مخطوطات محمد رسولوف لا تحترق

مخطوطات محمد رسولوف لا تحترق

أحمد ثامر جهاد

في فيلمه الجرئ "مخطوطات لا تحترق" يستند المخرج الايراني"محمد رسولوف"(كاتب ومنتج الفيلم)على تفاصيل حادثة حقيقية هزت الاوساط الثقافية الايرانية منتصف التسعينيات وتسببت بأزمة كبيرة بين النظام ورابطة الكتاب،

وذلك بعدما اقدمت المخابرات على الاعتداء على حافلة تقل نحو 21 كاتبا ايرانيا تمت دعوتهم لحضور مؤتمر ثقافي في ارمينيا، عبر تدبير حادث مفتعل لاسقاط الحافلة في منحدر جبلي والانتهاء من ذوي الاصوات العالية! تشاء الاقدار ان تصطدم الحافلة بصخرة تحول دون سقوطها في المنحدر.

لن نشاهد تفاصيل تلك الحادثة في سرد الفيلم وانما نستعيد ذكريات مريرة عنها من خلال ثلاثة كتاب شهدوا الواقعة ويحاول اثنان منهم تدوين وقائعها. يركز الفيلم من الناحية الدرامية وبشكل جوهري على تتبع عناصر الامن لهؤلاء الكتاب، مضايقتهم واخضاعهم للمراقبة الشديدة والتنصت على مكالماتهم، فضلا عن ابتزازهم باساليب غير اخلاقية بهدف الحصول على تلك المخطوطات والحيلولة دون نشرها لطمس حقيقة ما حصل.

في ثيمة المراقبة لنا ان نتذكر هنا الفيلم الالماني"حيوات الاخرين" لكن بنتيجة عكسية مقارنة معه. فالرقيب لا يتعاطف مع ضحاياه في الفيلم الايراني، بل يوغل في ايذائهم.

يأخذ السيناريو الذي وقع في فخ السرد البطيء والاطالة طابعا بوليسيا الى حد ما، لكنه ينتقل في الوقت عينه بشكل متناوب بين تصوير حياة الضحية والجلاد وباداء تمثيلي متمكن. عناصر الامن تعتقد بصواب ما تفعله. هنا نجد "خسرو" سائق الحافلة شخصية من طبقة فقيرة، تراه يعتاش على اجور تنفيذ عمليات الاغتيال التي يكلف بها من قبل الجهاز الامني، لديه ابن مصاب بمرض خطير فتساوره احيانا مخاوف من ان الرب سيعاقبه بابنه اذا كان ما يفعله غير صائب. يطمئنه رفيقه ان الله يرضى عنه لانه يحمي البلد من الاعداء والجواسيس، فيشرعان بعد ذلك في الوضوء لاداء الصلاة بعد الانتهاء من اتمام جريمة خطف لصالح امن النظام.

رسولوف الذي تعرض للسجن والاقامة الجبرية اكثر من مرة واقتحام عناصر الامن لمواقع تصوير احد افلامه ومصادرة اجهزته، اصر على تصوير هذا الفيلم بعيدا عن اعين الرقيب ونجح في ايصاله الى مهرجان كان دون ان يسافر هو وحصل الفيلم حينذاك على جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما، فاعتقل على اثر ذلك مرة اخرى. عقب سنوات فجر رسولوف مفاجأته الكبرى في فيلمه الاخير الاشد جرأة "لا وجود للشيطان" الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين وعالج عبر اربع قصص عقوبة الاعدام في ايران.

عقب هذا الفيلم اصبح رسولوف هو "الشيطان" نفسه في اعين النظام الايراني الذي صادر جواز سفر المخرج ومنعه من مزاولة العمل السينمائي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top