زهرة النيل.. نبتة استعمارية قاتلة تغزو الأنهر العراقية

زهرة النيل.. نبتة استعمارية قاتلة تغزو الأنهر العراقية

 منار الزبيدي /الديوانية

يعاني المزارعون في قضاء غماس التابع لمحافظة الديوانية من الانتشار الكثيف لنبتة زهرة النيل رغم محاولاتهم المتعددة للتخلص منها دون جدوى، ذاك إنها تقاوم بشراسة وتنتصر في كل مرة وتُعَوض خسارتها بزهرات جديدة تُعَد بالآلاف.

زهرة النيل التي مكّنها جمالها غزو الأنهار وروافدها في بلاد الرافدين وأصبحت نبتة استعمارية، يكرهها المزارعون والصيادون ويكافح الجميع من أجل استئصالها، انما نموها المتسارع يخنق الأحياء المائية وتزاحم المزروعات الصيفية.

يتكبد هادي عبيد، فلاح في جنوبي العراق، ويزرع نحو 800 دونم من الأراضي الزراعية بمحصول الشلب (الرز)، خسائر كبيرة جراء مستعمرات زهرة النيل. على رغم استخدامه جهوداً بشرية واستئجار الآليات لإزالتها خوفاً من انسداد مجاري المياه، لم يستطع معالجة الأمر كما ينبغي. "أتكبد سنوياً مبالغ كبيرة تتراوح بين 3-4 مليون دينار عراقي لمكافحة زهرة النيل ولكن دون جدوى" يقول عبيد.

لم تكن الكلفة المالية التي أنفقها هادي عبيد مصدر قلقه، بل حجم المشكلة واتساعها وضعف المعالجات الحكومية، خاصة بعد أن زحفت الزهرة وأغلقت مشروع ماء الهيدرساوي في غماس في محافظة الديوانية منذ ثلاث سنوات، ولا زالت تزحف نحو بقية المشاريع المائية وتستعمرها.

يتكبد مزارعو الرز بشكل خاص خسائر مالية كبيرة وتزداد مخاوفهم في كل موسم إذ يعتبر الرز من محاصيلهم الرئيسة وقد أثرت الزهرة على سرعة ري حقولهم، فبدل أن تصل المياه خلال ساعتين إلى الحقول أصبح يحتاج المزارع يومين لتأمين وصولها، وذلك بسبب مستعمرات زهرة النيل بحسب هادي عبيد، مشيراً إلى حصول مشاجرات مع الجهات الحكومية من قبل عدد من المزارعين بسبب ضعف أدائها وإجراءاتها.

وتكمن المشكلة في أن الزهرة تغلق قنوات مائية تغذي الحقول، الأمر الذي يؤدي الى تأخر ري المزروعات وانخفاض حصص المزارعين المائية، فتزاحم المحاصيل الصيفية المميزة بإنتاجيتها وتلحق الخسائر بمستقبل الزراعة والاقتصاد في المنطقة التي تعاني أساساً من ارتفاع نسب الفقر والبطالة.

الفاتنة الخبيثة

تعتبر زهرة النيل عائلاً للكثير من الأمراض والحشرات التي تصيب المزروعات مثل حفار ساق الذرة في آسيا والنيماتودا التي تصيب جذور الرز إضافة إلى القوارض التي تصيب العديد من المحاصيل الزراعية، كما أنها تعتبر عائلاً للبعوض الناقل للملاريا وأمراض أخرى تصيب الإنسان في مناطق كثيرة في العالم مثل التيفوئيد والكوليرا والبلهارسيا والديدان الخيطية وهي مكان تجمع الثعابين السامة والجرذان والعديد من الزواحف والتماسيح وأفراس النهر التي تعتبر خطراً على حياة الإنسان.

الموطن الأصلي لهذه النبتة المائية التي تطفو على سطح الماء، بحسب الباحث المتخصص في مكافحة الأدغال عدنان الوكاع، هو حوض نهر الأمازون في البرازيل، انتشرت إلى أمريكا الشمالية واستراليا والصين والهند واليابان وجنوب أفريقيا، ولها القدرة على العيش في أنواع مختلفة من المياه وتعد الأنهر والخلجان والجزرات من الأماكن المشجعة لنموها وتكاثرها. للزهرة أسماء مختلفة مثل الجحيم، الدولار والشيطان الجميل وتم تصنيفها في الموسوعة النباتية البرازيلية عام 1823 كنبتة مستعمِرة، وتحتل موقع 20 من بين مئة أخطر دغل في العالم. وعلى رغم تميز الزهرة بجمال، إنما سلوكها خبيث حيث تنمو على شكل بساط خضري كثيف وواسع فوق سطح الماء وفقاً للخبير في الشأن الزراعي عبد الحسين المالكي. 

