إنْ شئتَ كما في السماء .. تصالُح الحداثة العربيَّة

إنْ شئتَ كما في السماء .. تصالُح الحداثة العربيَّة

عبد المنعم أديب

2-2

وهو أيضًا ينظر للازدواجيَّة الأخلاقيَّة التي تظهر في الحانة بين الأخَّيْن وأختهما وموقف شرب الخمر بين الرجل والمرأة أو بين الأخ والأخت.

وهو في النهاية الذي لكلِّ هذا يشرب الخمر دومًا في كلّ مشاهده في بلاد العرب، مُعبِّرًا عن موقفه. لكنَّه يغيِّر من شرابه الذي يُسكر العقل، إلى شرب القهوة التي تنبِّه الغرب طوال الجزء الذي يقع في بلاد الغرب. هذا هو تشكيل الرجل بنظرة الحداثة.

أمَّا عن البيئة التي دفعته لذلك فهي هذا الوضع الذي قد يعبِّر عن العبث، لكنَّه أيضًا يعبِّر عن المأساة في المشهد الأول في أثناء الطقوس الكنسيَّة، وهو هذه الازدواجيَّة الأخلاقيَّة التي عبَّر عنها من قبل، وهي "اللا أخلاقيَّة" التي ظهرت في مشهد العجوز وابنه التي وصلنا إليها، وهي هذه الافتراق الحاسم في مشهد ضابطَيْ الشرطة الفلسطينيين اللذين اغتصبا من صاحب المناظير منظارَيْن دون ثمن، ثم وهما ينظران من المنظار الذي يحدُّ النظر لا يريان أبدًا هذا السلوك الإجراميّ أو المُخالف للقانون الذي يقع أمامهما تمامًا بل ينظران بهما إلى السماء. وبالعموم هو تحوُّل الحال العربيَّة إلى حال لا يمكن تصويره بكلمات، وقد لا يُجدي معه إلا الخمر.

قبل مغادرة الأراضي العربيَّة نجد مشهدًا واحدًا يتحدث عن الاحتلال كعنصر من الصورة لا كقضيَّة للفيلم كلِّه. في مشهد سيارة جنديَّيْ الاحتلال وهما يختطفان طفلة تُشبه في ملامحها العامة فتاة فلسطين "عهد التميميّ". لكنَّ الأهم ليس هو اختطافهما بل إنَّه كان يظنُّ أنَّ سيارة الاحتلال تلحق به لأنَّه قد خالف السرعة، فلمَّا أبطأ وجد أنَّ الجنديين لا يُلقيان بالاً له أصلاً، بل يتبادلان تجربة نظَّارَتيْ شمس أمام مرآة السيارة، حتى عندما زاد السرعة إلى حدّ أقصى لمْ يفكِّرا باللحاق به. هذا ما صدَّره لنا عن فلسطين أو عن العرب والعربيّ الحداثيّ المهموم بقضايا وطنه.

ثمَّ يسافر البطل إلى الغرب مُتجهًا نحوه قلبًا وفكرًا وروحًا. ونلحظ أنَّه اختار فرنسا وأمريكا أيْ أبرز دول الحضارة الغربيَّة الأوربيَّة، ودولة الحضارة الغربيَّة الحديثة، أيْ الغرب بجناحَيْه ثقافتَيْه. وكثير من المشاهد في الغرب لها عديد الدلالات لذا سأحاول الاختصار البالغ في إيراد زُبدة الأمر وخلاصته، بعدما تبيَّن وأُرسِيَ الأمر في مشاهد فلسطين.

