من تاريخ المسرح.. مسرحية القربان غرابة الأحداث

من تاريخ المسرح.. مسرحية القربان غرابة الأحداث

كافي لازم*

دأبت فرقة المسرح الفني الحديث على إنتاج المسرحيات الشعبية والتي تتحدث عن واقع وهموم الطبقات الكادحة من خلال محاكاة الواقع الذي يعيشه المجتمع وكان أغلب الكتاب ولكي يجاز النص يتخذون الزمن القديم وأدواته وسيلة لطرح الأفكار التقديمية ,

التي لها علاقة مباشرة بحياة الناس وهي طريقة للهروب من مقص الرقيب أي بمعنى آخر (اتخاذ رموز ذلك الزمن شكلاً) لكن المضمون والأحداث لها دلالات واضحة لمخاطبة الجمهور .

فالصراع هو واحد على مر التاريخ ... بين الخير والشر ,,, والحاكم والمحكوم .... والظالم والمظلوم , ففي موسم عام 1974 قدم الأستاذ (سامي عبد الحميد) والكاتب القدير (ياسين النصير) مسرحية القربان (وهي المسرحية الثانية لنفس الكاتب بعد النخلة والجيران)

معدة من رواية بنفس الاسم للكاتب (غائب طعمة فرمان) وقد أوكل إخراجها للفنان الراحل (فاروق فياض) وهو أول عمل مسرحي له بهذا الحجم وقد جلسنا في بيته أنا بصفتي مدير المسرح والسيد ياسين النصير الى ساعات الفجر الأولى لليوم التالي وأجريت تعديلات مهمة من خلال الحوار العميق في تحليل الشخصيات ورموزها , والمتغيرات الواقعية التي تهم شخوص المسرحية وانعكاساتها على الحياة اليومية من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ومدى تفاعل الناس لهذا المتغير (الانقلاب) واتخاذ المقهى الشعبي نقطة إلتقاء كافة شرائح المجتمع وكثير من الأمور التي يطول شرحها .

تم توزيع الأدوار مناصفة بين الشباب والرواد وحال إعلان موعد العرض ازدحم الجمهور على شباك التذاكر وكان الحجز لسبعة أيام متلاحقة ، وهذا ليس بالجديد لعروض الفرقة ولكن الغريب في عرض هذه المسرحية بأنها تعرضت لضربات متلاحقة وتكاد أن تكون كارثية . أولها ذات يوم فاجأنا الأستاذ يوسف العاني بأنه غير قادر على الاستمرار كونه مريض جداً وطريح الفراش مع أن دوره رئيسي والقاعة محجوزة لعدة أيام . ما العمل !؟ ، أخبرت المخرج بذلك وسألني إن كنت جاهزاً للقيام بالدور وبدون تردد أعلنت موافقتي على ذلك وكنت حافظاً لجميع الأدوار واحتجت الى تمرين واحد للتركيز فقط , واستمرت عروض المسرحية بنفس الايقاع وكثافة الجمهور وبعد شفاء الفنان يوسف العاني كان القدر متربصاً لهذه المسرحية فبعد أيام حدثت الكارثة الكبرى في ليلة العرض وأثناء أداء دورها انطفأت عينا الفنانة الكبيرة ناهدة الرماح والتي تتميز بحرصها الدقيق والمتناهي في العمل وكان هناك تعاطفاً منقطع النظير من قبل الجمهور حين علم بالأمر وأوقفنا العمل لمدة ثلاثة أيام فقط كنت واقفاً خلف الكواليس أتابع أدائها الرائع وإذا بها تصرخ (كافي كافي مدا أشوف أي شي) قلت لها ماذا بك فقالت ظلام كامل (عمت عيوني) فكان موقفاً صادماً لكل أعضاء الفرقة وكذلك الجمهور لم يغادر المكان وبقى لفترة طويلة متضامناً ومتأسفاً على ما حدث بعدها تحرك السيد رئيس الفرقة الى رئاسة الجمهورية حينها امر الرئيس الراحل أحمد حسن البكر بمعالجتها في لندن ولكن مع الأسف لانتيجة تذكر ... 

