دعوة إلى إعمال العقل بالتفكر

دعوة إلى إعمال العقل بالتفكر

د. نادية هناوي

تساؤل مشروع طرحته مقالة الأستاذ سهيل كبة المعنونة (أي الفضائح فضائح؟) والمنشورة في ثقافة جريدة المدى يوم الجمعة 17 تموز 2020 نظرا لحساسية موضوعة (الفضيحة) بدءًا من الطعن الإخلاقي،

وانتهاءً بالتلذذ اللاذوقي بالمثالب والنقائص التي هي مسائل شخصية تَفقد بريقها برحيل فاعلها أو المُرمى بها وتغير زمانها ومكانها. ومن ثم يغدو أي أشهار لها أو إثارة لموضوعها بلا قيمة ولا فائدة؛ إلا إذا أُريد من وراء إثارتها(أمرٌ) يتجاوز المفضوح الذي غيبه الموت إلى شأن آخر غير حسن. ومن هنا تأتي خطورة إشهار الفضائح وسايكولوجية الذين يثيرونها في حياتنا الفكرية، أمّا بحثًا عن الحظوة بالانتشار(الطشاري) الذي لا يجاريه انتشار، وأما لأمر لا يعلمه إلا الله.

والفضائح معروفة وأنواعها مختلفة ولكل نوع أغراضه، والموقف منها تحدده مواضعات المجتمعات بحسب أعرافها وقيمها وأنظمتها وثقافاتها. ويحرص الذوق العام على أن تظل (الفضائح) في حدود الشخص الفاعل أو المرمى بها وبعيدة عن العموم. أما السعي إلى نشرها وترويجها فهو مسلك رديء يعتمده بعضهم للشهرة أو التشهير والتعريض والطعن والتحريض وهذا ليس من الأخلاق في شيء في كل السنن السماوية والوضعية. 

لكن هذا حصل للأسف بشكل مفتعل على مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الاخيرة وأثار ضجّة لا جدوى فيها البتة. والنتيجة زوبعة في فنجان لم تستطع أن تزحزح محمود درويش عن عرشه الشعري؛ بل الملامة وقعت على سليم بركات الذي حتى لو صدق في مسعاه فإنه أفشى سراً استُودِعَه. 

أقول هذا وأنا أعقب على مقالة الأستاذ سهيل كبة آنفة الذكر وفيها كان معقبًا على مقالة سابقة نشرت في الصفحة ذاتها لم يذكر عنوانها ولا اسم كاتبها تأدبًا وتلطفًا، غير أن الاهتداء برقم العدد وتاريخ النشر أعادني إلى الصفحة التي نشرت فيها المقالة في جريدة المدى وعنوانها (فضائح الشعراء لذة الأحاديث وشهود ما بعد الموت) فوجدتها لأحد تلامذتي النابهين سابقًا وزميلي في التدريس لاحقًا، مما يمنحني الحرية في الكلام (ميانة).

ولا شك أن نقل المعلومة التي تخص شاعر العرب الأكبر الجواهري من سباتها في مذكرات شخصية إلى سياق نختار له عنوان (الفضيحة) يحمّلنا مسؤولية تبنيها على وفق السياق الذي أُوردت فيه، وما يترتب على هذا الورود من دلالات. وكذلك الحال مع المعلومة (الفضيحة) التي ذكرها الشاعر سليم بركات عن الشاعر الكبير محمود درويش علما أن بركات لم يصفها بالفضيحة بل ذكرها ضمن سياق له دلالته أيضا.. 

ومقالة الزميل تواجهها جملة أسئلة وأول ما نؤاخذه عليه هو سؤالنا ما الغاية من بتر سياق بسياق لتكون المعلومة المكشوفة مسوقة في معرض الإبانة عن فضيحة، وهو القائل في المقالة نفسها (أطرف الفضائح تلك التي تأتي من الأبناء، فهي فضائح لا تقبل التكذيب وفيها شيءٌ من الطرفة والغرابة، وهذا ما كشفه "فلاح الجواهري" في كتابه الشيق "ما ترك الشاعر للريح" حيث يروي شيئًا من علاقات الجواهري بالنساء، وكيف إنَّه كان في براغ.....).

فلمَ هذا الاقتناص وذاك الإشراك للمذكرات الجواهرية؟ وهي ما هي عليه من الغنى والغزارة والعمق والشرف في علاقاتها ومديات تفرعاتها وآفاق تنوعاتها؟ 

وهذا هو التساؤل نفسه الذي طرحته مقالة الأستاذ سهيل كبة لكن بطريقة تهكمية أو استنكارية.. ولا أكشف سرًا إذا قلت إنّ الزميل يتقصد بمناسبة أو بدونها وفي أكثر من موضع وموقف ألا يذكر الجواهري بخير. ولا اعتقد أن السبب وراء ذلك عقدة إبداعية أو رغبة اسقاطية أو شك بالشاعرية وإنما السبب هو بحث الزميل عن مواضيع يعتقد أنها من النقد الثقافي وهو في هذا واهمٌ جدًا، فهذا النقد ليس فسحة بها نتخلص من تعقيدات الأبنية النصية وتراكيبها الداخلية ولا هو انشغال بالبحث في السياقات؛ بل هو التمكن من الحفر بحثًا في البنية النصية وما حولها عن أنساق مخفية لا تبدو للعيان إلا بمعاول نقدية تجمع الظاهر بالباطن والحاضر بالمغيب دايكرونيا وسايكرونيا، لتظهرها للقراء جلية واضحة.

