باليت المدى: أصابع كاووش والأمستل

ستار كاووش 2020/06/28 06:21:36 م

باليت المدى: أصابع كاووش والأمستل

 ستار كاووش

كان عليَّ الذهاب الى إفتتاح معرض في مدينة ميبل القريبة من مدينتي، حملت حقيبتي ونزلت السلم الخارجي المؤدي الى الشارع، حيث إتكأت دراجتي الهوائية الزرقاء على صندوق البريد الجاثم بصمت بإنتظار رسائل ربما تكون سعيدة، نظرت وقتها الى الصندوق وأنا أمسك مقبض الدراجة،

فترددتُ في فتحه لأن اليوم هو الأحد، والبريد لا يأتي عادة في مثل هذا اليوم، أما إعلانات التبضع فسأقرأها فيما بعد على مهل. لكن مع ذلك، ثمة شيء في داخلي دفعني لفتح الصندوق، وهناك لاح لي ظرف رسالة عليها ختم وزارة العدل في مدينة لاهاي، خَمَّنتُ محتواها، لكني لم أدفع بتفاؤلي أبعد من حافة الصندوق، قبل أن أتأكد فعلاً من محتوى الرسالة، التي قرأتها في الشارع، وجاء في مضمونها (طاب يومك سيد كاووش، نهنئك كثيراً ونرحب بك من أعماقنا في الأراضي المنخفضة، لقد حصلتَ على الجنسية الهولندية، ولحظة قراءتك هذه الرسالة تكون قد أصبحتَ مواطناً هولندياً له كل حقوق المواطنة وواجباتها...) الى آخر الرسالة التي ذكرت أيضاً بأن بلدية مدينتي هوخفين ستتصل بي وتحدد معي موعداً لحفل صغير ستقيمه بهذه المناسبة، حيث سيلقي محافظ المدينة وليم أورلنز كلمة بالمناسبة ويمنحني الوثائق والأوراق وبعض التفاصيل المتعلقة بمنح الجنسية، وسيتخلل ذلك تناول بعض الطعام مع بعض المشروبات. 

بعد يومين وصلتني رسالة من البلدية تؤكد ما جاء في رسالة لاهاي، وقد أضافوا اليها بعض التفاصيل والمعلومات، منها دعوتي لإصطحاب صديقة أو صديق معي لحضور الحفل، إن أردت ذلك. كنتُ وحيداً وقتها، لكني قررت الاتصال بصديقي هيرالد وسؤاله إن كان يود مصاحبتي، فرحبَّ كثيراً بالفكرة وأسعده الخبر. وهكذا ذهبنا معاً الى المكان المحدد، وكان بيتاً يعود لبلدية المدينة، قديم الطراز وتحيطه الأشجار، وعند المدخل كانت بإنتظارنا امرأتان جميلتان رحبتا بنا، وفي الداخل إنشغلت امرأة ثالثة بتجهيز طاولة كبيرة مليئة ببعض أصناف الأكلات الصغيرة وقد اصطفت على أحد جوانب الطاولة مجموعة مختلفة من قناني المشروبات إضافة الى القهوة. جاء المحافظ مبتسماً بهيئته الانيقة وشعره الرمادي وألقى التحية، وقبله بقليل حضرَ مصور فوتغرافي من الجريدة المحلية، وكذلك مصوران من تلفزيون درينته. سارت الأمور بشكل أكثر من رائع، وبعد الكلمة الترحيبية التي ألقاها المحافظ، شكرته على هذا الكرم والمحبة، لنجد نفسينا بجانب الطاولة وكأننا انسحبنا تلقائياً نحو رائحة الطعام، ليسألني المحافظ عن الشراب الذي أفضله، فقلت له (سأحتسي بيرة أمستل) فرمقني بنظرة وهو يقول بإرتياح (يا للمصادفة، إنها بيرتي المفضلة) ثم أمسك بقنينتي بيرة بإحدى يديه، وفتحهما وقدم لي واحده، لنكمل حوارنا، حيث حدثني عن السنوات العشر التي قضاها محافظاً لهذه المدينة التي يحبها، وأخبرني بأنه سيتوقف قريباً عن العمل كمحافظ، وسيتفرغ لبعض الهوايات. بعد لحظات من حديثنا، مددتُ له ظرفاً كنت قد هيئته له مسبقاً، وأنا أقول (أرجو أن تقبل مني هذا التذكار) وكنت قد وضعتُ داخل الظرف كتاب (أصابع كاووش) الذي يحتوي على لوحاتي مع الكثير من القصائد الهولندية. قرأ الإهداء الذي كتبته له، ثم نقل نظره بيني وبين الكتاب الذي بين يديه، وهو يقول (مذهل أن يكون هناك كتاب باللغة الهولندية عنك حتى قبل تحصل على الجنسية) فضحكنا بعد أن قلت له إن الابداع هو أيضاً بمثابة جنسية للفنان. والحقيقة أن الفضل في إصدار الكتاب يعود للشاعر موفق السواد، الذي قام بإعداده وجمع القصائد، وهو يجيد الهولندية بشكل مذهل ولديه تواصل مدهش مع شعراء هولندا. وقد احتوى الكتاب على ثلاث وعشرين قصيدة كتبها شعراء وشاعرات من هولندا بشكل خاص حول ثلاث وعشرين لوحة من لوحاتي. انتهى الحفل، وقبل أن يتوجه المحافظ نحو سيارته التفت نحوي قائلاً (شكراً على الكتاب، ستفرح به زوجتي أيضاً). 

في مساء ذات اليوم إتصل بي صديقي هيرالد بمزاحه الذي أحفظه عن ظهر قلب، قائلاً (ستار، لست وحدك مشهوراً في المدينة، أنا أيضاً اصبحت كذلك، وربما أكثر منك شهرة! وأن فتحت التلفاز الآن على محطة درينته ستتأكد من ذلك بنفسك) بقيت معه على الخط وشغلت التلفاز فإذا بحفلة البلدية هناك وقد ظهرتُ فيها مع المحافظ، وفي الخلفية كان صديقي هيراد يتطلع بفخر نحو الكاميرا. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top