من هي البديل مع ان الفرقة تعج بالفنانات المتمكنات غير ان الاختيار جاء ملائماً جداً لهذا لشخصية إلا وهي الفنانة (أقبال محمد علي ) التي استوعبت هذه الشخصية المركبة بذكاء بفترة قياسية والحقيقة كان تمريناً قاسياً .

وأخيراً عادت الروح لهذه المسرحية بزخمها المعتاد الى حد أن الفنانة أقبال محمد علي حازت على جائزة افضل ممثلة في الموسم.

كل هذا وذاك و لاخلاص من المفاجآت فقد قال لي أحد الشباب المتحمسين وهو الفنان ماهركاظم (وهو شقيق الكاتب القدير عادل كاظم) والذي أعدمه النظام السابق وكان شاباً يافعاً بأنه سيسافر اليوم الى خارج العراق . وأسند دور المجنون الى الفنان حازم كمال الدين وهو الآن في المهجر واستمر العرض بشكل جيد .

لكن الطامة الكبرى عندما فاجأني بطل المسرحية صباحاً بانه الآن سيطير الى أوروبا مهاجراً لا رجعة .... وقال لي أن لا أخبر أحداً وهو الفنان ماهر جيجان(الذي توفي في المهجر مع الأسف) وعلينا أن نتدبر الأمر , ذهبت متسارعاً الى المخرج فاروق فياض والذي كان يعمل موظفأ في شركة (التأمين الوطنية) أخبرته عن الموضوع وأطرق برأسه نحو الأسفل لفترة ليست قصيرة بعدها فاجأني بضحكته المجلجلة لفترة أطول . ماذا يقول ماذا يعمل !؟ قلت له لاتحزن اني سأمثل بدلاً عنه قال: كيف وهل أنت حافظ للدور رغم حجمه , قلت: نعم ولا احتاج الى التمرين تعجب وقبلني وسار العرض بأنسيابية متناهية .

كل هذا الذي حدث وكأن تعويذة (العزيزة) التي دفنوها في أركان المسرحية لايهدأ لها بال ففي كواليس المسرح كاد الفنان القدير (مقداد عبد الرضا) أن يموت بلدغة عقرب كبير حيث تسلق العقرب الأصفر مسرعاً اليه أثناء تنفيذه الموسيقى الخاصة بالمسرحية لولا انتباه أحد الفنانين وقتل العقرب , إن المياه التي أغرقت الكواليس وغرف الممثلين سبباً مباشراً لخروج الأفاعي والعقارب من جحورها , ولك أن تتصور كيف حال فنان الفرقة في تلك الظروف القاسية..... والطريف في هذه اللحظة زارنا الرحابنة وفيروز الى غرف الممثلين وشاهدوا بأم أعينهم كيف كان ماء المطر (يخر) من أسطح الغرف وقالوا بنص الكلمة كيف تعملون هذا العمل العظيم وأنتم في هذه الظروف السيئة 

وهنا لابد من ذكر حالة نادرة لم تحدث في تاريخ المسرح العراقي وبما أن روح التحدي والإصرار كان ملازماً لكل أعضاء الفرقة وكان الجمهور الرائع دافعاً كبيراً للعطاء والذي يثير الاستغراب أن أحد العروض ذات ليلة جاءت سيارة كبيرة من نوع (نيرن) محملة بعرب الصحراء هم وعوائلهم بملابسهم الخاصة تريد مشاهدة العرض . كيف هذا والقاعة محجوزة , ماكان من الفنان يوسف العاني اعتلاء خشبة المسرح ورجا الجمهور اخلاء المقاعد واسترجاع التذاكر الى اليوم التالي وقد شرح لهم الحالة وكانت استجابة الجمهور أدهى وأجمل حيث أصر على الجلوس في مدرجات المسرح وافساح المجال لضيوف الصحراء وعوائلهم وقد قابلهم الجمهور بالتصفيق الحاد .

هنا اتساءل الى أين وصل الوعي الثقافي والفكري والمجتمعي في فترة السبعينيات وأين نحن الآن ؟؟!

* عضو فرقة المسرح الفني الحديث 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top