الحاكم وسيكولوجيا القرارات في زمن الأزمات

د.قاسم حسين صالح 2020/06/27 06:25:16 م

الحاكم وسيكولوجيا القرارات في زمن الأزمات

 د.قاسم حسين صالح

تعني الأزمة،بمفهومها السياسي،عدم القدرة على حل قضية أو أكثر والوصول الى تفاهمات بين أطراف الأزمة(أحزاب ،كتل، مكونات..) ينجم عنها الترقب والحذر والشك الواقعي أوالمرضي(البارنويا)،والتهديد بتصفية الآخر أو إضعافه، بهدف الوصول الى السلطة والاستفراد بالثروة،وتحقيق أهداف سياسية أو معتقدات دينية أو أيديولوجية.

ولقد أثبت واقع الحال،ويثبت،أن حكومات المحاصصة منتجة للأزمات لسببين سيكولوجيين ،الأول:إن السياسي العراقي (أحول عقل) وهو مصطلح جديد أدخلناه في علم النفس العربي، والثاني:إشغال الناس بهموم الحياة البائسة التي خلقتها هذه الحكومات،وتضاعفت فيها أخطر ثلاث ظواهر اجتماعية:الطلاق والانتحار والمخدرات..و(إلحاد)،والنظام تحكمه أحزاب إسلام سياسي!

والحقيقة السياسية أن العراق من 2003 لغاية 2020،ليس (دولة) بمفهومها الذي ينبغي أن تحظى بالهيبة ويسودها الاستقرار السياسي والأمني،وتعمل فيها المؤسسات بشكل تكاملي لخدمة المواطن وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.فالعراق هو البلد الأول في العالم من حيث حجم الضحايا الذين بلغ عددهم،بحسب تقرير (كوبلر)ثلاثة آلاف قتيل في أربعة اشهر من عام 2013 فقط،وقائمة طويلة في الأعوام التي تلته،تستهدفهم القوى الإرهابية وميليشيات تابعة لقوى سياسية طالت حتى الأطباء الذين قتل ثلاثة منهم بعد يومين من مصادقة مجلس النواب على قانون حماية الأطباء!.والعراق هو الأول عربياً والثالث عالمياً في الفساد،وهو الوحيد الذي يدفع رواتب تقاعدية خيالية لأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة والمستشارين..وصلت نسبتها في ثماني سنوات الى 40% من الميزانية السنوية التي زادت في حينها على 120 مليار دولار فيما ربع العراقيين يعيشون تحت خط الفقر.والوزارات موزعة وفق حصص حزبية وطائفية وقومية..وعوائل!،وكل وزارة تعمل لصالح الجهة التي ينتمي لها الوزير،الذي يعمل على وفق التوجيهات التي يتلقاها من الجهة التي رشحته.

وما حصل هو أن السياسة حكمتها مسألتان:الصفقات التي وصفها المتحالفون أنفسهم بأنها فقدت المبدئية والقيم الأخلاقية،واتسمت بالغدر والخيانة،وخلق الأزمات واحتكارها ، وما يجعل الأزمة خطيرة في العراق إنها مفتوحة على جميع الاحتمالات،ويزيد صعوبتها،انعدام وجود آليات لحلّها. فمجلس الوزراء يفتقر الى نظام داخلي واضح يحدد أداء السلطة التنفيذية،ويضبط عمل الحكومة.والتقاطعات والتضاربات في الصلاحيات داخل الحكومة ذاتها،وبينها والبرلمان. ووجود مواد في الدستور يصفها قانونيون بأنها (حمّالة أوجه).وطبيعي أن يفضي هذا الكّم المعقد من القضايا الشائكة الى ثلاث حقائق سيكولوجية:خلق تشوش فكري لدى متخذ القرار يضطره التركيز على القضايا التي فيها خطر عليه،وتعميق روح الشك بالآخر بين الفرقاء في" برانويا "سياسية،وتقوية الانتماءات والولاءات للأحزاب والعشائر ودول خارجية تفضي بالضرورة الى إضعاف الشعور بالمواطنة والولاء للوطن.

