صوت الطبول مـن بعيد.. وسلطة الـمـعـنى

صوت الطبول مـن بعيد.. وسلطة الـمـعـنى

شريف هاشم الزميلي

"صوت الطبول من بعيد" (2020) الرواية الثالثة للروائي فلاح رحيم بعد "القنافذ في يوم ساخن" (2012) و"حبات الرمل ...حبات المطر" (2017).

غير أنها الثانية تاريخياً حيث تدور حوادثها بين تموز 1981 حتى حزيران 1982. تضمنت الرواية ثلاثة أقسام: الأول "فاصل غريب" والثاني "أيام تتطاير كالغبار" والأخير "ما وراء الخير والشرّ".

للمعنى أذرعه لبناء النص، مثلما له سطوته في نقضه حين تتناسل الخلافات المشبوهة بين أطراف المعادلة حتى يصعب التحكم في إقصاء طرفيها في ضوء النوايا القائمة على تدمير كل ما يُفضي إلى نسق ونظام عادلين. معادلة طرفاها العبث والفوضى، العبث وما فيه من استهانة واستخفاف بكل ما يبعث في الحياة من تفاؤل وتطلع إلى الخير والسلام، والفوضى وما فيها من طغيان وتقصير وضياع للحقوق، العبث والفوضى ليس لهما في قاموس الحياة سوى الإدانة، فكلاهما معول يهدم ما هو بهيّ وجميل في عالم يسعى الإنسان إلى جعله أيقونة حبّ وسلام، ويأبى طرفا المعادلة إلا أن يُفسداه عبر خلافات ليس لها سوى إشعال فتيل الحرب، شرارتها الأولى "الدعاوى المتناقضة لطرفي الحرب – العراقي والإيراني – في تحديد موعد نشوبها ... خلافات كهذه تحدث، ولكنها ليست بريئة والخلاف بصدد بيانكا "الفارسية" ليس بريئاً هو الأخر ... تكملة لخراب الحرب وعشوائيتها." ص8 لا يخفى أن الاختلاف رحمة، ولكنه ليس كذلك مادام بدافع الهوى لا بدافع الحرص على إرساء نهج البناء وإدانة المشبوهين ممن يرفعون معاول الهدم، هذا الخلاف لا يمكن ترويضه إلاّ بنهج التروّي والتواصل على هدي مفاهيم إنسانية ورؤية قائمة على تشريح الواقع واعتماد بلسم شافٍ يجترحه صمت الحريص المتأمّل لا صخب العابث الفوضوي. 

لنتأمل الصفحة الخامسة "إلى أخي حسين قتلته الحرب العراقية الإيرانية في السادسة والعشرين, وكنت يومها أصغره بعامين وبينما أصارع الهرم يبقى هو فتياً إلى الأبد" يا لهذا الإهداء وساماً للخلود! يتقلده الراحل الحاضر أبداً حسين رحيم الذي عرَى مقتله حقيقة الحرب, فضحها وأدانها. 

المفردات والأسماء والأحداث في الرواية تسيّدها أكثرُ من معنى، بدءاً من صوت الطبول الذي عَلِمه سليم من عمر الخيام "أن صوت الطبول في البعد أعذب"ص6، حتى صوتها "الذي كان له إيقاع موحش متوعّد، متّسع كدخان يتصاعد فيقلب صورة الأفق ويسحب إلى مصدره الملتهب كلّ ما يدبّ على الأرض" ص378. سليم هو الأخر يعني السالم واللديغ معاً، فقد سموّا اللديغ سليماً لتطيرّهم فقلبوا المعنى تيمّناً بالشفاء.

العودة إلى داره في البياع بعد أن أنهى الخدمة العسكرية في تموز 1980 هي الأخرى لها سطوتها. ما يعني أن يعود سليم إلى داره؟ ذلك يعني أن يقع في مصائد الأمن المتربصة بأمثاله، بين يدي جاره رجل الأمن سبتي.. وتعني أيضاً وضعَ أخيه كريم الذي أبلغ دائرة الأمن في البياع – عند استدعائه، حين سألوه عن أخيه سليم المطلوب إلى العدالة لانتمائه إلى حزب محظور- أنّه سافر خارج العراق، وظهور سليم بعد إنهائه عامي الخدمة العسكرية، يعني تعرض كريم وعائلته لمساءلة غير محمودة العواقب. ذهابه إلى البياع يعني تكرار تجربة أخيه، أي كتابة الاعتراف، ودخولَ الصف الوطني.. هذه الهواجس هي ما دفعته إلى بيت ابن عمه فوزي في الزعفرانية، فليس له من ملاذ سواه، هو مستودع أسراره، والأمينِ على ودائعه، وليس له من ودائع سوى مذكراته التي سيعود إليها في مهاد القسم الثاني "أيام تتطاير كالغبار".

