الرقابة المجتمعية على الجهاز الاداري للدولة

آراء وأفكار 2020/08/01 07:22:05 م

الرقابة المجتمعية على الجهاز الاداري للدولة

د. اسامة شهاب حمد الجعفري

ان الطبقة الادارية هي صاحبة الادوار الاكثر حساسية في الدولة، لا قيمة لأي قرار سياسي ان لم تكن القناة الادارية قناته التنفيذية، وهي بذلك تساهم بشكل فاعل في إنجاح خيار الدولة أو إفشاله، إن امر اقامة الدولة وفرض هيبتها يتوقف على مدى أهلية هذا الجهاز في اداء وظائفه، فالدولة تنهض بجناحين،

الجناح السياسي والجناح الاداري، فإذا كان الجناح الاداري ضعيفا فلا تأثير للسياسي المنتج، وإذا كان العقل السياسي ذو عاهة فانه سينقل عدوى الترهل والفشل للجهاز الاداري للدولة ككل.

فلا يصح ان تقتصر الرقابة المجتمعية على العاملين في الحقل السياسي والاحزاب السياسية وانما يجب ان يمتد الفحص والتدقيق المجتمعي الى الجهاز الاداري للدولة، وهذا نابع من اهمية وخطورة الاعمال التي يضطلع بها الموظف العام والتي لا تقل اهمية عن الدور الذي يضطلع به السياسي. فالسياسي يضع الخطط والسياسات العامة للدولة ضمن اروقة السلطة التشريعية ثم يأتي دور الاداري ليضع هذه الخطط وهذه السياسات العامة الى واقع مادي ملموس في حياة المواطن العراقي، فالوسيلة المادية التي تستخدمها الدولة للقيام بواجباتها ازاء المواطن في تقديم خدماتها له وتوزيع الثروات انما هي الاداري، فإن احسن الاداري تطبيق سياسات الدولة في ذلك فان المواطن سينظر الى الدولة بعين الرضا والمقبولية وانها قامت بما ينبغي ازاءه والا فان السخط لن يرتب اثره على الموظف العام الذي اساء ادارة شؤون المواطن وانما سينصرف هذا الشعور تجاه الدولة ككل.

ومن هنا، و من مصدر الاثارة الخطرة على الدولة، يجب ان لا يقتصر نطاق التدقيق على الاعمال الوظيفية التي تقوم بها الطبقة الادارية على الاجهزة الرقابية الرسمية، وانما يجب ان يخضع الاداري في أعماله الى مراقبة المواطن العراقي مراقبة مجتمعية محكمة فاعلة لكشف عيوبه والانحرافات بالسلطة الادارية عن غايتها الاساسية في تحقيق المصلحة العامة وتقديم الخدمات لان رضا المواطن هو غاية هذه السلطة الادارية بل هو حجر الزاوية لاي سلطة في الدولة، وان المواطن العراقي إذ يقوم بواجبه العظيم هذا في مراقبة وفحص وانتقاد الاعمال الادارية لهذه السلطة إنما يقوم باعتباره اختصاصا اصيلا معقود له، فالحكومة واجهزتها الادارية ليست اكثر من وكيل عن مواطنيها في ادارة شؤونهم ادارة فعّالة وكفوءة، فمالك السلطة الرقابية على الجهاز الاداري انما هو المواطن الذي يمكنه ان يستعملها اذا ما قصر الوكيل في اداء وظيفته الموكلة له، وبهذا المعنى الواضح جاءت الفقرة (اولاً) من المادة (27) من الدستور العراقي والقت على عاتق المواطن العراقي واجب حماية المال العام، ومن اهم مصاديق حماية المال العام هو مراقبة ادارة المال العام ومدى تحقق الكفاءة في ادارته من اجل تلبية حاجات المواطن المتعددة والمتجددة والمتطورة وعلى كافة الاصعدة من تعليم وماء وكهرباء وصحة وامن ...الخ، كل هذه الحاجات المجتمعية لن يستطيع المواطن الوصول لها الا من خلال جهاز اداري كفوء قيادي نزيه خاضع لرقابة المواطن نفسه صاحب الحاجة الاساسي، فالحاجة والمصلحة صاحبها اولى بالدفاع عنها واكثر فاعلية من غيره. واذا ما قام بها فانه سيرى نتائجها المبهرة في تصاعد مستوى الخدمة التي تقدمها الدولة له. وبهذا الاساس الدستوري فان المواطن هو صاحب السلطة الدستورية في حماية المال العام من خلال قيامه بعنصر الرقابة المجتمعية على ادارة المال العام من اجل ان يحقق اغراضه واهدافه في تحقيق رفاهية المواطنين العراقيين بدلا من ان يحقق رفاهية طبقة معينة وترك الاغلبية الساحقة للمجتمع العراقي بلا خدمات اساسية. بلا رقابة مجتمعية للمال العام لن يتحقق الخير العام.

