نظـريـة الـدولـة بين ابن خـلـدون وهـيـغــل (2)

آراء وأفكار 2020/07/29 08:23:09 م

نظـريـة الـدولـة بين ابن خـلـدون وهـيـغــل  (2)

مونتسكيو الشرق

 د. حسين الهنداوي

لقد لاحظنا، طوال هذا البحث، أن هناك تماثلات جوهرية بين عدد من المكونات الرئيسة، في كل من فلسفة التاريخ الهيغلية والفكر التاريخي لابن خلدون. وإذا كان من الصعب الشك في هذه الحقيقة ، فإنها لا يمكن، بالمقابل، أن تكون نتيجة لمجرد صدفة، أو لتأثيرات بعيدة جداً، كما هو الأمر في موضوعات أخرى،

كالعلاقة بين هيغل وعدد آخر من الفلاسفة المسلمين . فنحن نعرف، الآن، أن العديد من المفاهيم الفلسفية الهيغلية، تجد أصولها ، بالفعل، لدى هؤلاء، لكنها وصلته بشكل غير مباشر، من طريق ثقافته الفلسفية الغربية نفسها، بعد أن كانت قد مرّت بسلسلة من القنوات أو التبدلات والتطورات، أدت إلى نسيان أصلها الأول.

فقد لاحظ المفكر الألماني أرنست بلوخ مثلاً، أن المفهوم الهيغلي حول العلاقة بين العقلين الكلي والجزئي، هو إلى حد كبير المفهوم نفسه الذي نجده عند الكندي. والشيء نفسه فيما يتعلق بمبدأ «الروح الكوني المطلق»، عند هيغل، إذ أشار المفكر الفرنسي، هنري كوربان، إلى أنه لا يختلف جوهرياً عن مبدأ «العقل الفعّال»، عند ابن رشد.

وعلى صعيد آخر، إن مفهوم «روح الشعب» الهيغلي، الذي مر ذكره، طرح مسألة إمكانية أن يكون مصدره مفهوم «العصبية» الخلدوني، على الباحث الألماني المعاصر، نابيل غيرهارد، في كتابه «سقراط» الصادر في العام 1969، دون أن يذهب أبعد من الإشارة العابرة إلى احتمال ذلك.

لكن طبيعة وحجم الروابط، بين فكر ابن خلدون وفكر هيغل، في ميدان فلسفة التاريخ، شيء آخر تماماً، إذ أن التماثل بينهما، هو من السعة، والإثارة أحياناً، كما رأينا، إلى درجة، لا يمكن، إلا ابتساراً، تطبيق التفسير عينه عليه. ينبغي، إذن، إفتراض إن هيغل تعرف عن قرب شديد على أفكار ابن خلدون هذه. وهذه الفرضية، بدت لنا ممكنة جداً، عبر قناتين: إما مباشرة، من طريق نصوص ابن خلدون المترجمة باللغات الأوروبية، أو دراسات حوله تضمنت ذلك وهي كثيرة في زمن هيغل، وإما من طريق غير مباشر، عبر مفكرين، تأثروا بابن خلدون، أو اقتبسوا منه، دون الإشارة إلى ذلك، كما هو الحال بالنسبة إلى مكيافلّي ومونتسكيو وفيكو خاصة.

إذا توقفنا عند الفرضية الأولى، فإننا نستطيع التأكيد، بيسر، أن هيغل كان في إمكانه جداً معرفة الكثير، وبشكل مباشر، عن صاحب «المقدمة» وأفكاره حول التاريخ، بل ربما الاطلاع على عدد من نصوصه المتوافرة بلغات أوروبية آنذاك. فابن خلدون، لم يكن مؤلفاً مجهولاً في الغرب، خلال الفترة التي بلور فيها هيغل نظريته الفلسفية حول التاريخ.

صحيح أن الترجمة الكاملة لـ«المقدمة»، لم تنشر، للمرة الأولى، في أوروبا إلا في العام 1862، من قبل الفرنسي دو سلان، أي بعد ثلاثين عاماً من وفاة هيغل في العام 1831. بيد أن هذا لا يعني شيئاً ، في رأينا. فلقد وجدنا العديد من الدراسات منشورة في أوروبا، عن ابن خلدون بالذات، يعود بعضها إلى فترة تسبق ولادة هيغل نفسه، كتلك التي نشرها الفرنسي ديربلو في العام 1697، ضمن موسوعته الشهيرة، المعروفة باسم «المكتبة الشرقية»، والتي كانت متداولة، بشكل واسع، بين المثقفين الألمان، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. الا أن الاهتمام الخاص بابن خلدون، يتزامن في الغرب مع الفترة نفسها، التي طور فيها هيغل الجانب الأساسي من فلسفته حول التاريخ. وقد لا نستطيع، هنا، ذكر جميع التفاصيل والوثائق التي تبين ذلك . إلا أننا نشير، باختصار، إلى أن ابن خلدون كان من الشهرة في فرنسا وألمانيا، أثناء الثلاثين سنة الأخيرة من حياة هيغل، التي هي سنوات نضجه الفلسفي، إلى درجة كانت بعض الأوساط الثقافية الألمانية والفرنسية، تسميه تارة «مونتسكيو الشرق»، و«مونتسكيو العرب» تارة أخرى، تعبيراً عن الاعتراف به كفيلسوف للتاريخ، تحديداً، ما دمنا نعرف أن مونتسكيو لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل لم يكن مؤرخاً على الإطلاق، انما كان مفكراً في التاريخ.