للاحتفال هو الأخر أكثر من معنى وأكثر من صورة. احتفلت أم سبتي، رجل الأمن، لحصول ابنها على درجة نصير متقدم في الحزب، سبتي "الذي لا يغادر بيته يرصد كالغراب الأجرب كل شاردة وواردة في الشارع"ص17 وقد كان احتفالاً بحق بما تعنيه هذه المفردة من احتفاء وفرح وطرب..

أما احتفال أم سليم حين زارته بصحبة أخته إنعام في بيت ابن عمه في الزعفرانية لا في بيته في البياع زيارة بدوافع متضاربة "أجاءت لتحتفل بتسريحه من الخدمة؟ أم لتلومه على إفراطه وتفريطه وزيغه عن الصراط المستقيم" ص21 جاءتا تتوزعهما مشاعر الفرح والاختناق، التوجّس والخيبة، التعب، الفزع، والوجع.

(1)

هذا التضاد في معنى ما حول سليم يتواصل ليمسّ ما استحوذ على لبّ الإنسان فأذهله عمّا سواه ألا وهو العمل، فقد شهدت أشهر ما قبل التسريح "أشغالاً شاقه في بناء هياكل بائسة.. رفض الكثيرون تسميتها أشغالاً، إنها عقوبة جماعية حاقدة من ضابط أطاحت الهستيريا بآخر أبراج عقله" ص16

حتى الحروف والأسماء تتشظّى معانيها ... حين ذهب إلى دائرة الجوازات وقد عزم على مغادرة الوطن وقف "أمام حرف السين الذي بدا له دالاً على سؤال أكثر منه حرفاً أولاً دالاً على اسم"ص18 هذا الحرف ذكره بصديقه ستار الذي "انتقل من موقع سليم وأخيه إلى صفوف البعث ليقطع الطريق على مزيد من الشقاء له ولعائلته" ص 24 

أن يكتشف سليم ما يؤُول إليه المعنى من إضافة رصينة ضالّته التي يسعى إليها لإرساء المزيد من الانسجام لنسج أشرعة الأمل والأمان وسط لجج الترقّب والمخاوف للإبحار إلى ملاذ يبعده عن تلك الحلول الكارثية.

دافعُ سليم إلى البحث عن ملاذ ﺁمن أخلاقي لا سياسي، وحين قرر أن يستنجد بمن يعينه على محنته لم يجد أمامه سوى حبيب أحد أصدقاء الأمس الذي لخّص قناعته بـ "أن رفض التوقيع على أوراقهم يمنحهم أبهة لا يستحقونها"ص33

ويعني حبيب بهذا أن يسلك سليم النهج الذي اتخذه للنجاة، غير أن تمسك سليم بموقفه لم يعد سياسياً كما قال "ما يدفعني إلى البحث عن ملاذ يمنع عني شرور النظام وتفاهاته دافع أخلاقي أكثر منه سياسي ... لن أمنحهم فرصة إهانتي" ص34 وأبلغه رأي ستار أحد أصدقاء الأمس حين التقى به سابقاً وأعلن رغبته في السفر إلى الخارج للبحث عن عمل، أشار عليه بـ "الشركات الأجنبية ... وهي بحاجة إلى المترجمين" ص25 ستار يعمل مترجماً في شركة فوجرول الفرنسية التي شيّدت مطار بغداد.

لم يكن أمام سليم من خيار سوى التوجّه إلى الشركات الأجنبية، وهذا ما أوحى به ستار من قبل وقد أيّده حبيب وأشار عليه بالبحث عن شركة خارج بغداد. 

انتهت جولات سليم للبحث عن عمل عند شركة سيمودكس البولندية في الأنبار، وبذلك يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار. حين وقف وهو في مكتبه في الشركة أمام "نافذة غرفته المطلّة على فضاء مشغول بشواهد الموتى الخفيضة المتواضعة تتناثر في ما بدا له أنه مقبرة المدينة"ص45 شعر بأنهّ لديغ العزلة. الرتابة أيام الخدمة في أم قصر تتكرر في رمال الأنبار بين أناس غرباء. عند وصول بيانكا إلى الشركة "كانت الدهشة أول إحساس داخلَ سليم حين وقعت عيناه عليها، شُقرة باهرة وبياض حليبي لم تمسّه شمس العراق، ورشاقة أبرزَها بنطلون أبيض من الكتان وقميص مرسل فوقه لا ضيق فيه" ص59 ذلك ما ألقى حجراً في سكون الحياة "أنثى واحدة لا أكثر هي كل ما يحتاجه جمع واجم ميّال إلى الصمت من الذكور لتسري فيه روح المسامرة وخفة الأنس وسماحة التحضر".

