علم الإنسان العراقي: كتاب علي كريم السيد أنموذجاً

علم الإنسان العراقي: كتاب علي كريم السيد أنموذجاً

د. ياسر عبد الحسين

في مجال تخصص علم السياسة لازلت مؤمناً بخصوصية السياسة العراقية وكل تفاصيلها، فالسياسة في العراق تعيش في مقاسات خاصة لن ينفع في فك شفرتها كل نظريات العلوم السياسية،

لا تطابق فكر الدولة لأرسطو أو أفلاطون، وليس فيها ما جاء في العقديات الاجتماعية لجان جاك روسو، أو هوبز، أو جون لوك، وغير خاضعة لمنطق نظريات الحكم كما كتبها هيغل، ولا مفاصل مونتسيكيو في تقسيماته ولا براغماتيات ميكافليلي في الدهاء الواقعي ولا قواعد ماكس فيبر في البناء السياسي، إنها خارج مقاسات النظريات في النظم السياسية بكل تجلياتها النظرية والتطبيقية ،

قصة تعجز كل روايات قصة الحضارة أن تحاكي تجربتها ، و مصاديق لم تعيشها نظم سياسية حلت بعالم ذات يوم رغم أنها تصاحب التحول الحاد، تداخلات ورموز ومعادلات لم تسجل في ذاكرة الرياضيات السياسية، هندسة اجتماعية مثبة على براهين ذات طبيعة مقلوبة، لكن ما زال أمل في استكمال التمرين الديمقراطي من قبل النخب الواعية، في مواجهة تسونامي التحديات، ويبدو ما ينطبق على التوصيف أعلاه ناتج من خصوصية المجتمع العراقي وفق زوايا علم الاجتماع الخاصة ونظرياتها.

مع كل ما قدمه علماء الاجتماع في دراساتهم (علي الوردي، وعبد الجليل الطاهر، شاكر مصطفى سليم) بخُصُوصيّة عراقيّتهم، ودراسات (ماكس فيبر، وسيغموند فرويد، وغوستاف لوبون) بعالميّتهم، مازالت الظاهرة العراقية بحاجة الى مزيد من الدراسات العميقة والبسيطة في آنٍ واحد لتأسيس الإطار الجديد لعلم الإنسان العراقي، وللإجابة عن السؤال الهوية الهنتغتوني (من نحن؟) من أجل إعادة بناء تأسيس الذات الثقافية الاجتماعية العراقية والتي سبق أن تطرق لها علماء اجتماع كثر، ولكن كانت بمنهجيات مختلفة، فالوردي اعتمد على التوصيف والمشاهدة ومصطفى شاكر سليم اعتمد على المنطق الحسابي وهكذا كان لكل عالم منهجيته في التوصيف الخاص للحالة العراقية.

وعلى الرغم من الثوابت التقليدية والسمات في المخيال الاجتماعي للشخصية العراقية، كانت هناك لحظات متغيرة وبيئة تختلف بإرهاصاتها على المجتمع العراقي الذي أصبح في سياق معولم كان لا من بد من ظهور تحليل جديد يقرأ هذه التحولات (العراقوية) بعمق متعايش مع رهان هذا المجتمع وتحولاته. 

لفت الى أذهاني منذ وقت مبكر شاب بشعر (أبيض)، باحث في علم الاجتماع، وكاتب في شؤون المجتمع العراقي من مواليد 1988، وهو علي كريم السيد الذي لم يحصل فقط على ماجستير في علم الاجتماع من جامعة بغداد، بل عمل على تجسيد ما درسه علمياً عبر كتابه الأول (جائعون للجسد.. دراسة في سوسيولوجيا البغاء والاتجار بالنساء في العراق) في محاولة جريئة لباحث هميم أراد أن يجعل الدراسة موضع التنفيذ. 

وكان إصداره الثاني اللافت للنظر بلغة سلسة وعلمية دقيقة هو كتابه (سوسيولوجيا المجتمع العراقي ما بعد 2003) الصادر عن دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، وفيه يشير الى هذه الحقيقة بطبيعة العلم الخاص بالشخصية العراقية.

عرّج علي السيد في كتابه الى توصيف المتغيرات الجديدة القديمة في سمات الشخصية العراقية ولم تعد تقتصر على ثنائية المدنية والبداوة الى سمات أصبحت فيها أكثر قلقاً بسب العجز المكتسب من آثار الصدمة التي خلفتها سلسلة حروب الديكتاتورية وحروب الإرهاب وفشل مشروع الدولة في تحقيق المعجزات الاقتصادية. 

وقدم السيد في كتابه رؤية مجهرية مقربة للمجتمع العراقي بكل ما يتعلق بالحرمان العاطفي وكذلك ظاهرة الكرم ومساعدة الغرباء وحالة ترييف المدن وانتصار قيم البداوة على القيم الحضرية، وناقش تفاصيل تلك القضايا بشكل مفصل لشخصية معقدة ومنفعلة، ويتطرق المؤلف لتلك الرؤية بعيداً عن حالة جلد الذات.