 

متى وكيف دخلت العراق

بحسب الباحث المتخصص في مكافحة الأدغال عدنان والوكاع، رئيس قسم علوم المحاصيل الحقلية في جامعة ديالى، دخلت زهرة النيل إلى العراق في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ولوحظت على ضفاف قناة الجيش شرقي العاصمة بغداد وكان يتم بيعها كنبات للزينة، وانتقلت فيما بعد إلى نهر ديالى قرب مصبه في نهر دجلة جنوب العاصمة. وانتقلت من تلك القناة تدريجياً إلى مناطق مائية مختلفة في الجنوب، وتمددت شمالاً حتى وصلت الى محافظة نينوى. ويشير الوكاع إلى أن وجود الزهرة وانتشارها السريع، يعد مشكلة بيئية تزداد حجما يوماً بعد يوم، خصوصاً مع النقص الحاصل في الحصة المائية اللازمة للزراعة من نهري دجلة والفرات، إضافة إلى الجفاف الذي يسود المنطقة وزيادة مساحة الأراضي المطلوبة للزراعة؛ ذلك إنها تشكل كتلة خضراء كبيرة طافية وتعرقل جريان الماء وتحجز الماء أينما وجدت. كما إنها تقلل من السعة الاستيعابية لقنوات الري والبزل والأنهار، ولها تأثيره مباشر على السكان المحليين الذي يعتمدون على الزراعة والمياه لتأمين حياتهم.

تتجاوز تأثيرات هذه المستعمرة الخضراء نطاق عمل المزارعين وتشمل حتى نطاق عمل الصيادين حيث تقطع عليهم الطرق التي يسلكونها أثناء الصيد، ناهيك بأنها ضارة للتنوع الأحيائي للأسماك أيضاً. يقول الصياد علي كاظم من بلدة الشنافية التابعة لمحافظة الديوانية: "ترك الصيادون عملهم بسبب انتشار الزهرة المتضاعف، إذ وصل إلى مرحلة قطع الطريق المائي بعد انتشارها وسط الممرات المائية، حتى إننا نضطر أحيانا إلى فتح مجال صغير يسمح بمرور زوارقنا إلى الجانب الآخر". ويتابع هذا الصياد بالقول "هناك مناطق مائية هجرها الصيادين بعد قلة الأسماك فيها أو انعدامها أحيانا بسبب زهرة النيل، فيما يبحث بعض منهم عن أماكن أخرى، وترك آخرون عملهم للسبب ذاته".

وتقلل زهرة النيل من سرعة التيار المائي الضروري لتزويد الأسماك المستزرعة بالأقفاص العائمة بالأوكسجين المذاب ودفع الفضلات وبقايا الغذاء. ويشير المختص في هندسة العلوم الزراعية/الإنتاج الحيواني أحمد الجبوري الى خطورة تواجد هذه النباتات وغيرها بالقرب من مشاريع الأسماك أو ضمن بحيرات الأسماك، ذاك أنها تستنزف الأوكسجين المذاب في الماء عن طريق التنفس في أوقات الليل عند توقف عملية البناء الضوئي وتطرح غاز ثاني أوكسيد الكاربون الذي يسبب مشاكل كبيرة للأسماك أبرزها الاختناق والنفوق. وتستقطب الزهرة طيوراً وسلاحف وأفاعي يمكن اعتبارها عدوة للأسماك وبيئاتها، فضلاً عن مسببات مرضية أخرى كالطفيليات والفطريات والبكتريا. وهي بحسب الباحث نفسه، زهرة سامة وترسب في بعض أجزاء مجموعها الخضري العديد من العناصر الثقيلة السامة كالرصاص والنحاس وغيرها. ويؤكد المختص عدنان الوكاع على التأثير الكبير الذي تتركه الزهرة على النقل والملاحة النهرية، وتسبب إعطاباً كثيرة في قوارب الصيد وتدفع الصيادين إلى استهلاك الوقود الإضافي نتيجة الجهد العالي المتولد عن حركة القوارب.