إن تمسك سليم بالعمل في الشركات الأجنبية بعيداً عن بغداد يجنبه الوقوع في أيدي رجال الأمن وأذنابهم المتربصين بأمثاله، غير أن ما كان يخشاه قد وقع: "أحد عمال الشركة من البولنديين حاول أن يبيع صوراً خلاعية لبعض الشباب فاقتادته الشرطة إلى مركزها في المدينة حيث يقبع محتجزاً" ص71.. غير أن سليم بعد الذي دار في مركز الشرطة ومن بعدها في مديرية الأمن أدرك "أن ما يحدث أقرب إلى لحظة المواجهة المؤجلة" ص79 انتهت بـ "توقيع تعهد بالتعاون في نقل أي أمر مريب في مكان العمل." ص81

هذا اللقاء مع ضابط المخابرات (أبو فرس) كما عرّف هو نفسه تناسل أحلاماً وكوابيس، أحلاماً وردية مع بيانكا وكوابيس مع ضابط الأمن.. "أي تقلب من خطأ إلى خطيئة؟ .. لم ينم إلا عندما قرّ قراره على تقديم الاستقالة... لقد أقترف في يوم واحد خطايا كبيرة لا تغتفر: وقّع عقد عمل لحساب المخابرات، تواطأ مع امرأة فوضوية تناصب عقيدته العداء، أساء إلى رجل أكرمه عندما أشتهى زوجته وإنْ في الأحلام." ص101

أيّ معنى لصحوة سليم؟ هل لذلك المعنى من سلطة مؤجّلة؟ أو ليست الاستقالة تعني العودة إلى المربع الأول في دوامة البحث عن عمل؟ من المؤكّد أنه "لن يحصل على فرصة عمل لدى الدولة دون إعلان توبته وخضوعه ... وإذا كان مستعداً للتوبة فإنّ الأولى به والأهون أن يبقى في مكانه ويباشر اللعبة مع أبي فراس وأوليك وحتى بيانكا" ص102

لا نجاة لسليم إلاّ بالاستقالة، بالرغم من قناعته بأنّ قرار ترك العمل "لا يخلو من حماقة، لأن العمل يدرّ عليه دخلاً ممتازاً .. ماذا لو عاد إلى بيته في البياع؟ ألا يعني هذا أن يسلّم نفسه لهم ويدعوهم إلى تسقيطه وأهانته؟... الاستقالة ستعني مواجهة حادة مع أبيه وانكساراً جديداً لأمّه"ص102 .

هواجس وتساؤلات وقراءة لمعنى ما يدور حوله لم يبنِ سوى "حدس قاهر يجزم بأن الاستقالة هي وسيلته للنجاة من وضع محفوف بكل أنواع المخاطر. " ص103 لبيانكا حضورها الدائم في مفاصل حياة سليم، طلبت منه بعد أن علمت بنيته على الاستقالة زيارة المقبرة المقابلة لسكنها وأبدى سليم استعداده لذلك، وكأن تلك الزيارة كانت لهدم قرار الاستقالة، ودفنه في مقبرة المدينة حين قالت له:

"- يؤسفني أنّ الشخص الوحيد الذي أستطيع أن أتكلم معه بصراحة عن مواجعي لن يبقى معي.

- هل أنا المقصود؟ 

نظرت إليه ولم تتكلّم أو تبتسم. قال وهما يغذان الخطى خارج المقبرة: 

- إن كنت المقصود فلا مشكلة. لقد قررت البقاء" ص107

(2)

يوميات القسم الثاني من الرواية "أيام تتطاير كالغبار" تكشف ما يدور في الخنادق من علاقات متشنجة بين المراتب والضباط، وبين هؤلاء والإيرانيين في خط التماس، والقاسم المشترك بينهما القصف الهستيري من الجانبين. وسط هذه الفوضى تبرز مفارقات عجيبة ليس ﺁخرها أن ﺁمر الفوج قرر "تحويل مكان المرافق المخصصة له إلى وادي يقع إلى اليسار من موضعه لقناعته أن مكانها الحالي مرتفع قليلاً ويعرضه للإصابة." ص181 