حيدر العبادي

بعد جمعة تظاهرات العراقيين التاريخية في السابع من آب2014، اضطر العبادي أو ارتاى تقديم حزمة إصلاحات في التاسع منه،تلتها أحداث درامية. وكانت أغلبية العراقيين تفترض حسن النية فيه وإنه صادق فيما يقول..لكن الرجل كان يمشي في طريق كله ألغام.وما يعنينا هنا..قضيتان لهما بعدان سيكولوجيان،هما نوعية القرارات التي يتخذها وعلاقتها بمطالب مواطن موجوع مفجوع، وصراع الأضداد في كيفية تعامله بالشكل الذي لا يلحق ضرراً به وبحزبه.

وسيكولوجياً،تتحدد، القرارات بثلاث آليات هي:

الأولى:البدء بالقرارات الأصعب نزولاً الى القرارات الأسهل،

الثانية:البدء بالقرارات الأسهل صعوداً الى القرارات الأصعب،

والثالثة:تنفيذ القرارات الأسهل والتوقف عن تنفيذ الأصعب.

إن القائد الذي يعتمد الآلية الأولى يتمتع بشخصية الواثق من نفسه إن اعتمد على جمهور واسع يمثل المجتمع لا على المغامرة،فيما تمتاز شخصية الذي يعتمد الثانية بالحكمة والتأني والعقلانية ،وبعكسهما..تتصف شخصية من يعتمد الثالثة بالتردد.

وكان العبادي قد اعتمد أولاً الآلية الثانية،بأن بدأ بتنفيذ القرارات التي لا تلحق به وبحزبه الأذى أو الضرر..ما يعني أنه اعتمد الحكمة والعقلانية والواقعية.وبما أنه تجنب الآلية التي تريدها الجماهير بأن يبدأ بالقرارات الصعبة،فقد توقعنا حينها أنه سيمارس الآلية الثالثة( الاستمرار بتنفيذ القرارات الأسهل والتوقف عن تنفيذ القرارات الأصعب)..ما يعني أنه سيتحول في النهاية الى شخصية مترددة من وجهة نظر المتظاهرين..يؤيد ذلك استطلاع تبيّن منه أن ربع المستجيبين فقط توقعوا أن العبادي سينجح فيما الغالبية أفادوا بأنه (ليس بيده شيء للتغيير ،يريد أن يغير ولكن مافيات الفساد أقوى منه..ولقد اعترف بعجزه عن مواجهة الفاسدين في خطابه بجامعة بغداد لأنهم(يملكون المال،فضائيات،قدرات،يستطيعون أن يثبتوا إنهم الحريصون على المجتمع،وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد 27/11/2017).وخلصنا الى (أن قراءتنا السيكولوجية للسيد حيدر العبادي هي أنه لم يستثمر فرصة تاريخية تجعل منه رجل دولة وبطلاً شعبياً،ولأنه أضاعها،فانه سيعود الى سابق وضعه،بعد أن أوصل الناس الى قناعة بأنه (هاوي..ولكن ما ناوي).

مصطفى الكاظمي:

اعتمد السيد الكاظمي الآلية الثانية التي اعتمدها العبادي في اتخاذه القرارات (البدء بالقرارات الأسهل صعوداً الى القرارات الأصعب)، لكنه اختلف عنه بأنه لم يتوقف عن تنفيذ الأصعب التي توقف عندها العبادي،اذ بدأ بأصدار قرار يقضي بايقاف ازدواج الرواتب،تبعه في (25 حزيران 2020) إعلانه بأن الأيام القادمة ستشهد حملة تغييرات في المناصب المتقدمة في الدولة،وتجريد الأحزاب من المناصب التي حصلت عليها خلافاً للقانون.ولأن الحدثين خطيران فقد تساءلنا ليلتها في منشور(الأنقلاب الأبيض هل سيحصل؟)،لتفيد فضائيات باقتحام مسلحي ميليشات حزب الله المنطقة الخضراء في فجراليوم التالي،في اعلان صريح بأن الأنقلاب الأبيض قد حصل.