وهذه التسميات، لم يطرحها كتّاب مغمورون، إنما نجد بينهم عدداً من كبار المستشرقين، ممن يذكرهم هيغل مراراً في دروسه ومؤلفاته، معترفاً بأنه أطلع على بعض مؤلفاتهم، ومن بينهم سلفستر دو ساسي وآبل ريموزا ودومونبريه وهامر بورغشتال وشولز والعديد غيرهم. والحال، أن حماس هؤلاء وإعجابهم بابن خلدون، كانا بحد ذاتهما كافيين لإثارة اهتمام هيغل، أو على الأقل فضوله، نظراً إلى أنه أظهر اهتماماً بالغاً بمعرفة آراء جميع من سبقوه، في ميدان فلسفة التاريخ.

فمن بين ما نشره هؤلاء المستشرقون، وجدنا عشرات البحوث والمقالات عن فلسفة التاريخ الخلدونية، من بينها ترجمات كاملة لفصول عديدة من «المقدمة»، خصوصاً تلك التي تركز على الجانب النظري.

فلقد وجدنا أن مجلة علمية فرنسية، كبيرة جداً آنذاك، هي «المجلة الآسيوية»، نشرت وحدها، خلال الفترة بين 1822 و1830، أكثر من عشر دراسات عن فكر ابن خلدون. كما وجدنا في أحد أعدادها، للعام 1823، إعلاناً بأن الترجمة الكاملة لـ «المقدمة»، توشك أن تصدر. لكننا لا نعرف ما إذا كانت قد صدرت فعلاً، أم لم تصدر آنذاك، وبما أن هناك من الدلائل القاطعة، التي تثبت أن هيغل، كان على علاقة صداقة شخصية مع عدد من المشرفين على تلك المجلة، ومن بينهم فكتور كوزان، مثلاً، فإننا نستغرب جداً، أن هيغل لم يلاحظ حماس هؤلاء لابن خلدون، كفيلسوف للتاريخ، مثله، لا سيما أنه إلتقاهم طويلاً في باريس، آنئذٍ.

وهذا الاستغراب، يتعزز لسببين آخرين: الأول هو أن إطلاق نعت «مونتسكيو العرب» أو «مونتسكيو الشرق» كان كفيلاً، وحده، أن يثير اهتمامه، نظراً إلى المكانة الاستثنائية، التي امتلكها مونتسكيو الحقيقي، لديه. إذ من الثابت، لدى الباحثين، أن هيغل تأثر بـ «روح القوانين»، لمونتسكيو، أكثر من تأثره بأي مؤلف آخر. أما السبب الثاني، فهو أن هيغل، لم يكن منعزلاً عن العالم وأحداثه، إنما كان مفكراً مأخوذاً بقراءة صحف الصباح، ومهتماً أكبر الاهتمام بمراقبة كل حوادث عصره مراقبة تفصيلية دقيقة، فيما يتعلق بالتطورات السياسية الأوروبية، الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها علاقاتها الديبلوماسية بالقوى الدولية الأخرى، ولاسيما بالأمبراطورية العثمانية.

وبالفعل، إننا نجد في كتاباته إشارات عديدة، حول الوضعية الداخلية والخارجية، لتلك الأمبراطورية، يتعلق بعضها بالأخطار التي تمثلها القوة العسكرية العثمانية على أوروبا الغربية، وخصوصاً بلده ألمانيا، ولاسيما أنه كان يعرف أن هذه القوة، كانت تحتل، في عصره، معظم أوروبا الوسطى، وأن حصارها لفيينا، عاصمة النمسا، لم ينته إلا في العام 1683، أي قبل أقل من قرن فقط من ولادته. وأيضاً هناك إشارات عديدة، يتحدث فيها هيغل عن الصراعات الداخلية على السلطة، داخل الأمبراطورية العثمانية، والصدامات بين السلطان العثماني وقوات الإنكشارية.

كان طبيعياً، إذن، أن يهتم بفهم حقائق القوة العسكرية والسياسية والديبلوماسية لتلك الأمبراطورية. والحال، إن الاهتمام بهذا الشأن، كان لابد أن يقوده إلى اكتشاف أهمية ابن خلدون ومقدمته، خصوصاً أن العديد من المؤرخين والمستشرقين، الألمان والفرنسيين، المعاصرين له، أكدوا، في أكثر من مناسبة، أن «المقدمة» هي بمثابة المرشد النظري للحياة العامة في الدولة العثمانية. فبالنسبة إلى المستشرق الفرنسي الشهير سلفستر دو ساسي، مثلاً، إن دراسة «مقدمة» ابن خلدون، هي المادة المعرفية الرئيسة والأساسية، في العلوم السياسية والديبلوماسية، في الأمبراطورية العثمانية، كما أكد ذلك في مقال له، نشره في باريس العام 1818. جاء فيه بالنص: "إن الأتراك، يعتبرون هذا الكتاب، بمثابة المصدر الأهم في تكوين وتدريب رجال الدولة" .

وهذا الرأي نفسه، نجده أيضاً لدى المستشرق الألماني، هامر بورغشتال، ففي دراسة، نشرها هذا الأخير في العام 1822، جاء ما يلي: "يعتبر تدريس مقدمة ابن خلدون، بمثابة الدراسة الأساسية في الأمبراطورية العثمانية، حيث تجري دراستها من قبل رجال الحكم والوزراء والموظفين العاملين في أجهزة الدولة، وكذلك المترجمون، بل الأمراء اليونانيون المسيحيون".ص

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top