وهذه الفاعلية كثيرًا ما يُساء فهمها فتكون المراهنة خاطئة على نسق ظاهر عادة ما يكون حبيبًا إلى ذائقتنا أو مهيمنًا على ذاكرتنا حتى لا حفر ولا اظهار وبالشكل الذي يُبقي على ثوابتنا الفكرية كما هي. وهو ما يتعارض تمامًا مع الرؤية ما بعد الحداثية للنقد الثقافي والدراسات الثقافية التي تسعى إلى قلب الثوابت والمركزيات أيًّا كانت، ومهما كان رسوخها في عقلياتنا الاتباعية.

ومن ثم يكون البحث في نقائص المبدعين لاسيما الكبار أو اقتناص زللهم وسلبياتهم غير ذي صلة بالنقد الثقافي وإنما هو سُبة قرائية نرجو ألا تكون سُنة، فنتدخل في خصوصيات الآخرين التي هي شأن خاص بهم. 

ولو كنا نتعامل مع المذكرات والسير واليوميات والاعترافات على أنها تعرض الأسرار الشخصية وتكاشف الناس بها، لما كَتَب أحد مذكراته خوفًا من أن يتسقط المتسقطون زلات صاحبها الحياتية ولا يتعاملون معها بوصفها نوعًا سرديًا وإبداعًا أدبيًا هو حصيلة فعلي الذاكرة والتخييل؛ ثم أن هذه الكتابات كما يقول فيليب لوجون هي بمثابة مواثيق أدبية فيها فعل الذاكرة يظل فعلًا إبداعيًا حيث السارد والكاتب يشتركان في التوثيق والتخييل. واشتراكهما يسقط عن المذكرات والسير واليوميات والاعترافات البعد الشخصاني ويؤكد طبيعتها الأدبية كنوع كتابي وثائقي ينضوي في جنس عابر على السيرة والمذكرات وأعني جنس(الرواية).

وتظل الغاية من وراء نقد هذا النوع من الكتابات جمالية لا تتبع المثالب ولا تبحث عن الفضائح؛ وإنما ترصد مسالك البوح وتشخص تحولات السارد وتفسر الظواهر والبواطن.

ونحن كقراء للمذكرات والسير لا نملك الحق في أن نتعامل معها خلاف ذلك أي أن نراها نصوصًا شخصية لا أدبية قائمة بذاتها، متوهمين أنها مستمسكات هي بمثابة (عرض حالة أو عرضحالجي) يمكن أن نتصيد فيها الذي يغرينا بتصيده.

وبالطبع لو أننا أردنا أن نقتنص (الفضائح) في حياة المشاهير الشخصية فسنملأ منها كتبًا وسنحصل مقابل ذلك على الشهرة والانتشار من لدن متلقين تثيرهم الموضوعات الصفراء وتحفز فيهم الدهشة والاستغراب. ويحضرنا هنا قول المسيح (ع) "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر".

لا أود الاستزادة في ما ينبغي التعامل به نقديًا مع اعترافات الكتّاب وسيرهم ومذكراتهم ولكن أعجبني في مقال الاستاذ سهيل كبة طرحه الموفق الذي ضرب فيه أمثلة حول الفضيحة في الحياة الفكرية لعزرا باوند وغونترغراس وبورخس وعبد الرزاق عبد الواحد ولؤي حقي ورعد بندر وغيرهم. 

ولعل الأهم في مقالة سهيل كبة تساؤله وهو يعرج على معلومة تراثية فيها أخذٌ وردٌّ (هل نحتاج إلى طه حسين آخر؟..) وهذه التفاتة جد كبيرة وأجابته عليها أكبر (نعم نحتاج إلى أكثر من طه حسين) وهي دعوة رائعة إلى إعمال العقل باعتماد النظر العقلاني والمنهجي في التعامل مع التراث وهذا هو أساس ثورة طه حسين التي سيمضي عليها قرن قريبًا. فهل تناسينا هذه الثورة بتقادم الزمان؟ أما كان حريًا بالبحث الأدبي العربي عامة والأكاديمي منه خاصة أن يواصل ما بدأته ثورة طه حسين ويحولها إلى علم قائم بذاته جنبًا إلى جنب علوم الأدب واللغة؟ ومعلوم أن العرب الأقدمين كانوا أشجع منا وهم يبتكرون العلوم حسب حاجات حياتهم العلمية والاجتماعية وحتى الدينية فابتكروا مثلا علم الحديث لأنهم كانوا بحاجة الى ضبط أحاديث الرسول الكريم وقد صار علما له أسسه وقواعده وأساليبه وله أعلامه ومدارسه وله أقسامه وتفصيلاته. وكذلك ابتكروا علوم القرآن كعلم التفسير وعلم التنزيل وعلم العقائد واوجدوا علم الرجال وهو الآخر له غاياته وأعلامه وأسانيده ومضاميره.. وغير ذلك كثير لا مجال لذكره هنا. فما أحوج حياتنا في مرحلتها الراهنة إلى أن نجعل من ثورة طه حسين علمًا سنسميه (علم البحث الحفري) به نتعامل جينالوجيا مع وقائع التاريخ ووثائقه أو الإرث الإبداعي بمختلف صوره وتعدد مصادره وتنوع مكوناته وعناصره. وتحديد سمات هذا العلم وآفاقه ووضع القاعدة المعرفية لها يتوقف على المعنيين بدراسة تاريخ أدبنا العربي ومدى شعورهم بضرورة أن نعرف حقيقة المدون من هذا التراث والحفر عما لم يدون، متجردين من أية أهواء أو أغراض او آيديولوجيات.. وما أرجوه هو أن تصل الدعوة للذين تعنيهم.. وأملي بأن يستجيبوا لها كبير.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top