ومع المشهد الأول الذي فيه عرض الأزياء وهو على المقهى يعبِّر الفيلم عن حالة الانبهار العربيّ أمام الغرب عن طريق هذا العرض من الحسناوات ونظرة البطل النَّهِمَة لهنّ، وإعجابه العميق بالتأنُّق والرَّونق الغربيّ، والالتماع والحريَّة. هذه المظاهر الذي يكتظّ بها المشهد وهي أيضًا الأحاسيس نفسها التي يحسُّها العربيّ أمام حضارة الغرب، وما يُصدِّره بعض المثقفين العرب للمُتلقِّين العرب. وكأنَّ المشهد بالكامل إعلان تجاريّ عن الغرب كمُنتَج.

ثم تتوالى المشاهد بالغة الكثرة ليكتشف البطل أنَّ الأمر ليس على هذه الصورة التي نتصورها، وأنَّ وراء هذا الانبهار عوامل ودلالات لو عرفناها لغيَّرنا رأينا. ولا يضيِّع الفيلم وقتًا فبعدها مُباشرةً نجد مشهدين يدلّانِ على تمحور العقل الغربيّ حول التطور التكنولوجيّ الذي أحدثه؛ فجميع مُستخدمي الأدوات الحديثة -ومنهم الشرطة- لا يستخدمون تلك الأدوات للغرض الذي صُنعتْ له، بل يقفون فقط عن حدّ استخدام التكنولوجيا وحسب، حتى لتُنسيهم أنَّها صُنعتْ لغرض.

ثم يكتشف البطل "شكليَّة النظام الغربيّ" الذي نتغنَّى به في وطننا العربيّ؛ حتى صرنا كالبُلهاء نردد أساطير عن النظام الأوربيّ والإحكام الأمريكيّ. فها هي الشرطة لا يهمها إعادة المسروق بل مواصلة اللحاق بالسارق، وها هي عربة الإسعاف تطمئنّ على متشرِّد يفترش الطريق، ثم تقدِّم له "الشكولاتة" -التي هي رمز الرفاهة- وهو يفترش الشارع لاحتياجه للأساسيات لا مواد الرفاه وتمضي تاركةً إيَّاه في الشارع بعد أنْ ملأت دفترها!

ثمّ يكتشف البطل تحالف السلطة والمال والجيش من خلال مشاهد الطائرات التي تظهر من وراء قصور السلطة القديمة، والدبابات التي تمرّ من أمام البنك المركزيّ الفرنسيّ. رغم أنَّه قد ترك منذ شارعيْن صفًّا طويلاً من العرب والأفارقة والفرنسيين يقفون أمام كنيسة لتسدّ رمقهم! .. ويكتشف الضياع الأخلاقيّ وأخلاق الغاب في مشهد النافورة حيث يستولي كلُّ إنسان على أيّ حقّ بغض النظر عن استحقاقه له، وحيث يخوِّن الجميع الجميع.

فضلاً عن نفوره من موجة الشذوذ الجنسيّ والسلوك بالغ الغرابة في مشاهد قطار الأنفاق وذاك الشابّ الذي روَّعه لدقائق مجرد وقوفه بجانبه. ثم يكشف عن مشكلة الاستعباد التي ما زالت تقف عندها أوروبا. فها هما فقيران من أصل إفريقيّ يعملانِ عاملَيْ نظافة ونتيجةً لكلّ القهر المُمارس يتركان عملهما ويلهوان كصفائح المياه الغازيَّة وكأنَّهما يلعبان "الجولف"، ثمَّ ينظران بانبهار شديد إلى عرض أسلحة تقيمه الدولة بنقودهما ونقود الشعب. وكذلك مشهد في غاية البراعة عندما يكتشف أنَّ شاشة عرض الأزياء التي تقابل شقته في المبنى التالي ما هي إلا شاشة عبوديَّة تستغلّ السيدة الأفريقيَّة لتظهر الفتاة الأوروبيَّة التي تفتن العيون.