وفي الوقت الذي ينبغي لعلاقات المراتب أن تسودها الألفة والمودّة وهم يواجهون عدواً ضارياً يريد إنهاءَهم، وإبقاءهم في توتر دائم حيث "المراهقون والحزانى والذين يعانون حمل أطنان من الأحلام... المنبثقة من حاجات صغيرة حولتها الحرب إلى معجزات لا يقدرون على توليد قدر كافٍ من الودّ في ما بينهم"ص206 فضلا عمّا يدور في الإعلام الرسمي من ممارسات تدعو إلى الإحباط حيث لا احترام للحداد والموت، يتمثل ذلك في نشر صور جميلات شبه عاريات كل يوم:

"نشرت الجمهورية صورة الراقصة لينور ﺁمالي تراقص توني كيرتس .. الثورة نشرت صورة راكيل ويلش تضحك بوجه ممتلئ وجسد ناطق بالغواية، القادسية نشرت صورة شينا إيشون المطربة الأسكتلندية الفاتنة، وقد برّر نائب ضابط قاسم مسؤول الوحدة الغاية من نشر هذه الصور الردّ على الملالي في إيران وتذكيرهم أن العراقيين يعشقون الحياة" ص270-271 الاقتتال مستمر "دون أن يتحقق سوى سفك الدماء ورجحان متزايد لكفة الأرض حدّ إلغاء البشر". حين تراءت له خسائره القادمة في الحرب قرر أن يستعين بالرياضيات:

"الوطن = الدم + التراب

100 = صفر + 100

بالتعويض 

الوطن = صفر + 100" ص292-293

إنها الحرب، حدثَ ما يخشاه سليم، ليس أمامه سوى استحضار بيانكا ومخاطبتها "حضورك أمامي وأنا أكتب، والحدث وما تمخض عنه من دلالات مهما كانت مؤلمة هي عدّتي الوحيدة للبقاء والتشبث بالمعنى" ص97

الإجازة هي الأخرى لها أكثر من معنى مؤجل، حيث أبلغه ملازم عدنان "أن عقيد عبد الخالق اتصل وطلب لك إجازة أمدها أسبوع ... لكنها وصيه من ﺁمر الكتيبة أن لا تكرر اللجوء إلى التوسط والعلاقات للحصول على مزيد من الإجازات"ص303

سليم لم يسعَ إلى هذه الإجازة، ولكنها وقد حصلت فهي فرصته للاطمئنان على أهله، وها هو ذا في الطريق إليهم.. حيث "انعطف إلى شارعه الأخير حيث منتهى رحلة العودة العجيبة.. القطع السوداء المتناثرة على بهرج بغداد تنعى الشهداء والمفقودين.. ومن بينها.. فاتحة الشهيد البطل كريم كاظم حسن استشهد في قاطع كيلان غرب بتاريخ 31/12/1981.. شهق وتجمد وعيه بالعالم حوله.. هكذا تقع الزلازل؟ باغته الغراب الجاثم على الحائط فتح جناحيه وهبّ من جموده لينقضّ عليه كنسر جائع... سقط على الأرض... وسقط الغراب فوقه يغطي جسده بأجنحة أسطورية... لاشيء ألا دوار في رأسه وخور يشبه الشلل... كريم دون كل الناس هو الأبعد عن هذه الأسطورة الخاوية المسماة شهداء الحرب، إنه الحياة نفسها، كيف يموت؟ ص 307 أيمكن للمعنى أن يؤسس للحياة والموت انتماءً؟ " اكتشف سليم بعد حين من الصدمة أنّ أصعب ما في الموت الحياة. الموت ينتمي إلى سكون الأبدية وغفلته وهو ما تنبشه الحياة وتتحداه. تعذب الحياة نفسها على عتبات الموت" ص310 

(3)

الشهادة نفسها لها مقاساتها. لم يرد سليم أن ينكأ جراح أبيه وأمه وأخته إنعام عن مجريات الحادث. ذهب إلى الحلة حيث أخته كريمة ونسيبه محسن لعله يجد لديهما أجوبة لأسئلته، أخبره محسن "أنّ التقرير الذي وصل مع الجثة يقول: إنه قتل في حادث سيارة. لكن غسل الجثة أظهر ثقباً في صدره تركته شظية اخترقت القلب. ولم يُعدّ شهيداً في الوثائق الرسمية." ص315