ان تمكين المواطن العراقي من ممارسة واجبه الدستوري في مراقبة الجهاز الاداري ومساءلته وانتقاده لا يعني اقامة علاقة متوترة بين المجتمع والجهاز الاداري الذي يقدم له الخدمات ويلبي مصالحه القانونية، ولا يعني كذلك معاقبة الموظف العام، بل بالعكس إنه يعني اقامة علاقة تعاون جديدة تتسم بالميدانية للموظف العام وادارته من خلال الوقوف الميداني على مواطن الخلل والتقصير الذي يكون المواطن اكثر تشخيصًا له من الموظف العام القابع وراء مكتبه مشغولًا بمهامه الورقية اكثر من الميدان والواقع، فحتى الاجهزة الرقابية لا تدقق ولا تحاسب الا بموجب الاوراق تاركةً الواقع وراء ظهرها مهملًا بلا رقيب وبلا محاسب، وهذه المنطقة الفارغة من العمل الرقابي الرسمي يجب على المواطن العراقي ان يملأها من خلال ممارسة واجبه الدستوري في رقابة الطبقة الادارية.

يبقى شيء مهم، وهو على المواطن العراقي ان يتجاوز الازمة المجتمعية في فهم اخلاقيات العمل الاداري وان لا يركز رقابته المجتمعية للجهاز الاداري على الجانب الشخصي في الانتقاد ويترك الجانب الموضوعي، فالاهم في الادارة هو النظام والسياق الذي يحكم الجهاز الاداري والذي يعمل تحت ظله الموظف العام والا بات المواطن في رقابته المجتمعية يتحرك في دائرة مغلقة من الاستمرارية في تبديل وتغيير الاداريين واستهلاكهم من دون تحقق نتائج مرجوة في تحسين الاداء الوظيفي الذي يحكم تقديم الخدمات، حتى يصل المجتمع العراقي بسبب التركيز على الجانب الشخصي دون الموضوعي الى حالة من القناعة اليائسة بان مجتمعه فارغ من الكفاءات والقيادات الادارية المنصفة والتي تستطيع النهوض بهذا الواقع البائس الى واقع اكثر تفاؤلًا وتقدمًا، ويأخذه اليأس الى الركون والسكوت والتخلي عن واجبه الدستوري والرضا بجهاز اداري غير منتج للمواطن العراقي، وان قيام هذه الحالة العامة من اليأس تشجع الاحزاب السياسية في القفز لشغل مواقع الادارة من قبل اتباعها الموالين لها وليس للدولة وإقناع المواطن العراقي انه الانسب في شغل المواقع الادارية لانه يملك شبكة علاقات مع صانعي القرار في مختلف القطاعات في حين الاداري البحت الذي لا ينتمي للاحزاب السياسية يواجه صعوبات غفيرة في تنفيذ اهدافه لعدم تمتعه بهذه العلاقات السياسية فتذهب كل جهوده ادراج التسويف والاهمال من قبل الجهات التي يحتاج اليها.

وهنا مكان العقدة ومكان الازمة المجتمعية للمواطن العراقي، فالمشكلة الادارية في الدول التي تحترم نفسها وتحترم المواطن تُحل وفق النظام الاداري الحاكم وسياقه القائم على احدث النظريات الادارية وان المدير لا يحتاج الى تكوين شبكة علاقات سياسية مع اصحاب القرار لتنفيذ يرامجه وخططه واهدافه، فكل ما عليه ان يتبع النظام الاداري وسياسته القانونية المقررة من قبل الدولة لتنفيذ مطالبه من دون اي وساطة سياسية، بهذه الطريقة تسير الادارة في الدول المحترمة والتي تحترم صك حقوق المواطنة. فتقديم الخدمات للمواطن لا يحتاج الى وساطة سياسية بل يحتاج الى رقابة مجتمعية تفرض نفسها في الدول الديمقراطية.

هذا النوع من التفكير في طريقة ممارسة الرقابة المجتمعية من قبل المواطن يكلف المواطن الكثير ولن ينهي ازمته، ومعاناته، بل يظل يطرق الابواب، ابواب السياسيين الى مالا نهاية اذا تحول ذلك الى نمط سلوك اجتماعي عند المواطن، فالذي يجب ان يكون منبوذا اجتماعيا اصبح محلا للاحترام لانه يستغل الوساطات السياسية في حل المشكلات، ومما لا شك فيه ان تلك الوساطات لن تكون بلا مقابل ومن اجل المواطن بل هي بمقابل من خلال الاستحواذ على العقود والمشتريات لهذه الادارة ويتحول هذا الاداري الى سياسي يحول الادارة لتكون مصدرا للمال السياسي، إذن على المواطن العراقي وهو يقوم بواجبه الدستوري في الرقابة المجتمعية على الطبقة الادارية ان يشخص الخلل والتقصير في النظام الاداري الذي يحكم الوظيفة العامة ويسعى لقلبه واعادة النظر فيه وتغييره بشكل يتناسب مع احدث النظريات الادارية وهو اذ يقوم بذلك فانه يختصر الوقت كثيراً في تحقيق النتائج المرجوة من المراقبة المجتمعية في تمتين الدولة وصيانتها من خلال ايجاد نظام اداري اكثر فعالية واكثر كفاءة في ادارة مصالح الجمهور ولا يحتاج الى الوساطات السياسية التي لن تأتي بشيء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top