قدم الباحث التشخيص الاجتماعي عبر تحليل الأسباب الاجتماعية والسياسية والبيئة العراقية التي ساهمت فيما اسماه بصناعة العجز المكتسب بسب غياب دولة القانون وانعدام معايير العدالة التي تساهم في تعزيز البيئة العنيفة المجتمعية والتي ساهمت في حصول ظاهرة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وعدم وجود معايير واضحة للسلوك الفردي لما يعرف بالازدواجية في الشخصية التي تدفع الأفراد الى تبني مواقف متغيرة من أجل الحفاظ على المكتسبات أو التكيف مع البيئة الجديدة، بحكم ممارسات النظام البعثي من مشاكل عسكرة المجتمع وأثرها على التنشئة الاجتماعية فضلاً عن تأثير الحروب والعنف في صناعة المزاج العراقي المفرط في العصبية التي كتب عنها ابن خلدون في مقدمته فضلاً عن حالة الجهل والأمّيّة المعرفية التي ساهمت في ما اسماه السيد بتعزيز العقل الأسطوري على حساب العقل النقدي وفق المدرسة التجريبية.

يحسب للسيد في كتابه تلك الإطلالات العملية في فهم المشكلات الاجتماعية العراقية من خلال قراءة بنيوية تعالج الأزمات بلغة واضحة وسلسة فهو كتاب متخصص وعميق وبنفس الوقت مكتوب بلغة سلسة تعالج مشكلات المجتمع الخطيرة والتي بدأت تتزايد مثل مشكلة الطلاق أو البطالة أو المشاكل الاقتصادية وأثرها على نواة المجتمع وهي الأسرة العراقية، ويدخل عالم الطعام والحب والمرض والكراهية والتشجيع والفيس بوك، وهذه زوايا قلما باحث دخل في تفاصيلها.

والباحث الشاب يقدم تحليلاً عميقاً لحالة الشباب الأكثرية الديمغرافية في العراق وفق قاعدة الجنس لجنسه اميل، فقد حاول تفسير حالة الشاب العراقي في مواجهة جيوش البطالة والفساد المجتمعي والاستبعاد عن تقديم أي دور بارز وصولاً الى أمراض خطيرة بدأت تتزايد، ويكفي مراجعة قصيرة لبيانات المحاكم الشخصية في العراق لكي نكتشف تلك العلل التي بدأت تتزايد، وهو يراجع تلك المشاكل وفق نظريات علماء الاجتماع مثل دوركهايم وماكس فيبر وآخرين.

ودراسة ظاهرة الانغلاق الاجتماعي، أو عدم وجود منافذ ترفيه للفرد وخصوصاً في قطاعات الرياضة أو الثقافة تحت وطأة المثلث التربوي العيب والحرام والممنوع.

ويفتح الكتاب شرحاً وافياً لتفصيلات الحياة المجتمعية العراقية، ما بين إطلالات متنوعة تبدأ باللغة والحب والرياضة ولا تنتهي عند المظاهرات ووقفات الاحتجاج، ويدرس تأثير التدوين الالكتروني في حياة الشباب العراقي وكأنه يتفق مع ما كتبه عالم السياسة الكندي نظام التفاهة أو الميديقراطية، وهي نظرية فلسفية سياسية جديدة، تنبأ بها باكراً فيلسوف العلوم السياسية الكندي المعاصر، ألان دونو بنظام التفاهة المجتمعي والتي يشير لها السيد بقوله (كان الفنان يشقى عمراً قبل أن يصبح نجماً: يتعلم ويتدرب، يجرّب، ويتعرض للفشل، وصولاً إلى انتزاع الاعتراف بشرعية نجوميته، أمّا حالياً فلقد صارت الشهرة تأتي في لمح البصر)، عبر ظاهرة النجومية المتخيلة والتي يلهث ورائها الشباب وفق المخيال الاجتماعي.

ثم يدخل عالم الثلاثية (الدين، الدولة، العشيرة) أكثر الموضوعات جدلاً في الذهنية العراقية، فضلاً عن الدور الهامشي للمثقف والسلطة، ودور المكونات الاجتماعية في ظل عالم يصف فيه بان التنوع في خطر عبر مجموعة من التصورات الخاطئة الذهنية المسبقة والناجمة عن جهل وعدم فهم الهويات العراقية وتفرعاتها والتي تمثل المقدمة الأساس لفهم بوصلة الهوية الوطنية وصناعة الأمة العراقية.

أتذكر عندما كنت أقلّب بعض الكتب القديمة والدراسات التي صدرت أيام حزب البعث، وخصوصاً تلك التي صدرت عبر مركز البحوث والمعلومات التابعة للرئاسة، كنت أجد دراسات تفصيلية عن عيون الاكراد، وأنوف الايزيدين، عن مظاهرهم وعن سمات الشيعة في الجنوب وعن أكلات العشائر في الغربية ورقصاتهم، في دراسات مفصلة عجيبة تقدم لصانع القرار السياسي آنذاك، فلماذا اختفت تلك الدراسات المهمة عن ذهنية صانع القرار الحالي، ولماذا أصبحت مطربة الحي لا تطرب أبداً، رغم أن الخصوصية العراقـية في كل تجلياتها الإبداعية، والمحفزة للبحث لم تمنح ذلك الاهتمام، والتفكير، والمناقشة، مثل قيام (مركز الدراسات الاجتماعية) يقوم بهذه المهمة، ويوضع على رأسه أمثال علي كريم السيد وشباب آخرون مبدعون كانت لهم صولة في عالم البحث الاجتماعي مثل الدكتور علاء حميد و الدكتور علي طاهر وآخرين. 

لابد للثروة المفقودة من أن تـُستعاد في زوايا النسيان المظلمة، هناك جزيرة من الكنوز العراقية لم تكتشَف بعد، ومنظومة البحث العلميِّ الأكاديميّ يجب أن تبحث عن هذا النتاج الثر الذي يسجل لدار الرافدين انها تقوم بدعم اصداراتهم ونتاجاتهم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top