وضع معقّد سياسياً،أمنياً،اقتصادياً،صحياً،مجتمعياً،وسيكولوجياً..يواجهه السيد الكاظمي وقد يربكه في اتخاذ القرارات،ومع ذلك اختار ان يبدأ بأخطرها وأكثرها إلحاحاً جماهيرياً..الفساد..مدركاً بأنه سيكون أمام خيارين : إما أن ينتصر في معركته على الفاسدين ويكون المنقذ والمخّلص والبطل الذي سيدخل التاريخ السياسي للعراق الذي خلا من الأبطال القادة من سنين،وإما أن يكون (الشهيد الحي).

وكان هذا التصور هو الذي شاع عنه بين أغلب العراقيين لغاية اجتماعه بالسيد المالكي.فقد اصاب الكثيرين بالأحباط وأعادهم لسيكولوجيا توالي الخيبات،واعيد ليكون بنظرهؤلاء كالسيد العبادي الذي وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد وما ضرب،لسبب سيكولوجي..إن توالي الخيبات أوصل العراقيين الى اليأس من إصلاح الحال،وان خذلانهم بوعود من سبقوه يدفعهم الى أن لا يثقوا بالكاظمي،مبررين ذلك بأنه جاء بموافقة أحزاب السلطة،ويسخرون بأن الكاظمي لا يستطيع أن يفعل شيئاً،وإن فعل فهو فلم هندي!،فضلاً عن سيكولوجية الجماهير العراقية تريد أن يبدأ القائد بالآلية الأولى في اتخاذ القرارات (البدء بالقرارات الأصعب نزولاً الى القرارات الأسهل)..وانهم لن يصدقوا الكاظمي ما لم يضع حيتان الفساد وراء القضبان!.

لقداقترحنا أن يعطى الكاظمي مهلة ثلاثة أشهر بعدها نحكم له أو عليه: أما أن يكون كسلفه العبادي الذي اعترف بعجزه عن اتخاذ القرارات الصعبة،أو يواصل ما نفترضه فيه باعتماده ستراتيجية تنفيذ القرارات الأسهل صعوداً الى الأصعب.

ولتحقيق ذلك نوصي باعتماده إجرائين:

الأول:إصلاح النظام القضائي بما يولّد الثقة عند العراقيين بأنه قد اتخذ الاجراء العملي لمكافحة الفساد،تبدأ بتعديل المادة 136 من قانون المحاكمات الجزائية التي منحت الوزير صلاحية إيقاف الاجراءات القضائية بحق من يشغل منصباً أدنى من الوزير والتي تعني عدم إمكانية استدعاء وكيل الوزير أو المدير العام حتى لو كانت عليه قضية فساد مالي، وتذكيره بأستخدام قرار لصالحه صادر من المحكمة الدستورية في العراق يقضي (بالغاء المحاصصة) . 

والثاني:تشكيل هيأة رأي من مستشارين سيكولوجيين وتربويين وقضاة وإعلاميين مستقلين سياسياً،تكون مهمتها فضح الفساد والفاسدين أخلاقياً باعتماد ستراتيجية تستقطب رجال دين وخبراء اقتصاديين تستهدف إحياء الشعور بالمواطنة،وتنشيط الضميرالأخلاقي،وإحياء الشعور بالذمّة التي تعني العهد والكفالة حين يكون الشخص مسؤولاً عن الرعية.

وللمشككين في وعود ونوايا الكاظمي أقول: صحيح إن لا رهان على السياسة في العراق لأنها بلا مبادئ ، بلا اخلاق..لكن الكاظمي ليس مضطرا لأن يبدأ بالأصلاح ويعد بالقضاء على الفساد ويقدم على اتخاذ إجراءات تهدد حياته.ولأنه أعلن عن بدء المواجهة مع قوى تمتلك المال والسلاح ومع (الدولة العميقة) فإن عليه أن يكمل المشوار،لأن التردد في القرارات أو الأحجام عن تنفيذ القرارات الأصعب ستؤدي به الى أن يخسر الشعب(كتلته)،وستنتقم منه قوى الفساد وتجعله انموذجاً لمن تسول له نفسه التحرش بها،ولن تقوم للعراق قائمة الى يوم يبعثون.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top