ومشهد العصفور الذي هو ضعيف مثل حال البطل ومثل حال فلسطين، والذي لمْ يجد الحنان إلا من البطل، ولمَّا تركه يمضي إلى السماء نرى أنَّها مقسَّمة بفعل الطائرات النفَّاثة ليتأكَّد ألا مكانَ لعصفورنا -الحقيقيّ أو البطل- تحت هذا السماء. وها هو يشهد وراء الشوارع الفخمة الفسيحة ملايين الشوارع التي تعجّ بالفقر والفقراء والنفايات لا تفترق في شيء عن شوارع بلاده. ويشهد القلق والعنف الاجتماعيّ في حمل السلاح في أمريكا للمواطنين. وكذلك يطلعنا بسخرية مريرة على اللقاءات العربيَّة في المهجر من أجل فلسطين.

وتبلغ المفارقة أو الازدواجيَّة مداها في مشهد الفتاة التي تتعرَّى وهي تلوِّن جسدها بعَلَم فلسطين، وملاحقة الشرطة لها في بلاد تدِّعي الحريَّة الكاملة، وتحتلّ بلادنا لتُقرَّها، لكنَّ يتأكَّد أنَّها ليست حريَّة تلك التي يدعون إليها؛ فها هم يسعون إلى تغطية الجسد طالما كان عورةً في نظرهم! .. إنَّهم يعتبرون فلسطين عورة تستوجب الستر، ويسمُّون الآتي منها فلسطينيّ من ..... (الكيان المحتل)، حتى إنَّ سائق التاكسي لا يصدق أنَّ هناك فلسطينيًّا بعد عمليَّة الستر العُظمى لدولة بالكامل التي قام بها الشيخ التقيّ "العمّ سام".

وفي النهاية يُرفض من جناح الغرب الفرنسيّ، ويُرفض من الجناح الأمريكيّ أيّ فيلم جدِّيّ عن فلسطين، بل يُعدُّ نوعًا من الكوميديا. وتتحوَّل فلسطين وجودًا وأنطولوجيا إلى كلمة يحكيها له عرَّاف. فيعود البطل إلى الوطن العربيّ أقرب إلى رؤية صحيحة معتدلة بعدما رأى أنَّ عيوب وطنه هي عيوب الإنسان لا جنس معين ولا لغة معينة. مما يشير إلى أنَّ الأجدى هو الإصلاح لا القطيعة المعرفيَّة والأخلاقيَّة. لكنَّه حينما يعود يجد نسقَيْنِ المرأة العربيَّة تمضي في طريقها الطويل بثبات رغم الصعوبات التي تقابلها. 

ونسقًا آخر ختم به الفيلم نسقًا به الكثير من ازدواجيَّة الموقف العربيّ الحاليّ في مشهد الشباب الذي يتغنون بأغنية فصحى، بل إنَّها تقول: "عربيٌّ أنا اخشيني" .. لكنَّها بلسان عربيّ غير مُبين، ومن يتفاعلون معها كلّ ما فيهم غير عربيّ إلا من كلمات تراقصون عليها رقص مجانين الغرب، وهم في ملهى ذي سمت غربيّ محض. وهو يعود إلى خمره وينظر إليهم نظرات تتأرجح بين القلق والرضا ونسمات الاحتجاج، لكنَّ عينيه تحتدُّ وكأنَّه ينظر إلى شيء بعيد، وكأنَّه ينظر إلى المستقبل. ثم تظلم الشاشة على هؤلاء الشباب في حالة تحتاج إلى كثير من النقاش وإعادة ضبط المفاهيم، وإعادة رؤية الأولويات.

ومهما كان الأمر ففيلم "إنْ شئتَ كما في السماء" تجربة تستحقّ ما نالتْه من جوائز، وما ستناله. بما تمثِّله من أصالة في التجربة، وتشكيل سينمائيّ يُثري حالة الوعي العامّ. هي ليست خطوة أخيرة بل خطوة يُخطى بعدها أميال في رحلة تشكيل الوعي العربيّ لنعرف مَنْ نحن ومَن الآخر وكيف سنقف أمام تحديات المصير.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top