ومحسن من المبتلين بوصمة الصف الوطني، وتلك لعمري مفارقة عجيبة، أن تكون صفة الوطني في هذا الموقع وصمة عار، وثمة مفارقة أخرى, استدعي محسن ليحلّ محل مدرس ﺁخر في أحد قواطع الجيش الشعبي، وحين سأل مسؤول المنطقة عن غرابة ذلك قال: "إنّ الأول مدرس رياضيات وهناك شحّ في هذا التخصص، اللغة العربية أمرها يسير." ص313

أتكون بيانكا الأنثى الأزلية التي أشير إليها من قبل، الأنثى التي "يحملها النفر الضائع في الحفر تعويذة انتظام ومعنى... وسيلة يجمعون بها صور حروبهم الهوجاء في بؤرة صافية." ص7 ليختتم بها يومياته، بدءاً من الاتصال الهاتفي بها حتى السفر إليها واللقاء "على وقع موسيقى هادئة لا تكاد تُعرف الحدود الفاصلة بينها وبين الصمت هي الأخرى.. اندفع الجسدان إلى هدف مستحيل، أن يتحدا في جسد واحد لا يشبه في شيء جسديهما قبل اللقاء." ص246

أيّة سلطة للمعنى تدفع سليم إلى الانسجام معه وترويضه عبر الكتابة التي ما خذلته يوماً، مادام الصدق وحيوية المشاعر من بواعثه التي تستنفره لتمكين الورق من نبضه المسكون بالترقب والحرص للتعبير عن ما حوله، بما يؤمّن هدنة مؤقتة تمكّنه من التواصل مع الحياة.

سليم الذي اتخذ الكتاب رفيقاً في السلم والحرب، زاده الذي بدونه يشعر بالاختناق، إنه يتنفس حروفاً وهذا ما أزّم الموقف بينه وبين عريف هاشم حيث تراءى له أن ابتعاد سليم عن استكمال ما وعده بترجمة كتاب الصف الثالث المتوسط إلى العربية كان تعالياً منه، وحقيقة الأمر أن التوقيت "لم يكن مناسباً لسليم. كان مقتل كريم شرخاً في حياته المدنية والعسكرية، ظلَّ يحرص على أداء واجباته وعلى التواصل مع من حوله، لكنه يبقى بالرغم من كل ما يقول ويفعل غائباً عن مكانه وزمانه ميالاً إلى الصمت والعزلة."ص336 وقد فسّر عريف هاشم هذا تعالياً، في حين كان سليم متواضعاً حليماً صبوراً وكأنه تمثل قول الشاعر:

كن حليماً إذا بُليت بغيظٍوصبوراً إذا أتتك مُصيَبه

فالليالي من الزمان حبالىمثقلات يلدن كل عجيبَه

وللصبر حدود بعدما دار بين عبد وعريف هاشم لرأب الصدع بينهما حيث ظروف سليم القاسية بعد مقتل أخيه في الحرب فرد هاشم بنفور وسخط "شخبصنا" ص338. هذا ما دفع إلى اشتباك سليم وعريف هاشم في عراك مسعور، "كان الآمر قد دقق في استجواب عبد لمعرفة من بدأ الهجوم وتأكد أن هاشم هو من رفع يده أولاً، وبالرغم من تعاطفه مع سليم قال بهدوء أقرب إلى العتاب: كان الأجدى بك أن لا ترد عليه وترفع يدك. لو أتيت لأخذتُ لك حقك وزيادة." ص340

(4)

لم يدُر بخلد سليم في الفصلين الأخيرين من القسم الثالث "ما وراء الخير والشرّ"، عند لقائه ببيانكا في غياب أوليك، أن يباغته طرف ثالث/الموت، تذكر موت أخيه كريم وما فجره إحساس سابق بأن لقاء بيانكا يعد احتفالاً بالحياة وسط مأتم، ثم باغته أوليك الذي "لم يكن يخطر له من بين كل الاحتمالات أن يجد سليم دون سواه في بيته."ص373

هنا عليّ أن أتوقف حتى لا أفسد متعة قراءة الرواية فضلا عن ما لم ﺁتِ على ذكره من أحداث ومواقف جديرة بالمتابعة والتأمل. 

"صوت الطبول من بعيد" رواية جادة وإضافة غنية إلى العمل الروائي عراقياً وعربياً، ولا أبالغ إذا ما قلت وعالمياً بعد الشروع بترجمة روايته الأولى "القنافذ في يوم ساخن" إلى الإنجليزية. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top