قناديل: نقطة راس سطر !

لطفية الدليمي 2020/07/11 06:11:31 م

قناديل: نقطة راس سطر !

 لطفية الدليمي

تراه كائناً محسوباً على البشر – رجلاً أم إمرأة –، على شاشة تلفاز أو على منصّة منبرية أو مشاركاً في حوارية بليدة لاتشيع غير الصخب والبلادة، بعينين ذئبيتين ووجه متعطّش للدم البشري،

مئتزراً بمسوح التقية أو متجلبباً بمفردات اللباس المدني على طريقة الأفندية، لايجيدُ غير حوار الصراخ والتهديد الذي ينتهي بتلك اللازمة التي باتت واحدة من عناوين ( العراق الجديد): نقطة راس سطر ، وكأني به قد ختم علوم الأولين والآخرين واختزلها في خوارزمية واحدة عصية على العطب أو التكذيب أو المساءلة ، وهي – كما يرى – الوصفة السحرية التي ستأتي بالحلول الناجزة لكلّ معضلات العراق ، وليس أمامنا سوى أن نقبلها صاغرين وإلّا ....... 

اليقين جنون . كلّ مايستحيلُ يقيناً ينتهي جنوناً مطبقاً لايفضي إلا إلى مزيد دم وقتل وبشاعة. أنظروا للعقائد عندما تغوّلت في يقينيتها حتى صارت تنيناً عقائدياً يسترخص سفك الدماء تحت ذريعة الدفاع عن اليقين الخشن في مقابل اللايقين الذي يسعى لمساءلة اليقينيات حتى لو بلغت مبلغ مساءلة العلل الكامنة وراء الصيرورة الأولى والمحتجبة في عالم الغيب – ذلك العالم الذي يراه العرفانيون والمتصوفة فضاءً رحمانياً يحفل بكلّ ضروب المشتهيات الروحية التي لاقدرة لنا على بلوغها في عالم المشخّصات المادية؛ ومن أجل هذا قيلت العبارة العرفانية التي مفادها ( وأما اليقين فلايقين ) في تأكيد صارم على أنّ اليقين هو مقتلة الروح ووأد لجمال ( العلّة الأولى ) في عيون البشر وأرواحهم مهما تباينت مشاربهم الثقافية وتوجهاتهم الحضارية في هذه الحياة . 

مامِنْ كائن ينطق باليقين إلا وهو بعيدٌ عن الكياسة في القول والتراحم في العلاقات الإنسانية لأنّ روحه تختزن الشرّ تجاه سواه من البشر. هو كاذبٌ لايعرفُ حتى أن يغطّي كذبته المرسومة على قسمات وجهه. كائن لم يعرف أن يروّض نفسه بالأخلاقيات الحقيقية ويجمّلها بالعلم والمعرفة، إعتاد العيش في الأعشاش المظلمة شبيهة الأوكار السرية التي تستطيبها الأحزاب الآيديولوجية التي هي مظهرٌ آخر من مظاهر اليقين القاتل الذي أورثنا العطب وانعدام الفاعلية وخراب الوطن. كيف لهؤلاء العقائديين والمتقنّعين بأقنعة آيديولوجية زائفة ألّا يكونوا من عتاة اليقينيين بعد أن مكّنتهم أفاعيل بعض السياسات الدولية من أن يتحكّموا بمقادير بلد كالعراق هو أعظم بكثير من مقاساتهم على كلّ المستويات . 

اليقين قرين الأصولية، لصيق بها كيفما كانت متبنّياتُها، وسيخطئ من يظنّ أن اليقين المقصود كناية مخفية يُرادُ منها منظومة الدين وحدها. هذه مغالطة كبرى على مستوى المفهوم والتطبيق. كم من مدّعٍ بالعلمانية ،ببدلة وربطة عنق، تراه نافر الأوردة متى مامسّ الأمر مصالحه الشخصية التي يخفيها في إهاب الدفاع عن قضية يريدها أن تلامس محرومية الجماهير العريضة وماهو إلا كاذب غارق في مستنقع اليقين حتى أذنيه. اليقيني كائن مستوفزٌ مشلول العقل منعدم القدرة على رؤية العلاقات الخفية بين الأشياء والتي لم يكن له عهدٌ بها من قبل ولن يكون في المستقبل، كارهٌ للجمال ورؤية الناس يعيشون عيشة رضية لايرتضيها لسواه، أناني حدّ العلّة المرضية، راضٍ بحصيلته من المعرفة ويعيشُ حالة طوارئ ممتدة لأنّ عقله يزيّنُ له أنّ ( الآخر ) ليس سوى عدوّ يتوجّبُ إفناءه وعدم القبول له بمقاسمة الغنيمة التي يراها شرعية مخصوصة له ولجماعته اليقينية. 

العقل اليقيني عقل غير علمي بالضرورة، وهو بعيدٌ عن فنون التقنية ووسائلها، لايجيدُ سوى المداورة والنفاق والتدليس والنميمة ولايعرفُ وسائل تخليق الثروة بالكدّ والمشقة بل يستطيبُ التقاتل ووضع اليد على ماتتيحه الطبيعة من ثروات جاهزة. اليقين – الديني والآيديولوجي – بهذا السياق ليس سوى مصدّ لإخماد كلّ نزعة تمرّدية تجاه هذا الفساد المتجلبب بمسوح اليقين. 

أنظروا إلى جمهرة العقول اليقينية المتكاثرة في عراقنا المظلوم وستعرفون حينها أيّ مستنقعٍ آسن إنزلقنا إلى قعره المظلم .

نقطة راس سطر ..... ! 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top