقطة لإيقاع الحكي وجمرات التلويح للعاشق حتى ينصت جيداً ويوظف محكيات شهرزاد ويعيد سردها ، وهي ترى إعادة الخلق وتمجيد المرئي والتوسل باللامرئي المرتضي للبقاء ،بعيدا حتى لحظة اشتعال الحنين والرضا ،بالاستذكار الذي تذوب به الروح التي يطوف معها الشعر ، وهو يلتقط محكيات وغناوي الأنثى ،التي توهم الرب لحظة طردها إلى الأرض ويحاول الآن استعادتها إلى الفردوس لولا وجود الجيلاني الشاعر الذي تصوف ولم يعرف غير الغناء والموسيقى وسرديات الأساطير .

سردية كبرى ، تستحق الأرض العظيمة أن تكون هكذا وتلوح لنا نحن العشاق ،عفواً للجيلاني فقط ، لأنه لا يسمح لآخر أن يكون مجنوناً ، هو الذي ضحك على ميشيل فوكو عندما تحدث عن الجنون بوصفه تاريخاً

وكثيراً ما رفض هذا العنوان الفلسفي وكان يكرر مقولته أثناء مساء القاهرة الطويل : أتعب فوكو نفسه لأنه انشغل كثيراً بالجنون من خلال تاريخه ؛لأني أنا كاف لاختصار الجنون بحبة البرد ، يصمت بعد تلاوة محكية عن سيل العسل ويقول

بأبهة وجلال : أنا المؤتمن على الحب التقطت كل ثمار شجر العشق التي تخيلها المجانين والصعاليك وأختزن أساطير اليمن ومدونات ملوكها التي سجلتها الكتب السردية أو التي صاغتها الديانات . أنا علوان الجيلاني هذا ما يقوله وهو يومئ إلى صدره ويدغدغ جانبه الأيسر هنا إنها خاتلة هنا ، ولو تدري أيها العزيز كيف هي جعلتني بذاكرة بالغربة ، وألمح طيفاً لها وهي تسير متقدمة أمامي ولا أقوى اللحاق بها ، تلتفت نحوي ويأتيني الهواء بعطرها ويصطفيني مثلما يفعل السحر أو الطلسم الذي يرسمه المتصوف تميمة ،أو ٱخذه للصيانة وحماية جنون العاشق الذي جعل من بيتها كعبة أو معبداً يطوف عليه وهو يرتجف من برد القاهرة ، في كانون أول ، وهو يبكي ويصور فيديو لطوافه حول مكانها المقدس، ويبث لها تمثيلات الجنون وعشق العسل وهو يسيل.

طلسمه مكتوب على القلب وفي بدايته كان رمزاً محفوراً على كل ما كان صلداً، ومن بعد مزبوراً فوق قطعة الخشب ،ومن بعد على رقعة الجلد ، قبل أن يتحول كتابه.

هذه محكيات ، سرديات عاشق / عاشقة ، هي في البدء إشارات ، لغة مفهومة طيّعة ،تقول كل ما نريد منها ، تروح وتجيء، تسافر بعيداً وتستدير بمفاجأة العودة إلى العتبة الأولى .

كل هذه السردية قال عنها علوان مهدي الجيلاني : سفر ، رحلة ، وكل الرحلات أساطير ، وهو عارف بما قاله الأوائل سيدرك أن الأساطير رحلات للخلد والهروب من الموت .

طاقة مقاومة الميتافيزيقيا الجيلانية باعتبارها مصدراً مركزياً أو بؤرة عميقة تستعير منه سحريات المجنون معجزاته ، كما صار من حقه يلوح لإشراكها معه ، كي تطمئن من عشقه لها وتسمعه منتحباً موظفاً كل مراثي العراق القديم ، فيرق قلبها وتستجيب له ،وتطمنه ، لكنه يجهش وأستفسر منه فيقول لي كا لطفل لأنها تستاهل أن أبكي عليها ، وستكافئني لاحقاً ، أطوف حولها مثل طفل تعلم الحبو حول من يحب ،هي عشيقتي مجنونتي أمي الأسطورية العشتارية التي اختارت كل من عشقته ولاذت به حبيباً ، تختار منحه ماتريد من صفات ،هو زوجاً لها وعاشقاً مستعاداً ابناً وبمحبة السحرة ترضى به ابنا وزوجاً مثل عشتار البابلية .

عليّ مرافقة السحر لأن علوان يستاهل ، في صداقة السرديات تبلور عندي الكثير من بروق السحر وعصف الرعد لحظة ما يسمعني تغريد بلابله الدائرة حول شجرة مليكته ، تغريدات الساحر وغربة البلبل ، وأعني أيضاً البلبلة النافضة لجناحيها فتفزز طعوم ثمر التين وسط فضاء لا أحد يعرفه ، غير مكامن الأسطورة .حبّة البرد ، نوية يمنية من مأرب ، لا من عدن ، لماذا ارتباكي إنها من اليمن كله ، الثابتة في الذاكرة الجمعية ، والجيلاني يوقظها ، كلما تستيقظ بردته ومن ثم تغيب ، وعلى الرغم من بعدها ، بيننا البحار والمحيطات والساعات والأيام والأسابيع والاشهر

بعدها عميق جداً ، وقربها لا يبعد عن إيقاع صوتها ، لكنه يشعر بها موجودة ، لا تكف عن مرآتها ، حيث تراني معها ،وأنا أداعب صدري الذي تستريح عليه ، تشرد مرتضية بعدها وتراني مرتبكاً باكياً بعمق وتكرر لعبتها معي ،تختبرني لأنها غير مصدقة وجنوني لا يكفيها ، حرام أيها الحلم المقدس الأسطورة وأنا أطوف حول معبدك ، أتبارك بك وأستغفر من مروياتك ، وأمنحيني ملاذك الذي أريده ،ولا تبعديني عنه سيدتي. كلما أصطاد سمكة ، أحتفظ بها معلقة وسط غرفتي ، لأني أريد خاتمها يومض لي ، ليس هذا فقط ، بل أريدها لأن راموزها هو السمكة ، هذا ما أفضت به الأساطير الخاصة بالألوهة المؤنثة ،التي دائمأ ما تطلق فراشتها غير المعروفة ، ولا مرئية ، حاملة على جناحيها رسائلي ،وأنا أكتب عليها بالدمع وأرى لحظة حضورك معي ، لأنك تريدين دائماً أن يكون الشعر كله من حصتك لا وجود لآلهة جفرية تستحق الشعر وتهوى الاستماع إليه ، وتسعدني عندما تومئ غمازتاها وتصفق لي ولشعري العاشق .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top