تكاثر الزهرة وتأثيرها على البيئة

تتكاثر الزهرة أو الفاتنة القاتلة عن طريق التلقيح الذاتي أو التلقيح الخلطي عبر الحشرات، وتولّد نبتة واحدة (12000) بذرة قادرة على الحفاظ على حيويتها لــ 20 عاماً تقريباً في الرطوبة، و6 أشهر في المناخ الجاف. وهي تعد من النباتات القادرة على سرعة الاستجابة والتكيف مع التغيرات المناخية، لها تأثير سيئ على النظام البيئي المائي جراء منعها وصول الضوء للكائنات المائية الأخرى، ناهيك باستهلاكها كميات هائلة من المياه التي تصل 93-96 % من وزنها. ويؤدي موتها وتحلل خلاياها الى ادخال كميات كبيرة من المواد العضوية إلى الماء مما يؤدي إلى خفض نوعيته.

ويشير عدنان الوكاع الى أن نمو الزهرة السريع يؤثر على مولدات الطاقة الكهربائية عند السدود ويسبب ضغطاً ديناميكياًعليها وقد يؤدي إلى تدميرها، ناهيك بعرقلة حركة المياه في قنوات الري والبزل خصوصاً عند البوابات المائية.

معالجات

رغم استحداث مديريات معالجة زهرة النيل والأعشاب المائية في العام 2005 من قبل الحكومة العراقية لكن ذلك لم يشفع، ثم توقفت أعمال المكافحة لعدة سنوات وتم استئنافها عام 2016 عندما استفحل الانتشار. وبسبب مقاومتها للظروف البيئية وتكاثرها السريع أصبح موظفو الدائرة يعتقدون بأن القضاء عليها "مستحيل" كما يقول مهدي خضير عبيد مسؤول قاطع محافظة الديوانية لمعالجة الزهرة.

وبحسب خضير فإن إجراءات الحكومة لمكافحتها تتم باستخدام الجهود الآلية والبشرية والاستعانة بالمتعهدين. وتتركز الجهود الحكومية على الأنهر الرئيسة، وبما أن وجودها في الأنهر الفرعية لا يؤثر على المجرى الرئيس لمياه المحافظة عادةً لا يتم الاهتمام بها بشكل كبير، كما أثرت الضائقة المالية على جهود المكافحة بحسب خضير.

ويشير المختص أحمد الجبوري في هذا السياق الى وجود ثلاث طرق يمكن استعمالها للتخلص من الزهرة تُعرف بالطريقة الميكانيكية أو الفيزيائية عبر استخدام المعدات والآليات الثقيلة كالجرافات والأسلاك المعدنية التي تسحب بالآليات الثقيلة ومن ثم نصب المصدات في عرض المقطع المائي للنهر لمنع عودة رايزومات أو النبات نفسه وهذه الطريقة رغم محدوديتها إلا إنها معتمدة لدى الحكومة.

تعرف الطريقة الثانية بالبيولوجية، تتلخص باستخدام أنواع من الأسماك العشبية والقارتة مثل أسماك الكارب العشبي والأسماك المحلية العراقية القارتة كالبني، وذلك عبر إطلاق أعداد كبيرة من هذه الأسماك في مناطق تواجد النبتة. تعيش الأسماك على عليها وغيرها من النباتات المائية الضارة خلال فترة نموها، إنما يشترط عدم صيد الأسماك في فترة نموها، ناهيك بالصيد غير القانوني من خلال استعمال الكهرباء والمبيدات والسموم التي تعمل على اختفاء هذه الأسماك من البيئة المائية نهائياً. وبحسب الجبوري فإنه يمكن الاستعانة بمفترسي النبات الطبيعيين وتوطينها في أماكن وجود النبات على سبيل المثال هناك نوع من الخنافس يسمى Neochetina eichhorniae وهي تعتبر مفترس طبيعي يمكن أن تتغذى على النباتات وهي تضع بيوضها داخل أوراق وباقي أجزاء الزهرة فعندما تفقس البيوض تبدأ حوريات ويرقات الحشرة بالتغذية الشرهة على النبات. واختتم الجبوري حديثه بالإشارة إلى الطريقة الكيميائية، وهي الأخيرة، إذ يمكن من خلالها مكافحة زهرة النيل والتي تشمل المبيدات الكيميائية إلا أنه لا ينصح باستخدامها لأنها ستؤثر على الصحة العامة للإنسان كما ستؤثر سلباً على الأحياء المائية.

*هذا الموضوع تم إعداده بالتعاون مع Clingendael Institute وFPU

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top